دير سيّدة - الديمان

تاريخياً إشتُهِرت الديمان بِحيّ كفرصارون الذي هَدَمَه المَماليك في العام 1283 أثناء حَملتهم على الجِبّة. و"الديمان" تعني الشبه والكمال، وهي تَحتَوي على مغارة الجَماجم، ونبع الفرّاعة في جرودها.

 

وقبل بكركي والديمان لم يَكُن هناك مَقرٌّ بطريركيّ شتويّ وآخر صيفيّ، بل كان المقرُّ واحداً، وغالباً في الأنحاء الجبلية حيث الإصطياف مؤمَّن تلقائياً، أمّا في الشتاء فكان إتقاء العدوان والإضطِهاد في الأماكن النائية أهَمّ من إتقاء البرد والمطر، وهذا دون أن يَمنَع من وجود مَقرّات بطريركية ساحلية في بَعض الفَتَرات، كدير مار جرجس علما في بلدة ساحل علما القائمة على كَتف جونية، او الأديار النائية في الأماكن الوسطى التي تَصلُح مَشتىً وَمَصيفاً على السواء، كبلدة غوسطا التي تَضُمّ دير مار شلّيطا مقبس ودير مار يوسف الحصن ودير سيّدة نِسبيه، أو تلك الوِهدَة ما بين درعون وعين الريحانة التي تَحتَضِن دير مار يوحنّا حراش...

 

ولكنَّ المقرَّ المزدوج بدأ مع البطريرك يوسف حبيش (1823-1845)، الذي بَنى مقرَّاً مُتواضعاً له في مَنطقة الديمان، وكان يُقيم فيه أحياناً، وأحياناً في دير بكركي الذي قام بإصلاحه، كما في دير مار جِرجَس علما الذي ألمحنا اليه، والذي هو وقف عائلته آل حبيش.. وقائم في مَسقط رأسه ساحل علما.

 

ولكن إذا كان البطريرك حبيش (1823-1845) هو أول مَن إنتقل الى ناحية الديمان، فإن البطريرك أنطون عريضة  (1932-1955)، إبن بشرّي، هو الذي قام بتَوسيع وتَرميم الصَرح الحاليّ وبناء كنيسته التي تَولّى الفنّان صليبا الدويهي رَسم أيقوناتها وجِدرانياتها الداخلية، وذلك بعد ان كان قد بدأ ببنائه البطريرك إلياس الحويّك (1899-1931). وقد أراد البطريرك أنطون عريضة  (1932-1955) من بناء هذه الكنيسة أن تَحِلّ مَحلّ الكنيسة القديمة التي هي على إسم مار إلياس.. كونها كانت صغيرة ومُتواضعة لا تُناسب مَقرّاً بطريركياً، كما أوعز بتأسيس "حديقة البطاركة" الى جانب الصرح.. مُشرفةً على وادي قنّوبين.

 

وقد أستعان من أجل التوسعة والترميم بِمُساعَدَة مالية من شَقيقه المُغترب رشيد عريضة، وتؤرخ هذه الهِبة كتابة على البلاط الأرضي، قٌبالة المَذبح، جاء فيها :

" تبرَّع بِنِفِقَة هذه الكنيسة السيّد رشيد عريضة 1938".

 

وهناك أيضاً لوحة رخامية مُثبَتة على جِدار الكنيسة نَصَّت على ما يلي:

"تأسَّس هذا المَعبَد بأيام السعيد الذكر البطريرك إلياس الحويك، وتَرَمَّمَ بأيام البطريرك أنطون عريضة وبِعنايته على نَفَقَة أخيه السيّد رشيد عريضة خارجاً وداخلاً، وبَلَغَ مَجموع ما تبرَّع به السيّد (فراغ، لم يُذكر المبلغ)، وكان النِجاز من هذا العمل سنة 1938".

