كنيسة مار الياس - بلاط جبيل

https://www.youtube.com/watch?v=Q79PZ6Yf0Dc&list=PLtuhNwQjShoyTMR2EhMZ3N6pDOULJ2tT_&index=5&t=0s

 

بلاط قرية من قُرى قضاء جبيل، تَبعُد عن هذه المدينة حوالي ثلاثة كيلومترات لجهة الشرق، كما تبعد أربعين كيلومتراً عن العاصمة بيروت، وترتفع 190 متراً عن سطح البحر.

 

ولإسمِها عِدة تفسيرات، منها، حَسب كتاب "معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية" للدكتور أنيس فريحة، أنه قد يكون سامّياً قديماً بمعنى "بيت بلاط" أيّ الملجأ، كما قد يكون من "بلاتا" التي تعني "الهارب"، هذا مع أن الإسم الذي نعرفها به حالّياً هو إسم عربيّ.

 

أمّا أقرب الفَرضيات الى حقيقة معناها فهي إنها لفظة فينيقية بمعنى "البعلة"، أيّ أنثى البعل الذي يعني بالفينيقية الإله، فتكون البعلة هي الإلهة او الربَّة او المولاة (تأنيث المولى)، إذ ان هناك إتجاهاً الى إعتبار هذه التسمية هي الأساس لبلاط نظراً لغناها بالآثار المَطمورة في أرضها والتي توحي بأنها كانت مركزاً لعبادة البعل والبعلة. ومع ذلك فهناك إمكانية أخرى وهي أن يكون أصل الإسم فينيقياً: "بيلاّتي" الذي يُطلَق على أحد آلهة الفينيقيين.

 

 

ويروي Levon Nordiguian  في كتابه “Chateaux et Eglises du Moyen Age au Liban”  أن الدراسات الإثرية التي أُجريت في تلك القرية أثبتت إن كنيسة مار الياس فيها تقوم شاهداً على تَعاقُب الحضارات في منطقة جبيل. وهذه الكنيسة، المُكرَّسة على إسم مار الياس، تنتصب في وسط هذا المجمَّع السكنيّ الذي يتَّسع بسرعة، وكان إرنست رينان أول مَن نشر الكتابات اليونانية المنقوشة فيها. وفي السبعينات من القرن الماضي اجرت المديرية العامة للآثار أشغال ترميم ٍ في بُناها التحتية كان لها أثر ملحوظ في إغناء الوثائق المتعلقة بالنقوش التي تحتوي عليها، كما كشفت عن أجزاء من الرسوم الجدرانية الموجودة فيها.

 

 

حِجارة هذه الكنيسة مَجلوبة، على الأرجح، من هيكلٍ يعود الى العصر الروماني، بينها خمس قِطع تتضمن نقوشاً تتيح لنا تحديد زمن تشييد هذا البناء بأنه حَصل في عهد الأمبراطور أنطونان التقيّ (138-161). والبقأيّا المكتشَفة في المكان تنقسم الى ثلاث فئات: كتل من فنّ العمارة المُحدَّبة، وأخرى تلتزم أصول فنّ الهندسة المعمارية، وبلاطة ضَخمة منحوتة تمثّل رجلاً.. مَوجودة حاليّاً جنوبيَّ الباب الغربي وينبغي أن تكون قد جُلبت من أحد المدافن.

 

من الناحية المِعمارية تظهر هذه الكنيسة على شكل بناءٍ ضخمٍ مستطيل دون أيّ عنصرٍ فيه بارزٍ الى الخارج. وفيها بابان في جهتَيها المُستطيلتين وباب آخر في الواجهة الغربية. وثمة فتحتان يتسرَّب منهما النور الى المعازب الشرقية. وحسب مُخطط ثلاثيّ الأقسام يفصل بين أجنحتها قوسان يشكّلان أربع معازب (travées) ، وحَنيّاتهما المَكسورة تَستنِد الى ركائز عظيمة مُستطيلة أُحادية الحجر. وهذه الركائز مجلوبة، كما تُظهر دلائلها، من مبنىً يعود الى العصور القديمة (antiques) . والأجنحة تنتهي في الجهة الشرقية بوسادة مُسطَّحة في الداخل والخارج معاً، وهو شكل غير مُتوقَّع في كنيسة تعود الى العَصر الوسيط، خُصوصاً في ما يتعلَّق بالجناح الأوسط. أمّا حائط الوسادة فلا يبدو لنا أنه معاصر بكامله للجِناح.

 

 في الكنيسة هناك قِطعتان مرسوم عليهما: أحداهما على الحائط الجنوبي وتُمثّل فارساً، والأخرى على الوجه الغربي لركيزة القوس الشمالي الأكثر جنوحاً الى الغرب، وهي تُمثّل شخصاً يحمل صليب شهيد ويعتمر قلنسوةً مخروطية الشكل.

