دير مار يوسف الحصن – غوسطا

يَعود سَبَب بناء هذا الدير، كَما يُستفاد من رِسالة وَجَّهَها المطران يوسف إسطفان الأول الى القاصِد الرسوليّ لويس غوندولفي، إنه لمّا رُسِم يوسف إسطفان، الذي غدا بطريركاً في ما بعد، مطراناً على بيروت، أراد ان يَستقيم في دير عين وَرقَة مع عَمّه المطران يوحنّا، فلَم يرضَ هذا الأخير بإقامة إبن أخيه عِنده، وصار بينهما مُنازعة كبيرة. فتلافياً لهذا الخِلاف بَنى والد المطران يوسف، الخوري جِرجس، في أملاكِه الخاصة، دير مار يوسف الحُصن لولده ليتخِذَه مقرّاً له عِوضاً عن دير عين وَرقَة.

 

هذا ما ذكرته الرسالة الموما إليها والتي أورد خبرها أنطوان خويري في كتابه "تاريخ غوسطا". ولكنَّ المَعروف عُموماً أن المطران نَفسه بنى هذا الدير بمالِه الخاصّ ومُساعَدة من أبيه الكاهن وإخوته، ومِمّا له من إرث أبيه ماليّاً وعينيّاً، وبعد إنتخابه بطريركاً إستمر على السكن فيه.

 

هذا مع إن قضية تَعَدُّد الأديار التي يقيم فيها البطاركة كانت مَثار إعتراضٍ من الأساقفة الذين كانوا يُطالبون بِمقّرٍ ثابتٍ للبطريركية. ويُذكر أنه عِندما أشرَفَ البطريرك يوسف ضِرغام الخازن على الإحتِضار في العام 1742 إتفق الأساقفة السبعة الحاضرون على مُطالبة البطريرك الجديد بأن يُعيّن لإقامته وإقامة مَن بعده مركزاً بطريركياً ثابتاً. فَطُرحَت هذه القضية من جديد في عَهد البطريرك يوسف إسطفان (1766-1793)، وتحديداً في زمن الأزمة التي وَضَعَت البطريرك في مواجهة الأساقفة. ذلك إن أحد مَطالب الأساقفة في العام 1769 كان يعود الى مسألة مكان إقامة البطريرك، مُعترضين على إقامَتِه في دير مار يوسف الحُصن ومطالبين إياه بالإقامة في المَقرّ البطريركي في قنّوبين، أو في دير آخر يكون مَقرّاً بطريركياً ثابتاً. كما إنهم كانوا يتهمونه بإستخدام مداخيل المَقرّ البطريركي لتوسيع ديره الخاص، ولكنَّ ذلك لم يَمنَع البطريرك يوسف إسطفان من البقاء في دير مار يوسف الحُصن.

وكان البطريرك قد بَنى غُرفةً خاصةً له خارج حرم الدير، وهي المَعروفة بإسم "أوضة البَطرك"، كما بنى طابقَين مُلاصقَين للكنيسة يحويان غرفاً لإقامة الراهبات العابدات.. ورَدهات للدَرس والعمل.

وفي هذا الدير عَقَد البطريرك مَجمَعاً للطائفة المارونية سنة 1768 أُقرَّت فيه قوانين تهذيب الإكليروس وتعزيز الدين والنظام البيعي، مِمّا سَوفَ نَتَحدثُ عنه عندما نأتي على سيرة البطريرك يوسف إسطفان والمَجامع التي عقدها.

 

ويَلفت النظر في هذا الدير، كنيسته التي بُنيت بهِبَة مالية تَلقّاها البطريرك من مَلك فرنسا لويس الخامس عشر وعلى يد بنّائين فرنسيين، فَجاءت رائعةً من روائع الفن والهندسة، خُصوصاً في حَنيَّتها الحجرية الكائنة فوق المذبح الكبير، والتي تعلوها مَنحوتة نُقشَت عليها عِبارة: "يَشرق نجم من يعقوب ويقوم مدبّر من إسرائيل"، وهذه العِبارة نَفسِها مَوجودة في كنيسة عين ورقة-غوسطا  بالسِريانية. وقد إعتُبرت هذه الكنيسة من أجمل الكنائس القديمة في لبنان، وأرَّخت لبنائها لوحة رخامية ثُبِّتت فوق عتبة بابها الغربيّ نُقِشَت عليها العبارة التالية:

" هذه الكنيسة قد  بُنيت بسعي وإهتمام البطريرك يوسف إسطفان، وإحسان لويس الخامس عشر ملك فرنسا، سنة 1769 مسيحية".

