دير سيّدة نسبَيه - غوسطا

في الجِهة الشمالية من مَحلَة دُعيت منذ القديم بإسم "بيت نِسبيه"، كما يُستفاد من كلامٍ للأب انطوان مُقبل، يَقَع دير سيّدة نِسبيه التابع للرهبانية اللبنانية المارونية. ويَصِفَه أنطوان خويري في كتابه "تاريخ غوسطا" بأنه يقوم على هَضَبة مُقابل دير مار شلّيطا مقبس وفوق عين ماء تُدعى "عين عروس".

 

يعود تاريخ بناء هذا الدير الى ما بين العامَين 1880 و1882، إذ بوشر به في التاريخ المذكور أولاً وأُنجِز بناؤه في التاريخ اللاحق أي بعد سنِتين، وكانت الغايةُ مِنه جَمعَ شملِ النشءِ الرهبانيّ وتوحيد تربيتِه وتوجيهِه.

 

 ويتابع أنطوان خويري قائلاً إن كنيسة الدير بُنِيت حَسب أجمل فنّ ٍ معماريّ ٍ شَرقيّ. فَحنايا قناطرُها مَعقودَة بالحَجر، وقد تمَّ بناؤها سنة 1883،أي بعد سنةٍ من إنتهاء بناء الدير. وتُشير الحِجَج والصُكوك العائدة له الى أن الكنيسة كانت تَحمِل تارةً إسم "سيّدة النجاة" وطوراً اسم "سيّدة النصر" حتى أوآخر العام 1882، ثم إستقرَّت على إسم "سيّدة النَصر". وهي مُزدانة بِصورة لمريم العذراء مرفوعة فوق المذبح الكبير.. من ريشة الفنّان داود القرم عام 1887، وهي تِحفة فَنّية رائعة الجمال، وتَحتَوي على 36 ملاكاً يَختَلِف كُلٌّ مِنهم عن الآخر. وقد خُطّتْ تَحتَ صورَة السيّدة العذراء في اللوحة العبارة التالية:

"قد بارَكَكِ الرَّبُّ بِقوَّته لأنه بكِ أفنى اعداءَنا. يهوديت، صفحة 13، عدد 22".

كذلك نقرأ الى الجانب الأيمن من أسفل هذه اللوحة عبارة:

"بإعتناء قُدس الأب العام مرتينوس غوسطاوي".

 

 وتاريخ الإنتهاء من بناء الكنيسة تُخلّده بلاطة رخامية مُثْبَتة فوق بابها الغربيّ، نُقِشَت عليها الأبيات الشِعرية التالية:

قد شاد للعلم في نِسبيه ريّسنا                               مرتينوس العامّ ديراً لُبَّ لبنــانِ

مع هيكل الله معزيّاُ لسيّـدةٍ                                  تُعزى على النصر مزداناً باتقـانِ

قد جاء تاريخه ممّا يصادقه                                إذ تمَّ ما قيل: "أُعطيْ مجدَ لبنـانِ"

1883

وهي أبيات رديئة اللُغة والشاعرية كما هو واضح، من ذلك خُصوصاً ورود كلمة "مُعزيَّاً" في البيت الثاني التي يجب أن تكون "معزواً"...

 

وعلاوةً على دَوره التربويّ المُركّز على النشءِ الرهبانيّ  يواصل ديرُ سيّدة النصر نشاطَه الزِراعيّ في نَقب الأراضي وإستصلاحها.. في غوسطا وميروبا والكسليك، ويقوم بالخَدمات الرَعويّة فيه وفي القُرى المُجاورة، وبالتعليم المسيحيّ والرياضات الروحيّة.

 

أنشأ الدير، سنة 1979، بالتعاون مع الحَركة الرَسوليّة المَريميّة في غوسطا، "مَركَز سيّدة النَصر للثقافة الدينيّة" الذي يَؤمّه طُلاّبٌ من غوسطا والجوار.. فيؤمّن لهم دُروسًا ومُحاضراتٍ لاهوتيّةً وروحيّةً وثقافيّةً في شتّى المجالات.

