كنيسة مار فوقا – شموت

شْموت، ولفظها في العامّيّة شْموط، هي إحدى قُرى بلاد جبيل، تَرتَفِع عن سطح البحر بِمُعدَّل 400 متر، وتَبعُد عن العاصِمة بيروت 53 كيلومتراً ، والطريق إليها تَنطلِق من جبيل مرورًا بجدّايل وغرزوز ومعاد.

 

أمّا اسمها فيُرجِّح الدكتور أنيس فريحة، في كتابه "معجم أسماء المُدن والقرى اللبنانية"، أن يكون من جَذر "شِمَم" ومعناه خَرَّب وهَدَمَ وسَلَبَ، أو من جَذر "شَمط" الذي يعني السُنبلة وبيت الرُحى أي الطاحون، أو من كلمة سِريانية تعني العلامة والأثر.

 

أمّا رياض حنَين، في مُعجَمِه عن أسماء هذه القُرى والبلدات، فيذكُر أن التقليد يروي عن حاكِم طرابلس الصَليبي الأمير بوهيموند أن كان له ولدان، بول وجان، وقد سَكن أحدهما في المَكان المَدعو "شموت" والثاني في قرية كانت وما زالت معروفة باسم غُلبون. ولمّا خلع بول عنه زيَّه الأجنبيّ مُستبِدلاً إياه بالزيّ العربي، غضب أخوه جان فجاء إليه عاتباً ومؤنّباً، وأجبره على التّمسّك بزيّه الأصليّ. فَسَرى خبر تلك الحادثة بين الناس وصاروا يتناقلونها قائلين إنّ جان شمت بأخيه، حتّى أُطلق على المكان الذي يَقطُن فيه بول اسم "شموت".

 

في تلك القرية كنيستان، واحدة على اسم القديسة شمونة وهي الكنيسة الرعائية، والثانية على اسم مار فوقا، وهي الّتي تهمّنا كونها أثريّة. هذه الكنيسة كانت في ما مضى ديراً مُهمّاً، إلى أن دُمِّر على يد المَماليك كغيره من الأديار والكنائس خلال هَجمَتِهم الشَرِسة المَعروفة عام 1305.

 

وبعد لجوئنا الى المَصادِر التاريخية المُتعلقة بتلك الحَقَبة، لَم نَجِد لهذه الكنيسة ذكراً في "جورنال فَحِص" الخاص بشموت والعائد الى العام 1865، ولا في هذا الجورنال الخاص بالعام 1884، ولكن لاحظنا أنّه أٌشير إليها في جورنال عام 1900 بالقول: "كنيسة مار فوقا خِربة يُقدَّس فيها يوم عيدها بإذنٍ شفاهيّ من المطران يوسف فريفر"، وهو كلّ ما ذُكِر عنها في هذا الجورنال، حتّى إنّ إصدار العام 1912 لم يأتِ على ذِكرها.

 

ظَلَّت هذه الكنيسة على ما خَلَّفه فيها المَماليك حتى الماضي القريب، حين أُعيد العمل على ترميمها. تتألّف كنيسة مار فوقا من سوقٍ واحدة، مَبنيَّة بِعَقد قَصَبة مع حَنيَّة غائرة ومُكوَّرة بعقدٍ يلوح كأنه مكسور. والتكويرة مَفصولة عن قاعدتها بإفريزٍ حَجريّ، وتعلو هذا الإفريز أربع فُتحات في الحجارة تشكّل مجتمعةً صليبًا، كونها موزّعة على جهات أربعة، واحدة في الأعلى وأخرى في الأسفل ووثالثة لجهة اليمين والرّابعة إلى اليسار، وهذا الصليب يسمح بمرور الضوء الى داخل الكنيسة. وقد استُعيض حاليّاً عن المذبح بتاجين يعلوان عمودين أثريّين يرتفعان بدورهما على قاعدة عبارة عن جزء من عمودٍ دائريّ. ويُلاحِظ المُشاهِد صليبين مَنقوشين على السِّاكف الحَجري..

 

 

ويقول الباحث Levon Nordiguian    في كتابه “Chateaux et Eglises du Moyen Age au Liban” ، إن كنيسة مار فوقا في شموت تَعود الى العصر الوسيط، وهي كابيلاّ صغيرة ذات جِناح واحد، ومِحراب نُصف دائريّ، وصَدرِها ناتىء تَماماً. وهي مُظلَّلة بسنديانتين رائعتين، وهُما ليستا سوى الجزء الظاهر من مُنْشَأة زراعية صغيرة تَعود الى العصر الوسيط.

 

وفي مُحيط الكنيسة، تَنتَشِر بقايا أعمدة ومطاحن، ونَجد بِئرين وحَجَرين ضَخمين على شَكلِ مَحدَلتين يتمّ فيهما عصر الزيت بواسِطَة رُحى في مَعصرَة زيتون.. وهما شاهدان على تَلك الحقبة من الزمن