 

 وقد أهدى المَلك شِعارَه المَلكيّ لهذه الكنيسة.. المُعلَّق على جِدارها حتى أيامنا، وهو عِبارة عن درعٍ يرمز الى المَملَكة الفَرنسية في حينه، حيث نقرأ عليه باللغة اللاتينية مع ترجمتها بالعربية:

"من إحسان المَلك المُظفَّر لويس الخامس عشر سُلطان فرنسا، سنة 1769".

 

وَيلفِتُنا في الكنيسة أن تيجان أعمدتها الداخلية هي ذوات نقوش مُختلفة غير موحَّدة، لكنَّ كلَّ واحدٍ منها لا يقلُّ جمالاً عن غيره، وسَبَب الإختلاف بينها هو أن كلاً مِنها يرمز الى حَقَبة مِن حِقب تَطَوّر فن النقش والنحت.

وضِمن تجويفٍ كبير في الجِدار الأيسر تمثال للبطريرك يوسف، يعلو المَثوى الذي يَرقُد فيه، ووراء التِمثال كِتابة باللغة السريانية تعريبها:

"إفتح يا لبنان أبوابك التي أُقفلت في وجهي: هذا ما قاله زكريّا لمّا أن شاهَد بالعقل مَحاسِنِك الروحية؛ فقد حسَّنك (حصَّنك) السَيّد بالأسوار المنيعة، أعني مارون ويعقوب ويوحنّا مارون والشهداء الثلاثماية وخمسين وليميناوس ومارينا ودومينينا، وصلاتهم تعضدنا، آمين".

كما يوجَد في الكنيسة، الى يسار مدخلها، مَدفن يثوي فيه الأميران سليم وسعد الدين، ولدا الأمير يوسف شهاب، وذلك قرب جِرن المَعمودية. وقد دُفن أولهما في العام 1846 والثاني في العام التالي 1847.. كما يُستَدلّ من سِجلّ الوفيات العائد لبلدة غوسطا.

كذلك، في مكان مُنفصل، توجَد مقبرة تَضُمّ رفات أساقفة  وكهنة من آل إسطفان الذين يعود هذا الدير لعائلتهم. وأيضاً نَجِد في تجويفٍ في الحائط الخَلفي للكنيسة منحوتة كُتب عليه عبارة:

"إذ فقد نعمة التقاة  فراحتي

صوت دعاه للنعيم الراهن

أُدخل بتاريخ جاء كل يقل

الخوري حنا الحاج أشرف كاهن

في الخشخاشة داخل الكنيسة سنة 1799

ووراء هذه اللوحة جُمجُمة لا بُدَّ أن تكون للخوري المُشار إليه.

 

وتوجد في الكنيسة عِدَّة ذخائر.. بَعضٌ منها موضوع في صندوقٍ زُجاجيّ يحوي عِظاماً بَشرية وقد كُتب عليه إسم "فيكتور" بالأجنبية.  وفي صندوقٍ آخر، خشبيّ وصغير، توجد أيضاً بعض العِظام البشرية.  وهناك صليب مَعدنيّ، مَجلوب من الفاتيكان، وُضعت في قلبه ذخيرة.

وفوق باب مَدخل الكنيسة، وفوق كُل نافذة من نوافذها الخارجية، نرى الصليب مُرتكزاً على قلب، وهذا الشكل للصليب هو شعار كان مُعتمَداً في منطقة غربي فرنسا حَيثُ نَجِد الصليب المُرتكز على القلب مع عبارة: "لله والملك"، وربما كان وجود هذا الشعار في الكنيسة بمثابة عربون شكرٍ لملك فرنسا، لويس الخامس عشر، كما ذكرنا سابقاً.

وتعلو الكنيسة من الخارج قِبَّة الجرس التي نُقشت عليها العبارة التالية: "بنى هذه القبة المُعلّمان يوسف وحبيب مناسا بمال كرام آل إسطفان الغوسطاويين".

 

 

ساكن دير مار يوسف الحُصن البطريرك يوسف إسطفان (1766 – 1793) 

   

إبن بلدة غوسطا، وُلد فيها عام 1729. سَليل عائلة أطلعت الكثيرين من رجال الدين: المطارنة جِرجس ويوحنّا وبولس ويوسف الأول ويوسف الثاني، والمونسنيور خيرالله الشهير في أميركا، وتوَّجت عطاءها بالبطريرك يوسف، موضوع حديثنا، والمعروف بإسم يوسف السادس.

