دير سيّدة مشموشة – جزّين

يَقوم هذا الدير بِجوار قرية مَشموشِة التابعة قضاء جزّين.. في سَفح جبل النبي "ميشا"، ويُطِلّ على القرى المُجاورة : مَشموشِة وبكاسين وصبّاح وبتدّين اللقش والميدان. وكلمة مَشموشِة، حَسَب تفسير الدكتور سعيد فريحة في كتابه "مُعجم أسماء المُدن والقرى اللبنانية"، تَحريف لكلمة سِريانية هي "مِشمَّساني" التي تعني شَمامِسَة وخُدّام الكنيسة.

 

وقد أُنشِىء هذا الدير بقرار من الرهبانية اللبنانية المارونية في عَهد رئيسها العامّ الأباتي توما اللبّودي في العام 1736.. على قطعة ارض ٍإشترتها من البطريرك سِمعان عواد عندما كان لا يزال أسقفاً، وهو إبن تلك المنطقة الجنوبية من بَلدة الميدان في قضاء جزّين، وقد ضَمَّت كنيسة الدير لاحقاً جُثمانه بعد وفاته في العام 1756 إعترافاً بفَضلِه ووفاءً له، وهو الذي أصبح هذا الدير مقرّاً بطريركياً بفضل إقامته فيه.

 

ولم تشأ الرهبانية ان يظَلّ ديرها هذا وحيداً أعزل في ذلك المحيط، فإشترت له أملاكاً، وأضافت اليه، سنة 1741، كنيسةً فخمة، فكان أول دير لهذه الرهبانية في تلك المَنطقة، وكان إذ ذاك يُسمّى "دير سيّدة الشوف".

 

ثم توالت على هذا الدير كوارث طبيعية وبشرية، فبَعدَ حوالي رُبع قرن من إنشائه صدَّع زِلزال كنيسته، فجُدِّد بناؤها بين سنتَي 1761 و 1763، فأصبحت، بعد إعادة رَونقِها القديم اليها، من أجمل الكنائس بتألَّقُ بَهائها ورَوعَة هندستها. وواصلت الرهبانية إداء رسالتها في هذا الدير وجواره الى أن فاجأتها أحداث العام 1840، فأُحرِق الدير وقضى شهيداً ستة من رهبانه. ولمّا كانت عَملية تَرميم الدير وإصلاحه تُكلِّف أموالاً طائلة، لَم يَعٌد للدير ومدرسته مَجال لتحصيلها، وقد تَعَطَّل كِلاهُما عن العمل، أوفدت الرهبانية أحد أبنائها الى فرنسا وإيطاليا لِجَمع التَبرُعات، وتألفت في فرنسا لِجنة نسائية للمُساعدة من كبار سيّدات المُجتمع الفرنسيّ بارشاد أحد كبار رجال الدين، كما كان الأب الموفد يُخَصِّص إحسانات القداديس التي يُقيمها في مُغتربه لتكون جزءاً من الأموال المجموعة، فأسفر ذلك عن تأمين مبالغ جَرت بها إصلاحات جزئية . وَلَم يَكَد الدير يَقِف على قدميه من جديد حتى جاءت الأحداث الكبرى عام 1860 فخرَّبت منطقة جزّين بكاملها قُرىً وأديرةً ومدارس... وشَتَّتت شَمل أهاليها الذين نَجوا من المَوت إذ ذهب الكثيرون فريسَته، وكان نَصيب الدير مقتل 29 من رهبانه، ورُغم ذلك عاد مع توابعه الى الحياة بعد عودة الامور الى نِصابها، وهو اليوم يواصل إداء رسالةٍ بدأها منذ حوالي أربعة قرون. رسالة روحية، ورسالة علمية تؤدّيها مدرسته التي بُنِيت في العام 1922 مُخرّجةً طلاّباً لامعين بَعضهم يتجه الى الحياة الكهنوتية، والبعض الآخر يخوض ميادين الحياة، فتواصلت بذلك رسالة الدير خارجه أيضاً وإمتدَّ أثره الى البعيد. وتأكيداً للرسالة التربوية التي تؤدّيها المدرسة في المنطقة باشرت، في العام 1997، باقامة بناءٍ جديدٍ بالقرب من الدير ذي هندسة حديثة، فإنتقلت اليه المدرسة.

