دير مار شلّيطا مقبس – غوسطا

يُعتبر دير مار شلّيطا مقبس في بلدة غوسطا الأقدم في منطقة كسروان، إذ يذكر المؤرخ والباحث الأب بولس مسعد إن بناءه تمَّ في العام 1192م على يد "الكواليير باخوس" (Chevalier Bachus) وكيل ملك فرنسا  فيليب أوغست (Le Roi Philippe Auguste) الذي قاد إحدى الحملات الصليبية.

 

وكلمة "غوسطا" تَعَدَدَت الروايات بشأنها. فمِنها مَن يقول إنه تحريف لإسم "أوغوستا"  (Augusta) ومعناه الكبر والعظمة، ومِنها أن هذه المنطقة حَمَلَت إسم إبنة اغوسطوس قيصر التي كانت تتخذ من قلعة غوسطا مقراً لها. كما تُشير بعض المراجع القديمة الى أن الإسم مأخوذ من الملك فيليب أوغست أحد قادة الحملة الصليبية الثالثة في أواخر القرن الثاني عشر، والذي أقام أحد وكلائه "الكواليير" باخوس، المذكور أعلاه، فيها، فقام هذا الأخير بِتَسميتها على إسم هذا الملك تخليداً لذِكراه.    

 

ويَذكُر الإستاذ أنطوان خويري في كتابه "تاريخ غوسطا" ما يلي: إن أقدم أديار غوسطا وكسروان عهداً هو دير مار شلّيطا مقبس، الذي تَتَعَدَّد روايات المؤرخين حول زمان وجوده وإنشائه وترميمه بعد تعرُّضه مراراً للدمار والخراب. ففي حين تُشير الآثار التاريخية الى أن هذا الدير هو في الأصل هيكل فينيقيّ، ما لَبِثَ إن تهدَّم بِفِعل مرور الزمن، فجاءت الأميرة جوليا أوغسْطا وأمرت بترميمه، وكان ذلك في العهد الرومانيّ، تأتي المدوَّنات لتقول إن الصليبيين وصلوا الى غوسطا ووجدوا خرائب كنيسة وغُرفاً قديمة العهد، فأمر احد قوّادهم الكواليير باخوس بتشييد معبد وبناء جديد وسكن فيه.

 

ولكنَّ هذا المَعبَد ومُلحقاته هُدمَت مع الحَملات المَملوكية في العام 1305، وبَقِيَت أطلالاً حتى العام 1615 حين إشترى الأرض هناك الخوري يوسف محاسب مع الأبنية المتداعية، يَشهَد على ذلك صَك شراء أرض الدير في العام المذكور.. الذي يقول الخوري إبراهيم حرفوش إنه عثرعليه بين الصُكوك العائدة لهذا الدير، وذلك من ضِمن مُستندات عائلة محاسب التي كان يَحتَفِظ بها الدكتور جدعون محاسب، الذي كان رئيساً للجنة وقف الدير من العام 1969 الى العام 2009.

 

والبطريرك إسطفان الدويهي، من جهته، يذكُر في كتابه "تاريخ الأزمنة" أن الشاري القَس يوسف محاسب طلب من إبنه القَس حنا إعادة بناء وتجديد الدير، وأكمل عماره سنة 1628، مُشيراً الى أنه "الأول في الديورة الذي صار في بلاد كسروان، وكان بُنيانه بِمُساعدة القُرى التي في جيرته". ولا يَختلِف الدويهي عن الآخرين بالنسبة الى أقدمية هذا الدير... ويذكُر إن من دير مار شلّيطا مقبس بدأت السيرة النسكية في كسروان.

 

ويُستنتَج من كِتابات مَن ذَكرنا، ومِمّا قاله الدويهي ومن صَك الشراء، إن أطلال الدير كانت كِنايةً عن كنيسة ومَعبد قديمَي العهد دون معرفة بانيهما، غير إن المؤكد إن تاريخ بِنائهما يعود الى ما قبل الحَملات المَملوكية على كسروان التي جَرَت في العام 1305، بِحيثُ هُجِّرت المَنطقة حوالي قَرنين ونِصف من الزمن.

 

أمّا الشهادة الأوثق حول تاريخ بناء هذا الدير فهي الكتابة الماثلة على عَتَبة مَدخل كنيسته، والتي تشهد بأن بناءه تمّ في العام 1628، وهي بالنص التالي:

 

" بإسم الآب والإبن والروح القدس إله واحد، كَمِلَ عَمار هذا الدير المُبارك مار شلّيطا في أيام سيّدنا البطريرك حنّا الأنطاكي في تاريخ سنة الف وست ماية وثمانية وعشرين مسيحية بيد المعلّم نقولا الشامي، وكان المُعتني الخوري المحاسب والخوري عطيَّا والخوري فرح والقرايا القريبة غسطا ودرعون وبطحا وعجلتون وعشقوت".

