حَكَمَ التَّنّوخيّون جَبل لبنان منذ نحو 600 سنة، وكانوا يَقطنون في مَنطقة الشّوف، وكان مَركز حُكمِهم في مَنطقة بعبدا. وكان مَجرى نَبع الصّفا (نهر الدّامور) مَمَرًّا حَيويًّا بالنّسبة إليهم، لذلك كان بناء جِسرٍ عليه أمرًا مُلحًّا.
ويقال أن أحد التنوخيين الذين سكنوا المنطقة وهو القاضي عماد الدين حسن المعروف بـ "أبي العز" و"أبي اليقظان"، كان يمر دائماً في النهر على صهوة جواده، ولفته مرة، كيف أن النساء يرفعن أثوابهن للمرور في مياه النهر فأخذته النخوة والشهامة فقرر بناء جسر يحفظ الشرف ويستر النساء...
بُنيَ الجِسر في القرن الرّابع عَشَر، وقد عُرِفَ الجِسر بإسم "جِسر القاضي" وسُمِيَّت المنطقة بإسمِه. كان يُستعمَل فقط من قبل المُشاة والمكارية مع دَوابِهم لِضيق مَسرَبِه. وغالبًا ما كانت تَغمُرُه مياه النّهر. في أواخِر القَرن السّابع عَشَر رَمَّمَه القاضي زَين الدّين محمّد بَعدَ أن خرَّبَته عوامل طبيعيّة...
وقد قال عن الجسر أحد الزجّالين
يا جسر من بين الجسور بتنعرف
قاضي البناك الدهر بفضلو اعترف
كرمال حرمي النهر بلل ثوبها
عمّرك حتى يحافظ عالشرف
شُيّد هذا الجسر ليس فقط لستر النساء، بل لتسهيل تنقّل الأهالي من مناطق الشحار باتجاه الساحل وباتجاه البقاع وبالعكس. وتذكر الروايات أن تشييد الجسر استغرق نحو أربعين يوماً. وكان الجسر ضيّقاً نسبياً، إذ صُمّم بما يكفي لعبور المشاة ودوابهم فقط، بينما كانت عربات الخيل تجد صعوبة في اجتيازه. كما لم يكن مرتفعاً كثيراً، لأن مياه النهر كانت تغمره في أوقات الفيضان. وفي أواخر القرن السابع عشر قام القاضي زين الدين محمد بترميمه، بعد أن أتلفت مياه النهر جزءاً منه.
وفي العام 1885، أعادَ المُتَصَرِّف العُثمانيّ واصا باشا بِناء جِسرٍ جَديدٍ قرب البُقعة الّتي كان قد أُقيمَ فيها الجسر القديم سابقًا، فبَلَغ طولُه 35 متراً وعَرضُهُ سِتَة أمتار، أما ارتفاعُه فَبَلغ تسعة أمتار. بُني على قناطر ثلاث واستُعمل في بنائه الحَجَر المَقصوب. صُنِّفَ جسرًا أثريًّا وهو خارج الاستعمال حاليًّا.
أدّى مرور السنين وتعاقب القوافل إلى إنهاك الجسر الثاني، وزادت حالته سوءاً بعد مرور الدبابات الإسرائيلية. ومع مرور الوقت خرج من الخدمة، فتم إنشاء جسر ثالث إلى شماله. وقد صُمَّم هذا الجسر الجديد ليكون أوسع وأكثر متانة، وفقاً لمعايير هندسية حديثة. وقد بلغ طوله 48 متراً، وعرضه 12 متراً، وارتفاعه عشرة أمتار، وقد شُيّد من الإسمنت المسلّح.