 

ويُذكر أنه، في العام 1956، ضرب زلزال مَنطقة الجنوب على الأخص كما هو معروف، فَصَدَّع القِسم الغربيَّ من بناء الدير، فإضطُرَّت الرهبانية الى هَدمِه وإعادة بنائه على مراحل، وأنشأت فيه، سنة 1964، مُستوصفاً مجانياً.

 

كل هذا الإشعاع الذي نَشَره الدير في منطقةٍ كانت المسيحية حديثة الدخول إليها لم يكفِهِ ولم يُحقّق كل أمانيه، فأضاف الى طابعه الروحيّ والعلميّ طابعاً تراثياً بتحويله أقبيته، بعد ترميمها عام 1995، الى مَتحَف يحتوي على مُقدَّساتٍ دينيةٍ كالذخائر، ولوازم إقامة الشعائر التقويَّة كبَدَلات القدّاس والأواني الكنسية، الى جانب مَحفوظات قانونية كالصُكوك العائدة الى مِلكية الدير، والمَخطوطات السِريانية، وصولاً الى الأدوات المكتبية والمنزلية والزراعية القديمة....

وأبرز الصُكوك المَحفوظة فيه نَسخة عن القانون الأول للرهبانية العائد الى سنة 1735، أما الذخائر فأبرَزُها ذخيرة عود الصليب ومعها ذخائر بعض القدّيسين، وذخيرة مار مارون، وذخيرة القديس شربل.

 

والجَدير بالذِكر أن مَدفَن البطريرك سِمعان عواد كائن في أحد الاقبية التي تَضُمّ المَتحَف، حيث ثُبِّتَت لوحة حجرية نقرأ عليها :

 

" مدفن السعيد الذكر

البطريرك سمعان عواد

أسَّس هذا الدير سنة 1732

توفي في 14 شباط 1756"

 

وهنا نَجِد تناقُضاً بين المُدوَّن على هذه اللوحة المَدفنية وبين ما ورد في المراجع التاريخية من أنه توفي في الثاني عشر من شباط وليس في الرابع عشر منه.

 

وفي الجدار المُقابل توجَد لوحة تِذكارية تَحمِل عبارة:

"مَدفَن الرهبان شهداء 1860"

 

 

وبالعودة الى الكنيسة، التي تَحمِل إسم "سيّدة الإنتقال"، تلفت نظرنا فيها القبَّة ذات الفتحات الأربع من كل جانب ٍمن جوانبها، ومن تِحتها نُقوش مَحفورة وإنما غير مقروءة.  ومَدخل الكنيسة تعلوه لوحة حَجرية يبدو في وَسطِها صليب مَحفور وتُحيط به أرزتان. أما في الداخل فتبدو الكنيسة برونقها وروعة هندستها وسقفها المعقود. وفي صَدر الكنيسة تَعلو المَذبَح لوحة زيتية تُمثِّل سيّدة الإنتقال وهي من عَمَل الفنان الإيطالي "Gior Spiridon، روما 1863".

 

وعلى أحد جِدران الكنيسة من الداخل توجد لوحة حَجرية تحمل رسماً لقلب يسوع مع كتابات بالكرشونية واللاتينية تؤرّخ لترميم الهيكل بعد خرابه من هزّة العام 1763م.  حيث نقرأ عليها:

 

" قد كَمُل هذا الهيكل

المبارك من بعد خرابه

من الهَزّة على زمان

رئاسة الأب / إقليموس اللبناني

الريس العام الجليل الاحترام

سنة 1763م

هيكل قلب يسوع"

 

 

نَزيل دير سيّدة مَشموشِة البطريرك سمعان عواد (1742-1756).

 

