دير مار سركيس وباخوس – ريفون

يعود إنشاء دير مار سركيس وباخوس في بلدة ريفون الى العام 1655. يعني إسم ريفون "مَكان الإستشفاء والراح"، أو، كما ورد في كتاب "المُقاطعة الكسروانية"، إن مَلك مِصر بطليموس الخامس إبتنى لإبنه الرابع رافان، هيكلاً شرقي بلدة عجلتون.. وتُسمَّى مَحَلتَه اليوم ريفون.

 

بناه القَس سليمان مبارك من غوسطا، الذي كان مُتزوجاً ومُنجِباً لسبعة بنين. ولكنَّ وفاة زوجته كانت صَدمةً قويةً له جَعَلته يأنف من حياة الدُنيا ويَزهَدُ بها، فَقَرَّر مع بنيه إعتزال العالم والسَكن في أحد الأديار، عاكفاً وإياهم على الصلاة والتأمل ومُمارسة الصِيام وسائر إنواع الإماتات.

 

لم يَبتعدوا في البدء عن مَسقط رأسهم غوسطا، فلجأوا الى دير مار شلّيطا مقبس وإنتموا الى الجماعة الرهبانية لهذا الدير، وظلّوا فيه مُدة خمس سنوات تَمَرَّسوا خلالها بالحياة الرهبانية وأتقنوا أصولها، كما مارسوا العمل اليدويَّ داخل الدير وخارجه.

 

ولَعَلّ إنشاء هذا الدير الرهبانيّ كان مُلهِماً للقس سليمان وأبنائه، فقرَّروا بِدورهم تأسيس دير خاص بهم. وهكذا نَزحوا عن دير غوسطا قاصدين قرية ريفون حيث إنتقوا تلة صغيرة بينها وبين عجلتون تقوم عليها خِربة هي بقيَّة مَعبدٍ قديم، فبنوا عليها أولاً قبواً عقداً وأقاموا بقربه بعض القلاّيات للسَكن وكنيسةً صغيرة جَعلوها على إسم القدّيسَين الشهيدَين سركيس وباخوس. ثم سَنّوا لأنفسهم نظاماً رهبانياً صارماً قوامه الصلوات السَبع يومياً، والإنقطاع عن الزَّفَر وعمّا تشتهيه النفس من أنواع الأطايب. وثابروا هناك على العمل اليدويّ الذي إعتادوا عليه في دير مار شلّيطا، وذلك في الجنائن والحقول القريبة من ديرهم الجديد. فإستَصلَحوا الأراضي تمهيداً لزراعتها، وإهتمّوا بغرس الأشجار، والكروم، والشتول، مِمّا كان يعود عليهم بالنفع  ويساعدهم في تأمين عيشهم.

 

وهكذا أصبحت العائلة المؤلفة من ثمانية أشخاص: الأب وأبنائه السَبعة، عائلة رهبانية بكاملها مُنقطعة للنسك والتقشف والصلاة، الى أن توفي الوالد عام 1713 كما يَشهَد أعلان منقوش على بلاطة ضريحه في الدير. وهناك نَقش آخر يُشير الى أن الكنيسة التي بجوار الدير والتي حَمِلت إسم القدّيسَين سركيس وباخوس قد بُنيت في العام 1717.

 

الأبناء تابعوا سيرة والدهم وسيرتهم في عهده، حتى أن ثلاثةً منهم إرتقوا الى الدرجة الأسقفية، أولهم جبرائيل الذي كان أول أسقف على أبرشية بعلبك، وثانيهم يوسف الذي تَعيَّنَ مطراناً على أبرشية صيدا إثر وفاة راعيها المطران بطرس الإهدني، وهو الذي إنتقاه مجمع المطارنة بطريركاً بديلاً من البطريرك المعزول زوراَ يعقوب عواد (1705-1733)، فَظَلَّ في تدبير شؤون البطريركية مدة ثلاث سنوات الى أن حَكَم الكرسيّ الرسولي بإرجاع البطريرك عواد الى كرسيّه، مُبطلاً إنتخاب البطريرك مبارك، فتوفي هذا الأخير بعد فترةٍ قصيرة من ذلك، وقيل لنه قضى ألماً وتَحسُّراً على إبطال إنتخابه بطريركاً.  أما الثالث من هؤلاء الأساقفة الثلاثة فكان المطران جبرائيل الثاني الذي تَعيَّن على أبرشية صيدا وتوفي عام 1733.

