دير مار جرجس - علما

بَعدَ وفاة البطريرك يوحنّا الحلو في 12 ايار عام 1823، إجتمع الأساقفة الموارنة في كنيسة دير سيّدة قَنّوبين في وادي قاديشا، وإنتخبوا مطران طرابلس يوسف حبيش بطريركاً، وكان ذلك في 25 أيار، أي بعد ثلاثة عشر يوماً من وفاة البطريرك الحلو. ونال البطريرك الجديد دِرِع التثبيت من البابا لاوون الثاني عشر (1823-1829) في 3 أيار 1824.. رغم أنه، بِحَسب قانون الإنتخابات البطريركية آنذاك، قد جَرى تَجاوز نُقطَتين، أولاهُما أن يكون الأسقف المُنتخَب بطريركاً قد تجاوز سِنَّ الأربعين، والثانية ان يَحصُل على ثُلثَي أصوات المُقترعين، ولَكِنَّ تَثبيته مِن قِبَل البابا أزال كُل شكّ ٍ حول شرعية إنتخابه. ذلك إن البطريرك حبيش كان، عند إنتخابه، من أصغر البطاركة الموارنة سِنّاً، إذ كان إذ ذاك في عُمر السِتة وثلاثين عاماً.

 

وهو أول بطريرك يُقيم في دير سيّدة بكركي، إذ عَمِل على ترميمه وجَعله مَقرّاً شَتوياً للبطاركة، وأمضى فيه فترةً طويلةً من عهده. ولَكِنَّ لَمّا كان قد أقام أيضاً في دير مار جِرجِس علما، الذي هو وَقف عائلته آل حبيش في قرية ساحِل علما، كونه كان إذ ذاك قد باشَر بترميم دير سيّدة بكركي، فقد رأينا ان نأتي على سيرته مُفَصَّلة في تحدُّثنا الآن عن هذا الدير.

 

يقول صاحِب كتاب "المُقاطعة الكسروانية" الأب منصور الحتّوني أنه، في سنة 1718، تَجَدَّد دير مار جِرجِس علما من الخوري ياغي حبيش الذي صار مطراناً بإسمه. وهذا الدير المَذكور هو السابع عشر من أديرة كسروان المُتجَدِدَة، أمّا كنيسته فقد تَكَرَّست سنة 1726.

 

ويروي الدكتور شارل رزق الله، في كتابه "آل حبيش في التاريخ اللبناني (1516-1860)"، إن دير مار جِرجِس علما، بناه الحُبيشيون أبناء ساحِل علما، وإن البطريرك يوسف حبيش كان يقصد إليه من وقتٍ الى آخر. وبانيه هو الشيخ يوسف ياغي حبيش سنة 1718، وقد ترأس عليه إثر إرتقائه الى درجة الكهنوت في السنة نفسها.

 

وقد طالعنا أنطوان شعبان بمقال له بعنوان "العائلات اللبنانية ... رحلة في جذور التاريخ (آل حبيش)" يقول فيه: "إن المطران يوسف ياغي حبيش هو إبن الشيخ ياغي بن ضاهر بن يونس بن سليمان بن حبيش، وُلد في قرية ساحِل علما في بلاد كسروان سنة 1675، دَرَس مَبادِىء اللُغتين السِريانية والعربية على يد أحد عُلماء البلدة، وإستَهَل أعماله بإنشاء دير في ساحِل علما على إسم القديس جِرجِس. وقد حَمَل إبن أخته الشيخ عاد الخازن على تأسيس دير سيدة البزاز في حارة صخر.. وأعطاه قِطعَة أرض من أملاكه لهذا الغرض. كَما دَفَع صُهره الشيخ نِمر الخازن من عجلتون، الى إنشاء دير في قرية بلونة على إسم النبي الياس. ومِمّا يروى عنه أنه خَرَج يوماً من ديره، فلاقاه مُتسول فقير وإستعطاه، ولمّا لم يكن يَحمِل شيئا من النقود فقد عَمَد الى ردائه ودَفَعَه للفقير، ولمّا آب الى الدير سألته الرئيسة عنه فأجابها: "أعطيته يا اختي للمسيح". توفاه الله في 2 شباط 1770.