بعد وفاة البطريرك يوسف ضِرغام الخازن إجتمع الاساقفة في دير عين ورقة وإنتخبوا المطران سمعان عواد، تلميذ مدرسة رومية، بطريركاً، فأبى قبول المركز زهداً منه بالمناصب. وحينئذٍ أجمع سِتة من الأساقفة على إنتخاب المطران الياس محاسب الغسطاوي للكرسيّ البطريركيّ، ولكنَّ المطران طوبيّا الخازن، الذي كان غائباً عن هذا الإجتماع، لم يَقبَل بنتيجة هذا الإنتخاب، وإتفق مع مطرانين أحدهما من طائفة السريان، فرقّى وإياهما، في دير سيّدة اللويزة، الى درجة الأسقفية القس عبدالله حبقوق والقس جرمانوس صقر من حلب، وكلاهما من رهبان دير اللويزة، فإنضمّا الى مُريديه وإنتخبوا جميعهم المطران طوبيا الخازن بطريركاً. فأرسل كلُّ من البطريركين المنتخَبَين موفَداً من قِبَله الى الأب الأفدس طالباً منه تثبيت إنتخابه، فَعَهَد البابا بنديكتوس الرابع عشر(1740-1758) الى المَجمَع المُقدَّس لنَشر الإيمان بِمُهمة فَحص الطَلبَين. ففَحَصَهُما المَجمَع فَحصاً دقيقاً، ثم إجتمع آباؤه بكاملهم أمام الحبر الأعظم حاكمين ببطلان الإنتخابَين. فأصدر البابا على الأثر براءة رسولية مؤرخة في 13 آذار 1743 ألغى بموجبها الإنتخابَين بِصِفتهما باطلَين وفاسدَين، كما كتب براءة ثانية بتاريخ 16 آذار موجهة الى المطران سِمعان عواد بتعيينه بطريركاً إنطاكياً من قِبَل الكرسيّ الرسوليّ، وبراءة ثالثة وجَّهها الى الأب يعقوب دو لوكّا، من رهبان مار فرنسيس، بتسميته قاصداً رسولياً الى الموارنة لفضّ النزاع بينهم واعادة الوئام اليهم، وكذلك براءة رابعة بتاريخ 16 آذار 1743 مُوجَّهَة الى البطريرك المُعيَّن والأساقفة يُلغي بها إنتخاب البطريركين الياس وطوبيّا ويُعلِن إختياره سمعان عواد بطريركاُ لكونه أقدم الأساقفة. وعلى هذا الأساس إنعقد مَجمَع الكرادلة في الثالث عشر من تمّوز 1744، فثبَّت البابا بنديكتوس الرابع عشر (1740-1758) إثناءه بطريركية سمعان عواد قائلاً: "إخترناه لحَسِم الخِلاف فقط وليس لسَلب حقوق الطائفة في إنتخاب بطريركها".

 

وهنا نَنقُل عن كتاب "بطاركة الموارنة" للخورأسقف يوسف داغر بعض مَقاطع من براءة الحبر الأعظم هذه.. قال:" إن سَبب الإختلاف هو إن ستة من رؤساء الطائفة إنتخبوا الياس مطران عرقا، وإجتمع في موضعٍ آخر مطارين آخرون قليلون وتَجاسروا على إنتخاب بطريرك هو طوبيّا مطران نابلس، وكلُّ من الفريقين التجأ إلينا لكي نقبله ونثبّته في وظيفته. أمّا نحن، بِموجَب وظيفتنا الرسولية، سَلكنا في هذه المسألة بكلّ تأنّ ٍوأناة، وأمرنا بعضاً من إخواننا الكرادلة المُحترمين، المعهود اليهم، على مُقتضيات الإيمان، بأن يفحصوا إنتخاب البطريركين المذكورَين، وبعد تأكدهم من الأسباب الكبيرة التي تفصح عن فساد الإنتخابين أعلنوا إنه يجب رفضهما لأنهما عادما شروط القبول ولا دواء لهما، فصار من وظيفتنا الرسولية أن نُقيم نَحنُ بذاتنا أحد الرؤساء البيعيين مِمَّن فيهم اللياقة بطريركاً على الطائفة المارونية. لهذا نَحكُم، بمَشورة المَجمَع المَذكور، بل وبِعلمنا الأكيد وسُلطتنا الرسولية المُطلقة، ونقضي، بعد فَحصِنا الكامل من الجهتين، ونظرنا في كل ما أورده الفريقان، قضاءً مُبرماً بأن إنتخاب الياس مطران عرقا من ستة مطارين وإنتخاب طوبيّا من مطارين قليلين هما باطلان، ونَحكُم بأن لا صِحة لَهُما أبداً، وإن كرسيّ البطريركية بعد وفاة البطريرك لم تَزل فارغة الى الآن، وإن المطرانين المذكورَين اللذين أنتُخبا هما عادما كل حقّ ٍ وتصرُّف ورئاسة بطريركية، وكذا كل ما عملاه بسلطتهما التي إدَّعيا بها هو باطل فارغ لا قوة له، وللكرسيّ الرسوليّ أن ينتخب أحد الرؤساء للكرسيّ البطريركي الانطاكي الماروني الفارغ بعد وفاة يوسف البطريرك، ونَرسُم بأن يكون حُكمنا هذا ثابتاً لا يسوَّغ لأحد ان يراجع به، ونأمر بأن يرضخ الجميع لحُكمنا هذا بدون مراجعة...".