 

وفضلاً عن الإخوة الثلاثة المذكورين، طلع من هذه العائلة "المباركة" أسقفان آخران هما المطران جبرائيل مبارك الثالث الذي كان من رهبان دير مار سركيس وباخوس، والمطران بطرس مبارك الذي كان من رهبان القديس فرنسيس قبل إرتقائه الى الدرجة الأسقفية.

 

تَحوّل هذا الدير سنة  1831 الى مَدرسة عمومية للطائفة المارونية، وإستمر كمدرسة عمومية عشرات السنين...وفي الحرب العالمية الثانية إستعملته السُلُطات الفرنسية المُنتدبة، مُعتقَلاً لِمَن تعتبرهم معادين لفرنسا في الحرب، أو من رعايا إحدى الدول المُعادية، فَفَرضَت الإقامة الجبرية فيه على الشيخ يوسف الخازن الذي كان مُنحازاً لإيطاليا، وعلى مدير مدرسة الاخوة المريميين في جونية ذي الأصل الايطالي ويُدعى الأخ جوزيف لوي. وفي أحداث العام 1975 وما بعده، إستُعمِلَ في البداية كملجأ للمُهجَّرين، ثم تم إستعماله من قِبَل الاحزاب... حتى بداية التسعينات حيث تحوَّل الى مركز عسكري للجيش.

وفي شهر آب من العام 2008 قدَّمت البطريركية المارونية الدير لمؤسسة كاريتاس لإقامة مخيّمات صيفية ودورات تدريبية فيه، وما زال حتى اليوم برعاية كاريتاس التي تقوم بإعادة ترميمه وتأهيله، وتقيم فيه مخيمات للشبيبة ودورات تثقيفية ورياضات روحية.

 

الى هذا الحَدّ من التعريف بدير مار سركيس وباخوس وبُناته وساكنيهإ لا يتبيَّن لنا سبب إعتباره مقرّاً بطريركياً.. خلا إقامة البطريرك يوسف مبارك فيه الذي لم يُعتبر إنتخابه شرعياً.

 

ولكنَّ بطريركاً آخر، مُثبَّتاً من الكرسيّ الرسولي ونائلاً الصِفة الشرعية، سَكَن في هذا الدير، وهو البطريرك يوسف ضِرغام الخازن (1733-1742) الذي لُقِّب بـ "بطريرك المَحدَلة" لكونه، لدى إجتماع الاساقفة في هذا الدير لإنتخاب بطريرك خلفاً للبطريرك يعقوب عواد المُتوفّى، إختلفوا على شخص البطريرك الذي يُريدونه ولم تَفصُل القرعة في خِلافهم، فَعَدَلوا عن مُتابعة الإنتخاب وهَمّوا بالرجوع كل الى مَقرّه، وإذ خرجوا من الدير صادفوا المطران الخازن جالساً على مَحدَلة فوق سَطح الفرن القريب، فراح يلومهم على خِلافهم، ويَحِثَهم على العودة وإستئناف عملية الإنتخاب مُختارين مَن يرون فيه الكفاءة والأهلية، موحّدين صفوفهم وقلوبهم. فأثَّر فيهم كلامه، ورأوا من خلال ما وعظهم به انه الأجدر بِتَولّي المَنصِب البطريركيّ. فأجمعوا على إنتخابه، وهكذا إنتقل من الجلوس على المحدلة الى الجلوس على السدَّة البطريركية. جاء ما ورد اعلاه في دراسة للأب بولس صفير، حافظ المكتبة البطريركية سابقاً وإبن عجلتون جارة ريفون.

 

هذا البطريرك وُلد على إسم ضِرغام، وهو إبن فيّاض المَعروف بـ "أبي قانصوه" وحَفيد أبو نوفل الخازن. عُرف بِرجولته حَيثُ كانت الناس تَهابَه وتَحتَرِمه، وإشتُهر على الأخَص، عندما أوفدَه شقيقه حُصن الى قَنّوبين، بعد أن بلغه خبر الإهانة التي لَحِقَت بالبطريرك الدويهي، وذلك بالاعتداء الذي جرى عليه من قِبَل الحكام الحَماديين، فذهب الى قَنّوبين مع نسيبيه الشيخ موسى والشيخ نادر على رأس قوةٍ كما ذكرنا عن ذلك تفصيلاً لدى حديثنا عن البطريرك الدويهي.

 

ونَنقُل في ما يلي عن كتاب "الجامع المفصّل في تاريخ الموارنة المؤصّل" للمطران يوسف الدبس أن ضِرغام كان مُتزوجاً وله ولد دُعي ميلان، ولكن شاءت الظروف أن تُتوفى زوجته، فَقَرَرَّ على الأثر الألتحاق راهباً بدير مار سركيس وباخوس في ريفون.. مُتخذاً إسم يوسف في الكهنوت.