 

و كان الدير قد أُصيب، في شتاء العام 1950، بِصاعقة هَدَمَت قَّبة جرس الكنيسة، وحَطَّمَت بعض الغُرَف وبعض الأشياء داخل الكنيسة، وذهب ضَحيتها أحد أساتذة المَدرَسة المُلحقة بالدير المُربّي جورج كميد، فإنضوى شقيقه الأصغر، حبيب، في ما بعد في سلك الرهبنة اللبنانية المارونية مُتخذاً في الكهنوت إسم أخيه جورج، وغدا من ثم رئيساً على هذا الدير لمدةٍ طويلة.

 

ويُبرِز كتاب "تاريخ غوسطا" ما كان لدير نِسبيه من دورٍ كبير في تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية، إذ كان في بعض الفترات الزمنية مركزاً لرئاستها العامَّة، كما أقام فيه البطريرك يوحنا الحاج مع أساقفة الطائفة وحاشيته لمُدة ثلاث سنوات، في أثناء ترميم المقرّ البطريركي في بكركي، وفيه تلقّى هذا البطريرك دِرع التثبيت الذي أرسَله إليه البابا لاوون الثالث عشر(1878-1903)، لذلك إعتُبر من جُملة الأديار البطريركية. ويُشار الى أن الغرفة التي كان يَشغلها البطريرك أصبحت اليوم بتصرّف رئيس الدير، ولا يزال بابها هو نفسه الذي كان في أيام البطريرك، وتُعرَف كيفية صِنعه الفنّي بأنها :"حفر وتنزيل".

 

 

نزيل دير سيّدة نِسبيه البطريرك يوحنا الحاج (1890-1898).

 

وُلد البطريرك يوحنا الحاج سنة 1818 في دلبتا الواقعة في قضاء كسروان، ووالده يعقوب الحاج كان قَس القرية. أرسله والده إلى مدرسة عين ورقة اللاهوتية لتلقّي العلوم، وكان يُديرها في حينه أحد أقاربه الشِدياق خاطر الحصروني، فأتقن فيها الرياضيات والفلسفة واللاهوت، واللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، وبعد أن خَتَم دروسه رُقّي إلى درجة الكهنوت عام 1839.

 

دَرَس على يد الخوري يوحنا حبيب (المطران في ما بعد) أصول القضاء الروحي في المَحكمة الروحية المارونية وعاونه في مَهامِه، وخلفه بعد أن تقدَّم هذا الأخير بالسن، فغدا الحاج القاضي الأول في المَحكمة المَذكورة.

 

عام 1861، وفي 15 أغسطس تحديدًا، رقّاه البطريرك بولس بطرس مسعد إلى درجة الأسقفية كمطران لأبرشية بعلبك التي كان المَجمَع اللبناني قد إستحدثها عام 1736، وذلك خَلفًا لمطرانها المتوفى أنطون الخازن، وكان من أبرز أعماله خلال تولّيه شؤون هذه الأبرشية بناء مَقرّ لها في عرمون الواقعة في قضاء كسروان ألحق به مدرسةً إكليريكية لطُلاّب الأبرشية، كما بَنى إكليريكية أخرى بالقرب من بكركي تُشرِف عليها أبرشية بعلبك؛ وفي العام 1867، عندما سافر البطريرك مسعد إلى إسطنبول للقاء السُلطان عبد العزيز الأول، كان يوحنا الحاج من ضِمن الوفد المرافق.

 

جرى إنتخابه بطريركاً في دير سيّدة بكركي في 28 نيسان سنة 1890.. بإجماع أصوات المطارنة المُجتمعين، وثبَّته البابا لاوون الثالث عشر (1878-1903) ومَنَحه دِرع التثبيت في 23 حزيران من العام نفسه، ولكنه لم يستطع تسلُّمه إلا في 2 شباط 1891.

 

قال عنه المطران يوسف الدبس في كتابه "تاريخ سوريا" إنه جدَّد دير بكركي على طرازٍ حديث.. تبعاً لتصميمٍ كان قد وضعه الأخ ليونار اللعازاري، فأعطى هذا التجديد للدير شكله الحاليّ. وقد نال بسعي نائبه المطران الياس الحويّك تجديد مدرسة الموارنة في روميه، كما نال من حكومة فرنسا ثماني كراسي لثمانية تلاميذ موارنة يتعلَّمون في معهد سان سولبيس بباريس، وإشترى في القُدس داراً للموارنة يقيم فيها نائب بطريركيّ ويأوي اليها زوّار الارض المقدَّسة من أبناء طائفته.