 

فَنَحنُ إذن إزاء بعض التناقضات بين المُتكلمين عن هذا الدير، فبينما يقول الحَتّوني إن مُجدِّده، وليس بانيه، هو الخوري ياغي حبيش الذي صار مطراناً بإسمه.. يقول الدكتور رزق الله إن بانيه هو الشيخ يوسف ياغي حبيش، وإنه ترأس عليه إثر ارتقائه الى درجة الكهنوت، مِمّا يُفيد أن هذا الشيخ هو الذي بناه وليس مَن جدَّده فقط، وإنه بناه عندما كان لا يزال عِلمانياً، ولكنه ترأس عليه بعد أن أصبح كاهناً، ولا يُشير الى أنه أصبح مطراناً.

 

أمّا أنطوان شعبان فيؤكد ان الباني هو نفسه أصبح مطراناً، وتَشَهد على صَواب وِجهَة نظره ، لوحة حَجَرية مُثبتة في جَدار كنيسة الدير تَحتوي أبياتاً شِعرية تُؤرِّخ لوفاة الباني، ونَستَدِل على أنه هو المَقصود بها مِمّا وَرَدَ في البيت الأول من هذه المَقطوعة.. وفي ما يلي ابياتها:

 

ما مات حبرٌ قد توارى في الثرى                                وله مآثر في البريّة خالــدَهْ

ديرٌ بناه ومار جِرجِس سوره                                    ولكَم تحصَّنَ ضمنه من عابدَهْ

نادى حُبَيْشٌ من ذرى تاريخه:                                  "فبه لأشكر فضلَ يوسفَ حامدَهْ"  

 في 2 شباط 1770

                                       

وَواضِح ٌمن تَسمية المُرثيّ بالحبر أنه كان أسقفاً، وهو ما يَحسُم الأمر بين كونه علمانياً في البدء ثم سيم كاهناً فمطراناً.. كما وَرَدَ في كتاب "برنامج أخوية القديس مارون" لمؤلّفه يوسف خطّار غانم.

 

أمّا عن الدير فهو يقع في أسفل قرية ساحِل علما، وهو عبارة عن مبنىً صغير يتألَّف من طابقين مع بهوٍ وقبوٍ وكنيسة. ويقول لويس القسيس، في كتابه "ساحِل علما في التاريخ - الأوقاف"، أن مَوقِعَه هو الى الجِهة الشمالية الشَرقية من مدينة جونيه، ويربُض على الكَتِف الجنوبية لوادي علما قبالة مُنتَصَف الخليج على علوّ 165 متراً. كذلك وصفه الرَحّالة الفرنسي لويس لورتيه، في كتابه "مُشاهدات من لبنان" بقوله: "وَصلنا الى أكمة علوُّها مئة وستّون متراً يقوم عليها دير ساحِل علما في قلعةٍ من قلاع القرون الوسطى. وهذه القلعة هي كناية عن بناياتٍ واسعة مؤلَّفة من كتلٍ من المساكن يتصل بعضها ببعض، يُهيمِن عليها جرسٌ صغير، وأبوابها مُصمَتة بأقفالٍ ثقيلة.. فُتحت أمامنا على مَمشىً غوطيّ يؤدّي الى صَحنٍ تُحيط به أروقة الدير وتُظلّله زيتونة دَهرية".