 

جرى إنتخابه بطريركاً في دير مار شلّيطا مقبس في 9 حزيران 1766، وإختار أولاً الإقامة في دير قَنّوبين، ولَكِنه إضطر الى تَركِه بَعدَ مُدة لأسباب سياسية وأمنية، فإنتقل الى دير مار يوسف الحُصن، عائداً الى الدير الذي بناه، والى البلدة التي هي مَسقِط رأسه.

 

وقد شَكَّل هذا البطريرك ظاهرةً فريدةً في تاريخ الكنيسة عامَّةً، بِصعوده المُبكّر والسريع الى السُلطة الكنَسية الأولى في طائفته. وقد إستَحقَّ ذلك بذكائه وفضائله، فكان من أصغر البطاركة الموارنة سِنّاً لدى إنتخابه إذ كان في السابعة والثلاثين من عِمره، كما كان قد إرتقى الى الدرجة الاسقفية في عمر الخمسة وعشرين عاماً.

 

ومن مَظاهِر غيرتِه وتَقواه إنه أوقف دير عين وَرَقة الذي هو أيضاً ملك عائلته آل إسطفان، لتحويله الى مدرسة كانت الأولى في لبنان، مُضحّياً هكذا بحقّ العائلة الشرعيّ على هذا الدير، ومُقنعاً أبناءها بأن خِدمة العِلم والجيل الناشىء تتقدَّم على المصلحة الشخصية. وبالفِعِل أدَّت هذه المدرسة خَدماتٍ عِلمية جليلة، وليس أدَلّ على ذلك من أن البطريرك يوسف حبيش (1823-1845)، والمُعلِّم بطرس البستاني صاحب "دائرة المعارف اللبنانية"، والأديب فارس الشدياق أحد كبار أعلام عصر النهضة، والمطران يوسف الدبس صاحب "تاريخ سوريا" ومؤسس مدرسة "الحكمة" في بيروت، كانوا من تلامذتها.

 

والبطريرك هو نفسه كان من العلماء الأعلام، لذلك لُقِّب بـ "مِلفان الكنيسة المارونية"، وله مؤلفات عدَّة باللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية في المواضيع الدينية والطقسية والفلسفية والتربوية.

 

ومن مُنجزاته عَمَلُهُ على تطبيق أحكام "المَجمَع اللبناني"، ولتَحقيق هذا الهدف عَقَد ثلاثة مَجامِع هي مَجمَع دير مار يوسف الحُصن في غوسطا، ومَجمَع كنيسة السيّدة في عين شقَيق التابعة لقرية وطى الجوز- كسروان، وأخيراً مَجمَع دير سيّدة بكركي.

 

مَجمَع غوسطا: عُقد ما بين 16 و 30 أيلول من العام 1768 برئاسته، وبحث في قضية الرهبان مُرغِماً إياهم على الخضوع المُطلق للبطريرك والمطارنة، ومَنعهم من مُمارسة خِدمة الرعايا، تطبيقاً لمُقررات "المَجمَع اللبناني"، وأكد على واجب كل ماروني ان يقبل بمقررات هذا المَجمَع.

 

مَجمَع عين شقَيق في وطى الجوز: عُقد من 6 الى 11 ايلول 1786 برئاسته ايضاً، وأُعلن فيه القبول بقرار البابا بيوس السادس (1775-1799) الداعي الى إعادة البطريرك الى منصبه الذي كان قد نُحّي عنه لأسباب سنتحدَّث عنها لاحقاً، كما ذكَّر هذا المَجمَع بتقسيم الأبرشيات وتحديدها، وألزم المطارنة بالسَكن قريباً من البطريرك، مُلغياً بذلك القانون القاضي بوجوب سكن المطارنة في أبرشياتهم.

 

مَجمَع بكركي الأول: وقد دام من 13 الى 16 كانون الأول 1790، وترأسه القاصِد الرسولي المطران جرمانوس آدم والبطريرك يوسف إسطفان، فأكَّد كسابِقه على تَقسيم الأبرشيات وتحديدها، وعلى حَق البطريرك والمطارنة وحدهم بإنتخاب مطارنة جُدُد، وعلى وجوب سِكن المطارنة في أبرشياتهم.. خلافاً لقرار مَجمَع عين شْقَيِقْ الذي أوجب سَكَن المطارنة بقُرب البطريرك، كذلك أكد على وجوب فَصل أديار الرهبان عن أديار الراهبات.