                            

وتعود علاقة هذا البطريرك، المولود في غوسطا، بدير مار سركيس وباخوس الى ما قبل إنتخابه بطريركاً. فهو قد لَبِس إسكيمه الرهبانيَّ فيه، وفيه كذلك رُقّي الى الدرجة الأسقفية من قِبَل البطريرك يعقوب عواد (1705-1733) وعُيّن مطراناً فخرياً على غوسطا، وفيه إنتُخب بطريركاً في 24 شباط 1733، ونال دِرع التثبيت من البابا كليمنت الثاني عشر (1730-1740) عام 1734.

 

وبالمناسبة نَذكُر ان هذا البطريرك هو الأول من ثلاثة بطاركة من العائلة الخازنية، والثاني منهم كان طوبيا قيس الخازن (1756-1766)، والثالث يوسف راجي الخازن (1845-1854).

 

إهتمَّ هذا البطريرك بالتعليم، فأنشأ ما بين 1734 و 1735 مَدرَسة عينطورة في كسروان ومَدرَسة في زغرتا. كما إستقدم الرهبان اليسوعيين الى لبنان، وأسَّس دير مار يوسف ليكون مركزاً لهم في جبل لبنان، وتابع سِياسة التَحالُف مع فرنسا. وأهمّ أحداث عَهدِه كانت عقد المَجمَع اللبناني عام 1736 كما ورد في ما سبق، الذي أقرَّ نظاماً داخلياً للكنيسة، وَحَدَّد صلاحيات البطريرك، وإستحدث أبرشيات جديدة وألزم الأساقفة بالسكن فيها، كما نَظَّم الرهبانيات وكذلك الأوقاف لأجل إدارة مُمتلكات الكنائس، وكُبرى أعماله كانت إقرار التعليم المجاني الإلزامي للفتيان والفتيات. كما أنه نظَّم العلاقة بين البطريرك والبابا بحيث ألزم البطريرك بإستشارة كرسيّ روما في الأمور الكَنَسية الخطيرة، وقد صَدَرَت في أعقاب هذا المجمع النسخة الثالثة من كتاب القِداس الماروني سنة 1763.

 

والمُلفِت للنَظَر أن هذا المَجمَع، الذي عُقد برئاسة بطريرك خازنيّ، قد ألغى إمتياز مشاركة الأعيان، ومنهم الخازنيون، بإنتخاب البطريرك، وذلك من أجل حُسن تنظيم الشوؤن الدينية والإجتماعية، وكذلك ألغى حق الخازنيين بتسمية مطارنة كلٍ من أبرشيات بعلبك ودمشق وحلب.

 

ومقابل هذه الإمتيازات التي نُزِعت عن أعيان الموارنة تَمَّ الإتفاق مع الكرسي البطريركي بأن يقوم مشايخ بيت الخازن، نيابةً عن باقي الأعيان، بِحِراسة أبواب المَقَرّ الذي يجري فيه إنتخاب بطريرك جديد، على أن يقوم بهذه الحراسة شيخان، أحدهُما يكون لزاماً من مشايخ آل الخازن في غوسطا، بلدة البطريرك يوسف ضرغام، والثاني لزاماً من مشايخ آل الخازن في عجلتون...  

 

 

لكنَّ هذا البطريرك، رغم إنتخابه في دير مار سركيس وباخوس، وإقامته فيه أحياناً ووفاته فيه يوم 13 ايار 1742، لم يُدفن في هذا الدير، بل نُقل جُثمانه الى مَسقِط رأسه غوسطا ودُفِنَ في كنيسة مار الياس الحيّ التي تعود لعائلته آل الخازن، والتي كان قد حَوّلها إلى كرسيٍّ لأسقفيته حين كان مطراناً على غوسطا.

 

وهذه الكنيسة  كان  قَد تَمَّ تجديدها في العام 1689 من قِبل الشيخ فيّاض إبن الشيخ نادر الخازن  (أبو نوفل)، كما تَدُل اللوحة المَنحوتة الكائنة فوق مَدخلِها. أمّا في الداخل فهُناك لوحة تؤرِّخ وفاة البطريرك مُثْبَتة على الحائط الشمالي وعليها نقشٌ باللغة العربية وآخر باللغة اللاتينية.. مع تواريخ بالارقام الرومانية هذا نصها:

 

رَوَت ثرا ألم كبير يا مولى قضى بالله مسرورا بوجه مازن

أن قيل من هذا وما تاريخه فالبطريرك الشهم يوسف خازن.