كذلك أوجد نيابةً بطريركية في باريس ينزل فيها أبناء الطائفة المارونية الذين يُسافرون الى فرنسا، فتكون أشبه بسفارة للبطريركية في العاصمة الفرنسية.

وقد خصَّ الكرسيَّ البطريركيَّ بِبعض الأراضي التي إبتاعها، وأفرَدَ قِسماً منها ليُقام عليها معهد عالٍ للإكليريكيين بجانب الكرسيّ البطريركيّ، وأوقف أملاكاً وأراضي واسعة لمعهد عين ورقة.

كما حارب عادة المُقامرة التي تَفشَّت بين الرعايا في أيامه، وأدَّت الى إلحاق الكوارث بالعائلات، مُصدراً مناشير تبيّن الأضرار البالغة الناشئة عن ذلك وتُحرّم تعاطي هذه اللعبة السيّئة.

دعم هذا البطريرك أيضًا عمل الإرساليات الكاثوليكية اللاتينية الوافدة إلى لبنان وسوريا من يسوعيين وفرنسيسكان وغيرهم ومَدَح دومًا أعمالهم.. رغم إعتراض الأوساط المحافظة في الطائفة، كما كانت

علاقته جيّدة مع السُلطات العثمانية التي كان على رأسها حينذاك السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان هذا البطريرك في طليعة مَن إلتقاهم. وقد أصدر عدة مناشير تَعضُد "السلطنة السَنية"، ثم تبرَّع بمبلغ ستة آلاف فرنك بعد زلزال القسطنطينية وحضّ الموارنة على التَبرّع لذلك.

أهداه العثمانيون وسامَي المجيدي والعثماني والميدالية الذهبية، فضلاً عن ترقية عدد من الموارنة إلى مناصب عليا في الدولة. فقد غدا سليم باشا الملحمة وزيرًا للزراعة والغابات في إسطنبول، ونجيب بك أفندي الملحمة موفدًا بإسم السلطان إلى إمارة بلغاريا، وسعادة شديد بك حبيش قُنصلاً عامًا للدولة العثمانية في فرنسا بعد أن تَقلّبَ في قُنصليات أخرى، وقد كتب مؤرّخ البطاركة الموارنة الخورأسقف يوسف داغر "أن الطائفة بهذه التعيينات قد نَمَت عزًا وفخارًا".

ونقل المؤرخ والأسقف الماروني يوسف الدبس عنه أنه عندما وقعت فِتنة العام 1860 رَفَض الحاج التوقيع على صَك المُصالحة، "ولم يَثنِه عن عزمه وعيد ولا تهديد".

وكان هذا البطريرك يَتَمَتَع بتقديرٍ وافر من جانب جميع الأوساط الدينية والزمنية في عَصره في الوطن وخارجه، وفي كتاب بعنوان "القلادة العَسجَدية في مدائح مار يوحنا بطرس الحاج بطريرك الطائفة المارونية" جمع الأب لويس زيادة كل ما قيل نَثراً وشِعراً في مَدِح هذا البطريرك الجليل سواء في الصُحف الوطنية أو الاجنبية، وما قيل عنه في مُناسباتٍ مُختلفة، وكلَّها إشادة بمزاياه الروحية والخُلُقية وبشخصيَّته الرفيعة العالية الصفات.

وقد روى عنه الخورأسقف يوسف داغر انه كان يقول: "إذا كانت عظامي تَنفَع الطائفة فَخِذوها وإجعلوها مَحرقةً في سبيل خيرها".

أسلم الروح في 24 كانون الأول 1898 ودُفن في البدء في كنيسة الصرح البطريركي ببكركي، وعندما شُيّدت المقابر الجديدة نُقل رفاته اليها، حيث يوجد لوحة تؤرّخ تاريخ وفاته نقرأ عليها ما يلي:

"أنا يُوحنَّا أخوكم وشريكُكُمّ في الضّيق وَفي الملكُوت رُؤيا ف1 عدد9

ههُنا رقدَ بالربِّ عَلىَ رَجَاء القيَامَة الطيِّبُ الذكرِ والأثرْ البَطريَرك يوحَنّا بطرسُ الحَاج.

إرتقَى الى البَطِريَركيَّة في 27 نيسان سنة 1890، وَتوفيِّ في 24 كانون الأول سنة 1898".