ومن مُنجَزات هذا البطريرك كذلك إنفتاحَه على دول الغرب، وإقامة صِلاتٍ معها، وكان من نتيجة  مساعيه الحصول من المَلِك لويس الخامس عشر على تجديد الحِماية الفرنسية للأمَّة المارونية.

 

ولكن لمّا كان، تِبعاً لقول المَثل، كل ذي نعمةٍ مَحسود، فإن هذا البطريرك اللامِع والمُتميّز تَعرَّض لمؤامرات مُبغِضيه من الإكليروس الذين كانوا على خلافٍ معه ولم يَرُقهم وصوله بدلاً مِنهم الى السدَّة البطريركية، وساعدهم في ذلك بروز ظاهرة الراهبة هِندية وما أثارت من تأييد لها في بعض الأوساط وشكوك حولها في أوساطٍ اخرى.

 

وكان من بين الذين عَطَفوا عليها البطريرك يوسف إسطفان، الذي لم يَلحُظ عليها أيَّ حيادٍ عن تعاليم الكنيسة، فلم يَجِد حَرَجاً في مُساعدتها وتشجيعها. ولكن بدأت الشائعات تُنسَج حولها من أنها تَزعَم كونها مُلهَمةً وتُبصِّر رؤىً سماوية تَتَّحد فيها بالمسيح، وهو ما إذا كان صحيحاً فلا يعدو ان يكون وهماً تتوهَّمه لأنها كانت تُبدي من ضروب العِبادة والإغراق في التأمل والصلاة ومناجاة الله، ما يُضفي عليها مِسحةً من القداسة. ولكن لا شَك في إن ذلك بولِغ فيه من جانِب أعداء البطريرك إسطفان الذين وجدوا في إنحيازه الى هذه الراهبة مَمسَكاً يَستَغلّونه ضِدَّه، وفي طليعتهم المطران ميخائيل الخازن الذي كان يطمَح الى إعتلاء الكرسيّ البطريركي.. ففاته ذلك لمصلحة البطريرك إسطفان.

 

ولم يكن هذا المطران، في الواقع، وَحدَه في مُناصبة البطريرك العداء، فقد تَشَكَّلت مَجموعَة من مُستغلّي قضية هِندية ليطالوا عن طريقها البطريرك.. مؤلفة من القاصِد الرسولي الأب دو موريتّا، والمطران ميخائيل فاضل، والقَس سِمعان السِمعاني، والأب أرسانيوس دياب والمطران الخازن، حتى إن السِمعاني ودياب ملآ الدنيا صِياحاً، وأرسَلا الرسائل والتقارير الى رومية مُتَضَمِنةً أشياء لا يُصَدّقها عاقل، فَتَدحَضُها الوقائع ويتبيَّن أنها ثمرة تَحامُل على البطريرك.

 

والواقع إن البطريرك إسطفان لم يَكُن، كما أشرنا، أول مَن عَطَف من الإكليروس الماروني على الراهبة هِندية ولا الوحيد في ذلك، فقد سَبَقه بطاركة ومطارنة وكهنة وفريق من الشعب. ويَظهر هذا من كلامِه، إذ قال إنه لم يجرِ في ذلك إلا على خُطى أسلافه، كما يَظهر من قول الأب لويس صفير، في كتابه عن البطريرك يوسف التيّان، إن الكرسيّ الرسوليّ نفسه إضطَرّ الى التدخُل تارةً لتأييدها وإطرائها وطوراً لشَجبِ عَملِها وإدانته، وإنه وَبَّخ بطاركةً ومطارنةً وكهنة، او عَلَّق مُمارسَتِهم لسلطانهم وواجباتهم، مِمّا يَدلُّ على أن البطريرك يوسف إسطفان لم يَتفرَّد في مَوقِفِه هذا ولم يَكن بادع بدعةٍ فيه، بل كان هناك من قَبْله جوُّ عام يسود فريقاً كبيراً من الإكليروس الماروني والشعب في تصديقهم لهذه الراهبة وإيمانهم بِتَقواها وقداستها، وعلى رأسهم بطاركة سبقوا البطريرك إسطفان في إعتلائهم السِدَّة البطريركية وعَطفِهم على هِندية.