كان إنتقال هذا الأب النبيل مار يوسف البطريرك إبن المرحوم الشيخ فياض الخازن من دار الشقا إلى دار النياح والبقا في اليوم الثالث عشر من شهر أيار سنة ١٧٤٢ مسيحيّة وقد جلس على الكرسي الأنطاكي تسع سنين وسبعة أشهر فكان عابداً متواضعا جداً تغمّده الله رحمته واسكنه فسيح جنّاته.

 

Joseph Pet. Patriar Antiog

Milan Gazen EIUS FIL. IN MEM

OBIIT DIE XIII MAI AN .D. MDCCXXXXII

 

وهذه اللوحة تُخلّد ذكرى وفاة البطريرك يوسف درغام الخازن بتاريخ 13 ايار 1742، وذلك ببادرة من نجله ميلان.

 

كذلك يوجد في الكنيسة لوحة زيتية للبطريرك تحمل العبارة التالية: المثلث الرحمة السيد يوسف درغام الخازن البطريرك الأنطاكي ١٧٤٢

 

والجدير بالذِكر أن ميلان هذا، نَجل البطريرك، يروي عنه المطران ناصر الجميّل، في كتابه "وثائق رهبانية" -الجزء الثاني- ما يلي: "يَعود إنشاء دير بقلوش – ساحل علما الى العام 1780، يوم أوقفَ الشيخ ميلان ضرغام الخازن، إبن البطريرك يوسف ضِرغام، بطريرك "المِجمِع اللبناني"، كلَّ ما يَملِكَه لإنشاء دير على إسم السيّدة العذراء في منطقة بقلوش...".

 

وبعد وفاته خلّد الخوري يوسف شَرَف الخازن تاريخ التأسيس على لوحة رخامية عُلقت فوق باب الكنيسة وتحمل الكتابة التالية:

"قد بنى هذا المقام لمريم سيّدة الأنام

من ماله الحاج ميلان إبن البطريرك يوسف

إبن أبي قانصوه الخازن، راجياً بشفاعتها

الأجر المؤبّد والمَجد المعتني بكماله

الخوري يوسف شرف الخازن سنة 1781".

 

 

وبالعودة إلى دير ريفون، تَجدُر الإشارة الى ان أحداثاً هامة جرت فيه. ذلك أن المَشهور تاريخياً إن "المَجمَع اللبناني" الذي نجم عنه وضع دستور للطائفة المارونية إنعَقدَ في دير سيّدة اللويزة، ولكنَّ الحقيقة إن بداياته كانت في دير ريفون الذي نتحدث عنه.

 

فلدى وصول القاصِد الرَسوليّ يوسف سِمعان السِمعاني موفداً من قِبَل البابا كليمنت الثاني عشر (1730-1740) ليترأس هذا المجمع، نُوديَ أولاً بإنعقاده في دير سيّدة قنّوبين، ولَكِنَّ لمّا كان يَتعذَّر على كثيرين الذهاب الى قَنّوبين بسبب والي طرابلس وجيوشه والإضطرابات في منطقة الشمال، فقد قرَّ الرأي على عقد المَجمَع في كسروان. إنما إختلفت الآراء حول مكان الاجتماع، فبعضهم آثر أن يكون في دير سيّدة اللويزة، والبعض الآخر فَضَّل دير مار سركيس وباخوس في ريفون.

 

فأبدى البطريرك يوسف ضرغام الخازن، واقرباؤه المشايخ، رغبتهم بأن تُعقد الجلسات الأولى الإبتدائية في دير ريفون الذي إعتاد البطريرك ان يُقيمَ فيه، ولَكِنَّ بعد أن بدأت الجلسات، حَصَل خلاف بين البطريرك وبَعض الأساقفة حول بعض المسائل، ولمّا تعذَّر البتُّ النهائيّ بها وحَصَل هيجان من جانب اقرباء البطريرك.. إضطُرَّ آباء المَجمَع للإنتقال الى دير سيّدة اللويزة لإكمال المَجمَع بعيداً عن المُنازعات. فأصدر البطريرك أمراً بإستئناف أعمال المَجمَع في دير سيّدة اللويزة، فإستؤنف هناك، وصَدَرَت عنه المُقرَرات التي كان من جُملتها تعيين دير مار سركيس وباخوس في ريفون مقرّاً لأساقفة أبرشية بعلبك.