 

وعِبارة "تأسَّسَ" تُشير الى كَون البطريرك إلياس الحويك (1899-1931) هو مَن بدأ ببناء الدير الحاليّ. وكان المُعلِّم المِعماري سِمعان يعقوب الحكَيّم أحد الذين ساهموا في هذا العمل، وهو الذي خَلّد ذِكرهُ الفنّان داوود القرم بِلَوحة زيتية من ريشته.. كما وَرَد في كتاب نادين محاسب عن داوود القرم.

 

وكان لِبناء دير الديمان مُقدَّمات، إذ عندما أصبحت المَنطقة الشمالية أكثر أماناً إتجهت أفكار البطاركة الى الإنتقال من دير قنّوبين، الذي كان شِبه مَلجأ لَهُم في أيام الشِدَّة، الى مَقَرّ أحدث وأكثر توفيراً لشروط الإقامة. ولكن بإنتظار جهوز الدير الجديد سَكن البطريرك حبيش أولاً بيتاً لأحد الشُركاء، أي العاملين في أرزاق البطريركية، قائماً غربيَّ البلدة ويُشرف على الوادي. ثم بَنى البطريرك يوحنا الحاج (1890-1898) الكرسيَّ القَديم في وسط البلدة سنة 1890، وبنى الى جانبه كنيسة مار يوحنّا مارون وهي اليوم كنيسة الرعائية، وما يزال هذا الكرسيُّ القديم ماثلاً للعيان.

 

كنيسة هذا الصرح مَبنيَّة على الطِراز اللبنانيّ العَريق، وتُزيّنها، كما ذَكرنا، جِداريات الفنان اللبناني العالميّ صليبا الدويهي، وهي من أجمَل ما يُمكن ان تراه العين، وعَلَت مَذبَحها عبارة: "مجد لبنان أُعطي له" باللغة السريانية.

 

وُلد هذا الفنان في اهدن عام 1909، ومنذ صِغَره كان يَنسُخ الرسوم عن كتبه المدرسية.. دلالةً على مَوهَبتِه الباكرة في إتقان فن الرسم. وقد تَطَورَت ريشته بِسُرعة لافتة، بِحَيث حَمَّله البطريرك الحويك (1998-1931) رسالة توصية الى الفنّان حبيب سرور الذي إختبره وأُعجِبَ به، فبدأ يُعلَّمَه الرَسمَ في العام 1928. وبعد أربع سنواتٍ من ذلك، حَصَل على مِنحَة دِراسية في أحد مَعاهِد فرنسا الفنّية، وبعدها إنتقل الى إيطاليا إتماماً لتَحصيله في ميدان الرَسم.

أثناء تَشييد هذه الكنيسة، إستُدْعِيَ صليبا من قِبَل البطريرك أنطون عريضة (1932-1955) لتَزيينها برُسومِه الفنّية، فَنَفّذ ذلك خِلال أربع سنوات، وكان عَمَلَه مزيجاً من الإنطباعية والكلاسيكية. في تلك المَرحَلة كان الدويهي مُشْبَعاً بأعمال كبار الفنانين الكلاسيكيين، مِثل مايكل آنج ودافنتشي، لذلك جاءت جميع رسومه وِفقَ الأصول الكلاسيكية المَعروفة مع فارق تجديدي وحيد هو أنه إستعمل نماذج من الوجوه القرويّة اللبنانية، ومن الناس العاديين، عِوَضاً عن النَماذج الكلاسيكية الايطالية، ومن هنا أتَت ميزة رسوم هذه الكنيسة إن أشخاصها هم قريون لبنانيون شرقيون (مثل لوحة الرُعاة، ولوحة رَجم شَهيد بَسري، والخَلفية في لوحة العماد، والعذراء في لوحة البِشارة، ولوحة القديسة مارينا).