    

أمّا ندى حلو في كتابها "La Fresque (I)" فهي تَذكُر، في الفصل الذي خَصَّصته لكنائس ناحيتَي جبيل والبترون، إن كنيسة مار الياس في بلاط – جبيل مَبنية في جزءٍ منها بحجارة هيكلٍ رومانيّ ٍقديم كان قائماً في موضعها الآن أو في نواحيه. وتُضيف إن كتاباتٍ عديدة منقوشةً باللغة اليونانية على حِجارتها تُحدّد زمن بناء هذا الهيكل على عهد أنطونان التقيّ (138-161)، أمّا تاريخ بناء الكنيسة فلا يزال غير محدَّد.

 

وتَسترسِل المؤلفة في كلامها عن هذه الكنيسة قائلةً إنها تبدو من الخارج كِتلةً مَستطيلة أكبر قليلاً من كنيسة بَحديدات، ولها ثلاثة أبواب مفتوحة على الجهات الشمالية والغربية والجنوبية. أمّا الداخل فهو مفصول بصفَّين من القناطر ذات أربع معازب مفسَّخة قليلاً، وهي تستند على ركائز قصيرة وسمينة ذات تصميمٍ طوليّ وأشكالٍ ريفية (rustiques). والحائط الشرقي، الكائن خلف المذبح، هو مُستقيم ويبدو أنه يعود الى حَقبة أكثر قِدماً من بقية الكنيسة التي تعود الى العصور الوسيطة (Moyen Age) . وقد صُقلت ( (décaperالجِدران منذ مدةٍ غير بعيدة، ولكنَّ البواقي الصغيرة جداً من الرسوم التي كانت ماثلةً عليها تَشهَد على إنها تعود الى القرن الثاني عشرأو الثالث عشر. ولنا أن نتكهَّن، بالنسبة الى حائطها الجنوبيّ، ان الاجزاء الباقية من الرسوم التي كانت على هذا الحائط تمثّل فارساً قدّيساً مع دِرعِه النصف دائريّ الموضوع على دابَّته (monture) الى الوراء، ومَلامحِه تَدلُّ على أنه القدّيس سيرج أو القدّيس باخوس. ونَتبيَّن على الركيزة المُقابلة له هيئة العذراء مع طفلها. وعلى الركيزة الشمالية الغربية يظهر وجهٌ مَمحوٌّ جدّاً لقديسٍ يَحمِل صليباً بيده وشيئاً على شكل قلنسوة على رأسه.

 

 وبالعودة الى الكتابات اليونانية التي أشرنا اليها اعلاه يمكن ان نقرأ، على العتبة الموجودة عند مدخل الكنيسة الجنوبيّ، عبارة:

                                         "ET DIONYSIOU TOUKA"

وفي وصفٍ آخر لهذه الكنيسة نقرأ عند الدكتور كريستيان الخوري، في كتابه "العذراء مريم في لبنان" – الجزء السابع، انها تُقسم الى سوقٍ رئيسيَّة وسوقَين ثانويَّتين. فالسوق الرئيسية تنتهي بحنيَّة مُنبسطة ذات ثنيَّة واحدة غائرة. وتفصل بين الأسواق الثلاث عقود ثلاثة نصف دائرية ومجوَّفة تقوم ركائزها على حجارة ضخمة. وفي آخر الكنيسة لناحية الباب الغربي بقايا تمثال لشخصية رومانية. والكتابات التي تنتشر داخل الكنيسة وخارجها محفورةً في الحجر تشير الى ان الهيكل القديم الذي قامت الكنيسة مقامه شُيّد على إسم كبير آلهة الفينيقيين بَعل أو تمّوز. والصورة التي تعلو المَذبح تُمثّل مار الياس، وهي من رسِم كنعان ديب الدلبتاني. وفي عهد المماليك إستُعملت هذه الكنيسة كخانٍ، أيّ منزول، للمُسافرين والغرباء، وفي بداية العهد العُثماني إستُعملت إسطبلاً للخيل في قسمٍ منها، وفي القسم الآخر أُنشئت معصرة للزيتون.

 

وفي أوآخر القرن الثامن عشر قَدَمَ الشيخ وهبه الدحداح الأول من كسروان وإستملك بلاط، فَحوَّل الإسطبل الذي أصبح من أملاكه الى كنيسة على إسم مار الياس وأعاد ترميمها، فكرَّسها المطران يوسف المريض في 4 كانون الأول 1870. وفي العام 1919 ضربتها صاعقة، فأعاد الشيخ إسكندر كنعان وهبه الدحداح ترميمها. وفي العام 1978 قامت مديرية الآثار بترميمها على الشكل الذي تقوم عليه الآن.