 

وبهذا الصَدَد نَذكُر ما أورده الأباتي بطرس فهد في أحد مقالات سِلسِلته التي كان ينشرها في مجلة "المَشرِق" تحت عنوان "الأديار القديمة في كسروان" إذ قال: "من الحوادث المُهمَّة التي جرت في عهد الرئيس السابع (على دير ريفون) القَس فرنسيس مبارك.. الدعوى التي جَرَت بين مشايخ آل الخازن وبين بيت مبارك بداعي حق الولاية على دير ريفون. فَحَكَم أولاً مَجمَع اللويزة سنة 1818 بحَق الولاية لآل الخازن، لكنَّ بيت مبارك رفعوا الدعوى الى الكرسيّ الرسولي، فأعيد النظر في الدعوى وحُكم لهم سنة 1826. ثم إستؤنفت الدعوى، وطالت المُخابرات في ذلك أمام القاصدَين الرسوليَّين لويس غندلفي ويوحنا لوزانّا والسيّدين البطريركين يوسف حبيش وغريغوريوس بطريرك الأرمن الكاثوليك وكثير من الأساقفة والقضاة الكنسيين. فتولّوا فَحص الدعوى، وراجعوا كل الصُكوك والحِجَج، وطلبوا شِهادات العارفين، ورفعوا تقاريرهم الى الكرسيّ الرسولي الذي أثبت بوجهٍ نهائيّ حُكمَه لبيت مبارك في رسالة مَطوَّلة بتاريخ 9 حزيران سنة 1832، نَسختها الأصلية موجودة في مكتبة القصادة الرسولية، وقد بلَّغ السيّد لوزانّا الى الفريقين هذا الحكم في 12 آب سنة 1833".

 

أمّا الحدث الهامّ الثاني الذي عرِفه هذا الدير، فكان تحويله الى مدرسة، فهو قد بقي مقرّاً لسكن أساقفة بعلبكّ مئة سنة ونيّفاً، أي من سنة 1710 حتى سنة 1831، ولمّا إرتقى البطريرك يوسف حبيش (1823-1845) الى السدَّة البطريركية عام 1823 إهتمَّ بتحويل بعض الأديار الى مدارس عمومية للطائفة؛ وهكذا تحوَّل دير مار عبدا هرهريّا الى مدرسة سنة 1830، ثم دير مار سركيس وباخوس سنة 1831. وبالجُملة أصبحت المدارس الإكليريكية المارونية في عهد البطريرك يوسف حبيش (1823-1845) أربعة، وهي مدرسة عين ورقة، ومدرسة مار عبدا هرهريّا، ومدرسة مار سركيس وباخوس في ريفون، ومدرسة مار جرجس- الرومّية في القليعات.

 

وقد جَدَّد الخوري فرنسيس مبارك الثاني، رئيس مدرسة مار سركيس وباخوس، بناء المدرسة.. وزاد عليها كنيسةً جميلة، وتوفي سنة 1872.

 

وفي كنيسة هذا الدير يوجَد منحوتتان إحداهما باللغة الكرشونية وتتعلّق بالبطريرك يوسف مبارك (1710-1713) الذي أُبطِل إنتخابه من قِبل الكرسيّ الرسولي كما ذكرنا آنفاَ، حيث نقرأ عليها ما يلي:

 

"بسم الله الحيّ الأزليّ

فها هنا راقد المتوفي

بالرحمة البطرك (البطريرك) يوسف إبن

مبارك الغوصطاني (غوسطاني) الذي من 33 سنة

إتخذ سيرة الرهبنة هو ووالده وإخوته

ونشى (نشأ) دير ريفون ونسخ كتب عديدة فمشت

في المطرانيّة في سنة 1683 أوكل على كرسي قنوبين

أمرار نشل أسجاله (سجلات الكرسي البطريركيّ) وأمانة كنز البطريركيّة

من الظلام ثمّ انسام بطرك فمكث بها 3 سنين

وكان شديد الغيرة على طائفة المارونيّة وجزيل

الرحمة على الكهنة والرهبان ثم رقد

بالرب في ديره المذكور بحضور المطارنة

والمشايخ الخوازنة أولاد أبو نوفل

وأولاد أبو قانصوه وأولاد أبو

آصاف الميت منذ 18 أيلول

سنة 1713 ربّانيّة".          

 

وأخرى باللغة العربية نُقش عليها ما يلي:

 

في عصر غبطة مار بولس مسعد                     مَن بإسمه كل الورى

لبّى النداء مباركٌ فأقامها                               فخراً فرنسيس الرأس الاعظم

أحيى بها الفضل القديم لآله                            وهو الفضل "الملونغ" للتقدم

وبناؤها يبدى (يبدا) بتاريخٍ له:                        "هذا مقامٌ فيه مريمُ تَنْعَمُ"

                                             1868