 

والجدير بالذكر إن هذه الكتابة مُدوَّنة بالكرشوني، أي إنها باللغة العربية، ولكن بحروف الأجدية السِريانية، وهي أول مرة تُنقش فيها لوحة تاريخية باللغة العربية وبحروف سريانية. 

 

والبطريرك حنّا الأنطاكي المُشار إليه في هذه الكتابة هو يوحنّا مخلوف الاهدني (1608-1633) الذي حَصَل بناء هذا الدير في أيام بطريركيته. وهذا البطريرك إنتُخب ودُفن في قنّوبين، فتكون علاقته بدير مار شلّيطا مقبس مُقتصرة على إن بناءه تمَّ في عهده.

 

 ويُذكر أن إعادة بناء هذا الدير تَمَّت بِتَغطية من إبن غبروش، من قرية مِعراب المُجاورة، الذي كان كاخيَّة الأمير إبن سَيفا التُركماني والي طرابلس، شَرط أن يتمَّ البناء ليلاً حتى لا يعرِف إبن سَيفا به، وأن يكون مَذبَح الكنيسة بإتجاه "القبلة" (الجنوب) كما كانت الحال في بناء الجوامع عند المسلمين. فَجَمَع الخوري حنا محاسب أهالي كلّ ٍ من غوسطا ودَرعون وبَطحا وعجَلتون وعَشقوت وأطلَعهم على هَدَفه، فكان له منهم ما أراد، وهذا دليل على تَضامن أبناء القرى قديماً في لبنان مع بعضهم البعض في سبيل إنجاز أعمال الخير وكانوا يُسمّونها "عونة".

 

ولما إكتشف إبن سَيفا بناء الدير أمسك القَس حنا وسجنه، فتَوَسّط إبن غبروش لإخراجه... وقد طلب القَس حنا من إبن اخيه القَس سركيس محاسب (الذي أصبح برديوطاً على يد البطرك الدويهي في ما بعد) أن يوافيه الى دير مار شليطا حيث سَلَّمَه الرئاسة سنة 1635، وقد توفي القَس حنا باني الدير بعد خمس سنوات في سنة 1640.

 

الا أن كنيسة الدير تَداعى سَقفِها في العام 1672، فرمَّمها الخوري سركيس بمساعدة البطريرك إسطفان الدويهي. وتُشير اللوحة الماثلة على جدار الكنيسة الى هذا الترميم باللغة السريانية وهذه ترجمتها: " بإسم الله، سنة 1672 ربّانية تجدَّد هذا الهيكل المُقدَّس في أيام سيّدنا البطرك إسطفان الانطاكي والشيخ أبو نوفل وأولاده المُكرَّمين، وبعناية إبن المحاسب الخوري سركيس، وكان البنّا القَس جرجس".

 

هذا الدير، وقد بُني من جانب أبناء عائلة محاسب وشُريت الأرض التي قام عليها بمالهم، كان من الطبيعي أن يصبح مُلكاً أو وقفاً لهم، وتولّت عليه مُنذَ تأسيسه سنة 1628 لغاية سنة 1786، أي طِوال 158 سنة. ولكنَّهم، بعد هذه المُدّة الطويلة، حَصَل حادث مؤسف أدّى الى إنتزاع ولايته منهم وجعلها بيد السُلطة الكنسية. إلاّ أنهم عادوا وإستلموا إدارة الدير من سنة 1845 لغاية سنة 1964.

 

وقد روَت المؤرخة الدكتورة سابين محاسب صليبا في كتابها "الأديار المارونية المزدوجة في لبنان" الحادث الذي أدّى الى إبعاد العائلة عن الإمسّاك بالدير، ومُلخَّصه أن راهباً شاباً من العائلة قَتَل إبن عمّه الخوري أنطون محاسب، الذي كان مُترئساً على الدير بِسَبب مُنازعات عائلية قديمة أو تنافس على رئاسة الدير، ولكنها تُضيف إن الامر يوحي بأن الفاعل كان مُصاباً بلوثة عقلية، لأن طريقة القتل أثناء نوم المغدور، وبالفرّاعة، لا تَدلُّ على إن القاتل يتصَرَّف كما يتصَرَّف المُجرِم، وهو قد عَقبَ فعلته بإنتحاره عن طريق رمي نفسه في بئر الدير، المَعروف بالمَصنَع، مِمّا ينفي كونه كان يطمع بالترؤس على الدير بدلاً من القتيل. وذلك ما دعا الى إنتزاع إدارته من أيدي أبناء العائلة، وتحويله ديراً عامّاً تُشرف عليه المرجعية الروحية للطائفة، فأصبح بالمُستطاع جَعلِه، في بعض الأوقات، مَقرّاً لعدد من البطاركة. وقد شُرِّع كمقرّ ٍبطريركيّ بِموجب قرار صَدَر عن مَجمَع عَقَدَه البطريرك يوسف التيَّان في دير سيّدة قَنّوبين، علماً بأن هذا القرار لم يُنفَّذ رسمياً بِسَبَب إستقالة البطريرك التيَّان، ولكنَّ بعض البطاركة كان قد سَكن هذا الدير، وسَنَذكُرهم في ما يلي مع إيراد نبذةٍ عنهم.