 

هناك لوحة رخامية مُثْبَتة فوق المدخل الشمالي لكنيسة الدير تؤرّخ بناءَه بالعبارة التالية:

"بسم (بإسم) الله الحيّ الأزليّ كمل عمار هذا الدير

المبارك بقوَّته تعالى على إسم القدّيس

مار جِرجِس فارس البرّ والبحر، وكان المُهتمّ

العبد الحقير الذي ما هو مستحقّ يُذكر إسمه

ألله يرحم كل مَن له في هذا الهيكل تعب، 1718".

 

وعلى يَمين المَدخَل المذكور نُقش صليب بشكله العاديّ وعلى أطرافه ثلاثة صلبانٍ صغار ، وهي طريقة نادرة في رسم الصليب ترمز الى إنتشار المسيحية في أربعة اقطار العالم.

 

ومَدخل الكنيسة الغربيّ يعلوه نقشٌ حَجَريّ يُمثّل الصليب على الشَكل الذي غدا شعاراً لجَمعية المُرسَلين اللبنانيين، مِمّا يُعتَقَد على إن المُرسَلين إستوحوا شِعارهم من هذا الرمز، وفوق الصليب المذكور توجَد نقوش وزخارف فنيّة .

 

كذلك، في بهو الدير، نُقِش صليب بِشكلِه القديم، أي الرامز الى الطبيعتين والمشيئتين في المسيح، وهو الذي إعتمده الموارنة في أيام الجَدَل حول هذه المسألة تدليلاً على إعتناقهم هذه العقيدة. كما يلفت النظر في الكنيسة ان واجهتها الشرقية تعلوها زخارف مؤلَّفة من صلبانٍ وغيرها مع نجمة داوود.

 

ويتكلم لويس القسيس، في كتابه المُشار اليه، عن هذا الدير ، فيقول إنه بُني من حجرٍ صَخريّ، وضَمَّ جِناحَين يحتويان على كنيسة وسَبعٍ وعشرين غرفة ومَماشٍ وخلافها. والجِناح الشماليّ منه يحتوي على طابقَين، الأرضي ويضمّ كنيسة مار جِرجِس... وصالوناً وداراً وغرفة سفرة وغرفة مؤونة ومطبخاً وبئر ماءٍ ودرجَين مسقوفَين يُصعَد منهما الى الطابق الأول الُمحتوي على عشر غرف وممشى مسقوفة كلها بالخشب والتراب، ودرج مسقوف يقود الى السطح.

 

أمّا الجناح الجنوبي فمؤلَّف من طابقين: السُفليّ، ويَحتَوي على ثلاثة أقبية عقد، والأرضي المُحتوي على مَدخلٍ وإيوان وإحدى عشرة غرفة صغيرة للِسَكن وغرفة للحَطَب وكُلها مَسقوفة بالخشب والتراب، وفسحة بين الجناحين وبركتَي ماء. والى الجهة الشمالية من الدير بناء ثالث تابع له يحتوي على أربع غرف وقبوٍ للحطب وطاحونٍ خَرِبة. وفي الجناح الشمالي غرفة مَعتمة لها باب واحد وكوَّة صغيرة.

 

أمّا الكنيسة فإرتفاعِها عشرة أمتار، وطولها أحد عشر متراً وعرضها سبعة أمتار، جدرانها من الكِلس العريض وسَقفها عَقد. مَذبحها الكبير هو على إسم القديس جِرجِس وتتصدَّره لوحة زيتية لمار جِرجِس من رسم بسكال القاضي، أحد أبناء ساحِل علما. وهو يقوم الى الجهة الشرقية، وعن يمينه مَذبح صغير على إسم العذراء مريم، وعن شماله مَذبح صغير آخر على إسم القديس يوسف.

    

والجدير بالذِكر ان رئيس الدير لفترة طويلة من عهد البطريرك يوسف حبيش، كان شقيقه الخوري فيليبّوس حبيش. ويُذكر ان هذا الدير قد شَهِد حياةً رهبانيةً نسائية لعقودٍ طويلة، الى ان إضمحلّت الحياة الرهبانية فيه مع بداية القرن العشرين، وكانت آخر راهباته فريدة حبيش. وبعد ذلك أُقفل الدير، فساده الخراب..الى ان عمد الشيخ جوان نبيه حبيش وشقيقه الشيخ يوسف الى ترميمه كما هو في حلّته الحالية.