 

هذا بَعض ما جاء في براءة الحبر الأعظم بهذا الخصوص، وبعد أن أوفد البابا البادري يعقوب دو لوكّا قاصداً رسولياً الى لبنان ليشهر على رؤساء الطائفة المارونية أحكام المَجمَع المُقدَّس بإبطال إنتخاب المطرانين المقدَّم ذِكرهما، وبإقامة سِمعان عواد بطريركاُ على النحو الذي أشرنا اليه سابقاً، توجَّه الأب المَذكور الى كسروان وإستدعى رؤساء الأساقفة والأساقفة والإكليروس الطائفة وأعيانها الى دير مار أنطونيوس البادوي في حريصا وتلا على مَسامِعِهم المراسيم البابوية، فأظهروا ملء الخُضوع والإنقياد ونادوا: "البابا بنديكتوس حَكَمَ في هذه المسألة من قِبَل الله.. فَليكُن كما حَكَمَ".

 

عِندئذٍ كَتَب القاصِد الرسولي الى الحبر الأعظم والى المَجمَع المُقدَّس عن الطاعة التي أظهرها الموارنة لمَراسيم الكرسيّ الرسوليّ، لذلك قرَّظ البابا هذه الطائفة بأجمل التقاريظ، وكان ذلك في 13 تمّوز من سنة 1744.

 

وَلكِن، في آذار 1745، إتفق أربعة من المطارنة على إنكار الطاعة للبطريرك عواد مُقيمين بدلاً منه نائباً بطريركياً، وعَرَضوا الأمر على الأب الأقدس، فأجابهم ببراءة مؤرخة في 20 تمّوز 1746 وبَّخهم فيها على نُكولهم عن الطاعة للبطريرك سِمعان، مُلغياً عَمَلهم هذا ومُعلناً إياه باطلاً، وموجِّهاً إليهم عظته بوجوب الخُضوع للبطريرك، ثم سَمّى الأب ديسّيداريوس، من رهبان مار فرنسيس، قاصداً رسولياً وأرسله الى الموارنة ليَحَسُم هذا الخلاف الجديد ويُصلِح بينهم.

 

أما عن صَيرورة دير سيّدة مَشموشِة مقرّاً بطريركياً فلأن البطريرك سِمعان، الذي سكن في دير قنّوبين، سَكن أيضاً في دير سيّدة مَشموشِة الذي قام على أرض كانت له، وعقد فيه مُجمَعاً كان الثاني بين ثلاثة مَجامِع عَقَدَها هذا البطريرك، وقد إختار السَكن فيه ليَكون على مَقرُبة من دار الحُكم الكائنة في بيت الدين.. فتَسهَل عليه مُراجعاته مع أمير لبنان.

 

أمّا المَجمَعان الآخران، الأول والثالث، اللذان عَقَدَهما هذا البطريرك، فكانا مَجمَع بِقعاته في 12 ايلول 1744 برئاسته، ومَجمَع قَنّوبين الذي إنعقد ما بين 28 و 30 تشرين الثاني 1755 برئاسته أيضاً. ويَجدُر بنا هنا أن نَذكُر أهمَّ ما عالجته هذه المجامع الثلاثة من مواضيع:

 

  1. مجمع بقعاته : سعى الى تطبيق مُقررات المَجمَع اللبناني في ما خَصَّ فَصل أديار الرهبان عن أديار الراهبات.
  2. مَجمَع مَشموشِة، الذي إنعقد في 10 نيسان 1747 برئاسته كذلك، وحَضَره القاصد الرسولي الأب ديسيداريوس الفرنسيسكاني، سَعى الى تطبيق مُقررات المَجمَع اللبناني في ما يتعلق برسامة المطارنة.. وتحديد مراكز إقامتهم في أبرشياتهم، وإنتخاب وكيل للسيّد البطريرك.
  3. مَجمَع قنّوبين : كان فيه السعي الى تطبيق مُقررات المَجمَع اللبناني في ما يَعود الى تقسيم الأبرشيات ورسامة المطارنة وفصل أديار الرهبان عن اديار الراهبات.

 

إنتقل البطريرك سمعان عواد الى رحمة ربّه في 12 شباط 1756 في دير سيّدة مشموشة ودُفن فيه.