 

ولكن لمّا كان البطريرك يوسف إسطفان من أشَدّ المُناصرين للراهبة هِندية، فَقَد راح مُناؤوه وأخصامِه يوغرون صَدرَ الأمير عليهما، وأغروا مَجمَع نشر الإيمان ضِدَهُما بالشكاوى التي رفعوها إليه، وإتهامهم الراهبة المذكورة بأنها ضالَّة عن سِراط الإيمان والعقيدة، كما أتهموا البطريرك بالإنحراف في مجرى هذا الضِلال. فلمّا وَصَلت الى رومية جميع التقارير والرسائل التي كَتَبها أضداد البطريرك أصدر الكرسيّ الرسوليّ قراراً بالغاء رهبانية هِندية سنة 1779، كما أصدر قراراً بِمنع البطريرك يوسف إسطفان من مُمارسة سُلطاته البطريركية والاسقفية، تاركاً له حَق التَصَرُّف بالدرجة الكهنوتية وَحدَها، وَعيَّن المطران ميخائيل الخازن نائباً بطريركياً، مفوِّضاً إليه كامل السلطان البطريركي ما عدا إنتخاب الاساقفة وسيامتهم، وآمراً جميع الموارنة بإطاعته والخضوع له.

 

 وقد إستدعي  البطريرك الى رومية لتَبرِئَة نفسه امام البابا بيوس السادس (١٧٧٥ - ١٧٩٩)، ولكنَّ حالتَه الصِحية لم تَسمح له بِمُتابعة رحلته، فتوقَّف في دير الكَرمِل في فلسطين  في العام 1780 ، وأرسل قُصّاداً من قِبَله الى الأعتاب الرسولية حاملين رسائل وبيّنات تُثبِت بالبراهين السَديدة صِدق طاعة سَيّدهم وحقيقة مَرَضِه، وقد ناضلوا هناك نِضالاً نَشيطاً أدّى الى وضوح الحقيقة للبابا  بيوس السادس (١٧٧٥ - ١٧٩٩) والمَجمَع المُقدَّس وبِطلان المَزاعِم التي نُسِجَت عن البطريرك، فَساهَم هؤلاء القُصّاد، والرسائل التي حَملوها مِنه، في إسقاط المَنِع الذي صدر بِحقّه عن مُمارسَة سُلطاته البطريركية وإعادته الى مركزه، وذلك في العام 1785.

 

 أجل، عاد البطريرك يوسف إسطفان الى سِدَّته البطريركية مُعظَّماً مُكرَّماً، مُطلقاً صَرخته الشهيرة: "إفتح يا لبنان أبوابك التي سُدَّت في وجهي"، فإستقبله أهالي كسروان بالإحتفالات والأهازيج، وأوصلوه الى مَقرَّه البطريركيّ الذي غَصَّ بالمُهنئين، فعادت مَعه الحياة الى الدير. وإستأنف عَمَله الكنسيّ والإصلاحيّ والثقافيّ والتربويّ والاجتماعيّ مُحدِثاً نَهضةً شاملة في الطائفة، وتوفّي في 22 نيسان سنة 1793، فَدُفن في كنيسة دَيره، دير مار يوسف الحُصن – غوسطا.

 

أما في ما خَصَّ الراهبة هِندية، وإسمها الأصليّ حَنّة العجيمي، فيوضِح أمرها الأب لويس صفير في كتابه: "البطريرك يوسف التيّان" بقوله إنها "راهبة مارونية وُلدت في حلب يوم 6 آب 1720، وأقامت في لبنان مُحْدِثةً في الكنيسة المارونية إضطراباً ما يُقارب النِصفَ قرنٍ من الزمن، وذلك بروحانيتها وقداستها اللتين ما زالتا مَوضِع شَكٍ حتى الآن. فإضطرَّ الكرسيّ الرسوليّ الى التدخل في عدة مُناسبات تارةً لتأييدها واطرائها وطوراً لشَجب عملها وإدانته، كما وبَّخ بطاركةً ومطارنةً وكهنة، او علَّق مُمارَسَتِهم لسُلطانهم الحبريّ أو واجباتهم الكهنوتية.. كما ذكرنا سابقاً.

 

وأما هِندية فنُقلت في نهاية المَطاف الى دير سيّدة الحقلة بَعدَ أن تَدَخَّل البطريرك يوسف التيّان شخصياً بتوجُّهه الى عينطورة، حيث كانت تُقيم هِندية مع الجاماتي وكيلها، وإجبارها على الإنتقال الى دير سيّدة الحقلة في دلبتا والإستقرار فيه، مانعاً إياها من الإتصال بأي شخصٍ خارج هذا الدير، حَيثُ ماتَت في 13 شباط 1798 ودُفِنَت هناك. وهكذا إنتهت مسألة هِندية، ولَكِنَّ، من الناحية التاريخية واللاهوتية والنقدية، تبقى مَسألتها قِصةً روائية تَشغَل الخيال...