 

وساكن هذا الدير لفترةٍ من الزمن (أثناء ترميم دير سيّدة بكركي)، البطريرك يوسف حبيش، هو سَليل الأسرة التي تَملِكُه كوقفٍ عائليّ: آل حبيش في ساحِل علما.

 

وُلد هذا البطريرك في ساحِل علما في 23 نيسان سنة 1787. إسمه بالولادة يعقوب. سِيم كاهناً في 26 حزيران 1814 مُتخذاً إسم "يوسف" في الكهنوت. رقّاه البطريرك يوحنّا الحلو الى الدرجة الأسقفية يوم أحد الأبرار والصِدّيقين في 30 كانون الثاني 1820، وإنتُخب بطريركاً في 25 ايار 1823، أمّا رِسامته البطريركية فقد تمَّت في 29 ايار في كنيسة سيّدة قَنّوبين.

 

وهو أول بطريرك يَتخَرَّج من مدرسة عين وَرقَة، لذلك بذل جِهده في إنجاحها ورَفع مُستواها العلميّ. وإهتمامه بالعلم دَفعَه أيضاً الى تحويل دير مار عبدا هرهريّا الى مَدرَسة عمومية للطائفة المارونية، وذلك في العام 1830، وكذلك دير مار سركيس وباخوس في ريفون الذي حوَّله الى مدرسة عمومية للطائفة عام 1832، كما أسَّس مدرسة غزير بالتعاون مع الآباء اليسوعيين عام 1843، ومدرسة مار شلّيطا في مشموشة.

 

وقد أبدى إهتماماً خاصاً بالرهبان والراهبات، مُعتبراً أن الرَهبنة هي قوة عَظيمة للكنيسة، وإذا أُحسن تنظيمها، فإنها تَستَطيع القيام بأعظم الأعمال وتقديم أجَلّ الفوائد. وقد رَفَع تقريراً الى البابا غريغوار السادس عشر(1831-1846) في 23 كانون ال أول 1831 أكد فيه أنه سَعى لتحقيق إصلاحات، ولتطبيق مُقرَرات المَجمَع اللبناني الذي إنعقد عام 1736.. خصوصاً في ما يتعلق بإلزام الكهنة بأن يكونوا من المُتعلمين في رعاياهم، وبِفَصل الأديرة المُختلطة حيث يعيش الرهبان والراهبات في ديرٍ واحد إنما في جناحين، وتحويل الرهبنات الى رهبنات رجّالية وأخرى نسائية، وقد تأخر تنفيذ هذا البند الاخير بسبب ما لقيه من المُعارضَة الشديدة من جانب الأساقفة، لكون عادة الأديرة المُختلطة هي مِن عادات الكنائس السِريانية الشرقية القديمة. كما أن هذا البطريرك أقرَّ عدداً من القضايا الطقسية التي تندرج في إطار "ليتنة" الطقوس المارونية.

 

قال هنري غيز قنصل فرنسا في بيروت ما بين عامَي 1825 و 1839، في كتابه "بيروت ولبنان"، إن عهد البطريرك يوسف حبيش شهد مآزق حَرِجَة جداً.. إستطاع خلالها حِماية حُقوق طائفته وصَونِها عن النَكَبات الجُلّى مِثل تلك التي أصيبت بها في السابق.

 

ويقول المؤرّخ الأباتي بولس نعمان إن بطريركيته كانت "نِضالاً" في سبيل حِماية حقوق الكنيسة من الحُكام المَدنيين ومُداخلات الموفدين البابويين وعمل المُرسَلين، وإنه سَعى الى تَحقيق تقدُّمٍ روحيّ وعِلميّ وإجتماعيّ للطائفة من خِلال نَشر التعليم بين الكهنة والرعايا، والى تنفيذ مُقررات المَجمَع اللبناني.. وتنظيم إدارة الكنيسة على أسُسٍ حديثة.