ولِطَرافَة الخَبَر، لا بُدّ من ذِكر أن عَمل الفنان الدويهي في الكنيسة لم يخلُ من مَتاعب، لأنه لم يَكن حُرّاً في عَملِه حَسبَ الأصول الفنيّة، بل كان البطريرك يَفرِض عليه ما يراه خارجاً عن هذه الأصول. وكان الرَسّام يلجأ أحياناً الى الحيلة آملاً أن لا ينتبه البطريرك لذلك، فكان إمّا أن يَكتَشِف البطريرك حِيلته وإمّا أن يَكتَشَفها أحد الكهنة ويوشي بها للبطريرك.

 

وبعد أربع سنوات من الرُكوب في أعلى السِقالة وإنجاز العَمَل على ما يَهواه البطريرك، آملاً بأن يُجزِل له غبطته المُكافأة، إذا بهَذِه المُكافأة، من جانب البطريرك، كانت ذات وَجهَين: مَعنويّ يَقوم على إبلاغ زائري الكنيسة بأن روائعها هي بريشة صليبا الدويهي الذي أجهد نفسه في إنجازها مُدّة أربع سنوات، ومادّيّ يقوم على تَقديم مَطَبخ الدير الطَعام والشَراب للفنّان طِوال هذه المُدة، مِمّا جَعَلَه وهو يَغادر الصَرح يقول: "مرَّتين خَرَجتُ الى الدنيا عُرياناً: مَرة من بَطن امّي، ومرَّة من كنيسة سيّدة الديمان".

 

تعاقب على الكرسيّ البطريركيّ الصيفي في الديمان لتاريخه عشرة بطاركة هم:

يوسف حبيش من ساحل علما (1823-1845)

يوسف راجي الخازن من عجلتون (1845-1854)

بولس مَسعد من عَشقوت (1954-1890)

يوحنا الحاج من دلبتا (1890-1898)

إلياس الحويّك من حِلتا (1899-1931)

أنطون عريضه من بشرّي (1932-1955)

بولس المعوشي من جِزّين (1955-1975)

أنطونيوس خريش من عين ابل (1975-1986)

نصرالله صفير من ريفون (1986-2011)

بشارة الراعي من حملايا (2011، إنتُخب بطريركاً في 15/3/2011).

 

وهؤلاء البَطارِكَة هم أنفُسِهم الذين سَكَنوا شِتاءً في المَقرّ البطريركيّ الشتوي في بكركي.

 

 

البطريرك أنطون الثاني عريضة (1932-1955)

 

آثرنا ان نَذكُر هذا البطريرك في سِياق حديثنا عن دير الديمان كَونَه من بَلدة بشرّي جارة الديمان، ولأنه هو الذي وسَّع مَبنى هذا الدير وبنى كَنيسته وحَديقته وعند وفاته دُفن فيه.

 

إنتُخِب هذا البطريرك في 17 كانون الثاني عام 1932 الذي يقع فيه عيد شفيعه مار مطانيوس، وأرسل له البابا بيوس الحادي عشر (1922-1939) دِرع التثبيت في 13 آذار من العام نفسه.

 

إسمه الأصلي سليم عبد الأحد عريضة، من بلدة بشرّي، تَخَرَّج من مَعهد سان سولبيس اللاهوتي في باريس.. بعد دِراسَته الكهنوتية في مدرسة مار يوسف الإكليريكية في غزير بدءاً من العام 1879.

 

وقد مرَّ مَعنا ما فعله في أثناء بطريركيته لكُرسيّ الديمان وكنيسته، ونَذكُر هنا أن من إنجازاته ايضاً إنشاؤه مقرّاً للطائفة المارونية في مدينة مَرسيليا الفرنسية لخِدمة موارنة هذه المدينة.

 

على الصعيد الدينيّ، قسَّم البطريرك عريضة أعمال الكرسيّ البطريركيّ الى دوائر، لكلّ ٍ منها شأن خاص يُعنى به ولا يتعدّاه، كما أنه أوعز بإجراء إحصاءٍ عامّ لأبناء الطائفة المارونية.