 

وعلى الصعيد السياسي وقف ضُد الحكم المَصري في لبنان والمَظالِم التي إرتكبها، ودَعَمَ عملية تحرير "بلاد الشام" من هذا الحُكم التي قرَّرتها الدولة العثمانية بالإتفاق مع "دول الحلفاء"، فكان لِمَوقفه هذا أثره لدى الباب العالي في الأستانة.. الذي أمر بتعيين ممثل للطائفة المارونية في البلاط السلطاني أسوةً بسائر الطوائف، كما قلَّده البِلاط أرفع الأوسِمَة العُثمانية وهو النيشان العُثماني المُرَصَّع.. الذي قبله بِتَحفُّظ ولم يُزيّن به صدره أبداً.

 

وفي كتاب عنوانه "آل حبيش في التاريخ" للشيخ خليل رشيد حبيش ورد ما يلي:

"وقد أحتاط البطريرك الحُبيشيّ، فأحاط الطائفة برجال من أكفئهم فَضيلة وحِكمة وعِلماً وغيرة.. ساعدوه في مَهامِه ومَشاريعه الإصلاحية والعُمرانية والثقافية. فَنَظَّم شؤون الطائفة ومؤسساتها وأوقافها إكليروسها أحسن تنظيم، وعَزّزها وأنماها وحَماها من كل كارثة وفساد، وكان إذا دَهَمَها خطر عالَجَه بِفِطنَة، فأبعده عنها.

 

وكان أنه في أواسط القرن التاسع عشر أصبح النشاط التبشيريّ للإنجيليين في الشرق ذا دعائم قوية، إذ أُنشئ كثيرٌ من المَطابِع، وأُسّست لمُساعدة هذا النشاط "جمعية الإستشراق الاميريكية". وإمتدَّ هذا النشاط من بيروت الى صيدا وطرابلس ودير القمر وحُمص، فآثار قلق البطريركية المارونية البالغ، لا سيَّما وان الرهبان المَفصولين من الأديرة وغير المقبولين فيها، راحوا يَنضَمّون الى البعثات القائمة بالتبشير الإنجيلي، الى ان حَصَل الحَدَث الأبرز في تموز 1823.. وهو إستئجار المُرسل الأميركي لويس غاي مَدرسة عينطورة التي كانت مُهمَلة منذ العام 1773.. خادعاً بذلك القاصد الرسوليّ. فَبَعَث مَجمَع نَشر الإيمان في روما رسالةً الى البطريرك يستوضحه فيها عن هذه المسألة التي تمَّت على يد النائب البطريركي في جبل لبنان المطران يوحنّا مارون العَضِم، وذاكراً ان "الإرساليات الإنجيلية تَهدِف الى نَشر الزؤان في جبل لبنان". فأصدَر البطريرك على الأثر مَنشوراً عامّاً حَرَّم فيه كُتُب هذه الجماعة، وحَظَّر على المؤمنين حُضور صَلواتهم وسَماع مواعِظِهم والتَعلُّم في مدارسهم ومباحثتهم في أمور الديانة. فخضع أبناء الطائفة جميعاً لطلب البطريرك حالما بَلَغَهُم منشوره الأول ضد هؤلاء، و"أحرقوا كتبهم في الحال" كما جاء في إحدى الوثائق المَحفوظة في سِجلّ البطريركية المارونية وتعود الى تلك الفترة.

 

وفي عهد هذا البطريرك نشأ نظام القائمقاميتين الذي عارضه مُطالباً بابقاء جبل لبنان موحَّداً. ولكنَّ الدولة أصرَّت على إنشائه، فقامَت في الجَبل قائمقامية مَسيحية في شماله وقائمقامية دِرزية في جُنوبه.