 

وفي عَهدِه تأسست "الرابطة المارونية"، وهي هيئة مَدنية تُساعِد في إدارة شؤون الكنيسة، كما صَدَر قانون الحَقّ الكَنسي للكنائس الكاثوليكية الشرقية، ويُقصد به ما يُسمّى بالفرنسية Droit canonique.

 

على الصعيد السِياسي رعى ما دُعي بـ "الميثاق الوطني" على أثر نَيل لبنان إستقلاله، وكان نوعاً من حلّ ٍ توفيقيّ بين نزعتَين سياسيتين كانتا تتقاسمان البلاد: النَزعَة العروبية، والنَزعَة اللبنانية التي لا ترى في لبنان جزءاً من العالم العربي لا بَل هو أقرب، دينياً وثقافياً، الى الغرب، فجاء هذا الميثاق يجعل لبنان حيادياً عن الشرق والغرب على السواء، فلا يَدخل في وحدةٍ مع العرب، ولا يكون، من جهةٍ اخرى، لللإستعمار مقرّاً وله ممرّاً الى الدول العربية.

 

ولكن، في زَمَن الإنتداب الفرنسيّ على لبنان، إختلف البطريرك عريضة مع المُفوَض السامي الفرنسي دو مارتيل، فأقام حواراً مع حزب الكتلة الوطنية في سوريا الذي كان مُناهضاً لهذا الإنتداب على بَلاده، مِمّا جعل أركان هذا الحِزب ينادون بإسمه من على منابر جَوامِع دِمشق هاتفين: "لا إله إلا الله، والبطريرك عريضة حَبيب الله".

 

وفي أيام الحرب العالمية الأولى، إذ فَتَك الجوع باللبنانيين وباتوا يموتون على الطُرقات، إشتُهر عن هذا البطريرك، إذ كان مطراناً على طرابلس، إنه رَهَن صَليبه وخاتِمَه الذهبيَّين لإطعام الجياع بثمنهما. وقد أشاد البطريرك الحاليّ مار بشارة بطرس الراعي بعمل البطريرك عريضة هذا في عِظة تولّيه السدَّة البطريركية، مُضيفاً إنه عَمِل ايضاً على إستكمال لبنان إستقلاله عام 1943.

 

 وفي الرابع عشر من حزيران عام 1948، مع تقدُّم البطريرك في العمر، عيَّن الكرسيّ الرسوليّ لجنةً مؤلفة من أربعة مَطارِنَة لتسيير الشؤون الإدارية في البطريركية، وهُم بولس المعوشي، الذي خَلَفه بعد وفاته، وعبدالله الخوري، وبطرس ديب وأغناطيوس زيادة، فإستمرَّت هذه اللجنة في عَمَلِها مُدة سَبع سنوات الى أن توفي البطريرك عن عمر 91 عاماً في دير بكركي في 19 ايار 1955، فدُفن في كنيسة كرسيّ الديمان التي شَيدَّها، ويوجد في كنيسة هذا الدير لوحة تؤرّخ وفاته:

 

"بَدَّدَ وأعطَى المَساكينَ، فَبِرُّه يَدوم الى الأبد (المزمور 9:111).

هنا يرقُد على رجاء القيامة المَجيدة الطيّبُ الذِكر والخالد الأثر

البطريرك أنطون بطرس عريضه

وُلد في بشرّي في 2 آب 1863

سيم كاهناً في 28 ايلول سنة 1889

ومطراناً على طرابلس في 28 حزيران 1908

أقيم بطريركاً في 10 كانون الثاني 1932

إنتقل لمُلاقاة ربه ظهر خميس الصعود في 19 ايار1955

الراحة الدائمة اعطه يا رب ونورك الابدي فليضيء له".

 

وقد كتب في وصيَّته ان تُوزَّع أمواله التي ورثها عن عائلته على المَشاريع الخَيرية وإعالة الكَهنة المُسنّين، ويُذكر ان آخر كلماته كانت: "فليحفظ الله لبنان".