ومن أعماله العمرانية في ما يَختص بالأديرة إنه رمَّم دير سيّدة بكركي كما ألمحنا الى ذلك،  كما أنه كان  أول بطريرك سَكن في منطقة الديمان .   

 

وفي تِلكَ الأثناء كانت الاجواء السِياسية تنعكس إيجابياً على الموارنة، إذ كانت العائلة الشهابية الحاكمة قد أخذت بإعتناق المسيحية والإنضمام الى الكنيسة المارونية منذ العام 1770 ولو أنها ظلَّت كاتمةً ذلك. ولكنَّ بعد وفاة بشير الثاني وتولّي بشير الثالث الإمارة في الجبل، وذلك في 3 ايلول 1840، جاهر الشهابيون بِمُعتَقَدهم الجديد، مِمّا حَقَّق نفوذاً بالغاً للموارنة وبطريركيتهم. وتعزَّز هذا النفوذ مع مُساهمة الموارنة وبطريركهم في مقاومة الحُكم المصري، إذ تسلَّحوا بِسلاحٍ إنكليزي أمَّنه لهم البطريرك للإشتراك في طَرد جيش إبراهيم باشا من البلاد، رُغمَ ما حقَّق من إصلاحاتٍ إدارية وإقتصادية وكفل من الحرية الدينية، وذلك بِسَبَب الضرائب الباهظة التي فَرَضَها وسِياسة التجنيد الإجباريّ التي إنتهجها، وموقفهم هذا أكسبهم رضا الدولة العثمانية عنهم.

 

فهذان التَطَوران أدّيا الى زيادة ثقل الموارنة وتقوية دورهم في السياسة اللبنانية، والى تصاعد دور البطريركية المارونية، فكان ذلك من المُقدّمات لقيام فتنة العام 1840 التي كانت  أول حربٍ أهلية في تاريخ لبنان المُعاصر، والتي كان من أسبابها تفرُّد الدروز بالإقطاع بينما أغلبية الشعب كانت من الفلاّحين الموارنة، يُضاف الى ذلك رَغبة الموارنة بِلِعب دورٍ بارز وأساسيّ في حياة الجبل.. مَدعومين من السلطان العثمانيّ نفسه. فكانت ردَّة الفعل من الدروز تَحالفِهم مع الإنكليز.. في حين كان الموارنة يَكرَهون هؤلاء لدَعمِهم المُبشّرين الإنجيليين، فكان أن قوّوا أواصِر تحالفهم مع فرنسا بمُباركة البطريرك.

 

فَراح الدُروز يَشترون السِلاح الذي خَلَّفَه جيش إبراهيم باشا وكان يباع بأسعارٍ بَخِسَة، فقام القِتال الطائفيّ الذي قال المطران يوسف الدبس إن البطريرك حبيش مات بِسَبَبِه حُزناً وكمداً، وخَلَّدَت ذكرى وفاته لوحة شعّرية مُثبتة في كنيسة الدير في ما يلي ابياتها:

 

على عرش الرياسة بطريركاً                                    حبيشياً بكاه الناس طُرّا

كيوسفَ مات يوسفنا وأبقى                                      مآثرَه ليوم الحشر نشرا

وأورث دير قنّوبينَ جسماً                                        توارى حيث وارى التربُ تبرا

وأسكن جنة الأبكار نفساً                                         وأوفى سيّد الوزناتِ عشرا

بيومٍ ثالثٍ أُرَّخ وعشرين                                          من أيار أوفى العشر جهرا

 سنة 1845

 

أجَل، مات البطريرك يوسف حبيش في 23 ايار سنة 1845 في الديمان، فدُفِن في مغارة القديسة مارينا في قنَّوبين تيمُّناً بها على غرار الكثيرين من البطاركة اسلافه.