 

 

البطارِكة الخَمسة الذين سكنوا الدير

 

البطريرك جرجس البِسبعلي (1657-1670)  والبطريرك مار إسطفان الدويهي (1670-1704) ويعقوب إبن الخوري يوحنا عواد (1705-1733) والبطريرك يوسف التيَّان (1796-1809)  والبطريرك يوحنا الحلو (1809-1823)، أمّا البطريرك يوسف إسطفان (1766-1793) فقد تمَّ إنتخابه في هذا الدير..

 

 

أوّل من سَكَن الدير هوالبطريرك جرجس البِسبعلي (1657-1670)، وهو جرجس إبن الحاج رزق الله من قرية بِسبعل في منطقة الزاوية، إنتُخب بطريركاً في قنّوبين في أول كانون الثاني سنة 1657، ورَفَع رسالةً الى الكردينال رئيس المجمع المُقدَّس لنشر الإيمان يطلب منه تثبيت إيمانه، فمُنح التثبيت والدِرع المُقدَّس في 26 ايار من ذلك العام.. بِشَرط أن يتلو صورَة الإعتراف بالإيمان الكاثوليكي أمام مطران إهدن ومطران حوقا.

 

ولكنَّ المراجِع تَختَلِف حول ما إذا كان قد قضى بعض سِني بطريركيته في دير مار شلّيطا مقبس أم أنه فقط جاءه في آخر عمره ليموت ويُدفن فيه. فبينما نَقَع على نَصٍ يقول أنه لا يُعرَف ما إذا كان قد إستقرَّ في هذا الدير.. نقع على نَصٍ آخر يَذكُر أنه سَكن في قنوبين وفي دير مار شلّيطا مقبس.. مُتنقّلاً في إقامته بينهما. أمّا الدكتور جورج هارون فيقول إن إقامته كانت في دير قنوبين حيث زاره فيه الشيفاليه دارفيو. ويَصِف الدكتور هارون غرفة البطريرك في الدير ذاكراً أن مساحتها ثمانية أقدام عرضاً واثنا عشر قدماً طولاً، وكان يَرقُد فيها على ألواحٍ خشبية موضوعة أرضاً.

 

توفي هذا البطريرك في 12 نيسان سنة 1670، يوم سَبت الحواريّين، في دير مار شلّيطا مقبس، ودُفن في مدفنٍ خاص خارج الكنيسة الى جهة الغرب، إذ خاف سُكان الدير من دَفنَه داخل كنيستهم بِسَبَب المرض الوبيل الذي أصابه والذي يُسمّيه بعضهم الجِذام وبعضهم الطاعون، والدكتور هارون يقول، خلافاً لذلك، إنه مات بداء السِلّ.

 

وهذا القبر لا يزال مَحفوظاً وباقياً الى يومنا، وقد نُقشت على الصخر، تحت علامة الصليب، كتابة بالسريانية هذه ترجمتها :

 

"السَّبح لله، تنيَّح بالقبر هنا جورجس بطرس بطريرك إنطاقية الماروني، من بِسبعل، بسنة مسيحية 1670، 12  نيسان".

 

والبطريرك الثاني الذي مرَّ في هذا الدير كان البطريرك مار إسطفان الدويهي (1670-1704)، وقد جاء على أثر وفاة البطريرك البَسبعلي، وسَبق أن تكلَّمنا عنه مُفصَّلاً في سِياق كلامنا عن بطاركة قنّوبين.

 

وتضيف المؤرخة الدكتورة سابين محاسب صليبا، في كتابها "الأديار المارونية المزدوجة في لبنان"، الى أسباب إنتقال بعض البطاركة الموارنة من الشمال الى دير مار شلّيطا مقبس إن الثلاثة الأولين منهم، وهم جرجس البِسبعلي وإسطفان الدويهي ويعقوب عواد، فعلوا ذلك لوجود، قرب هذا الدير، مقام للبطاركة يُدعى حارة مار بطرس، وكذلك إنسياقاً مع حركة النزوح الماروني نحو المناطق الوسطى من الجبل بسبب الوضع غير المُلائم للعيش في المناطق الشمالية ومِنها المقرّ البطريركي بدير سيّدة قَنّوبين حيث الأمان غير متوفر دائماً، ونظراً للدَور المُتزايد لمشايخ آل الخازن، ولأهمية منطقة كسروان، هذا المَوئل الجديد للطائفة المارونية الذي غدا نقطة الثقل في تواجدها.

 

بَعدَ البطريرك إسطفان الدويهي جاء الى السدَّة البطريركية جبرائيل البلوزاني نزيل دير قنّوبين الذي تَكلَّمنا عنه أثناء حديثنا عن هذا الدير.

 

 وبعد وفاة البطريرك جبرائيل التأم، في اليوم التاسع لرحيله، مجمع الأساقفة والاكليروس في قنّوبين وإنتخب، خلفاً له، المطران يعقوب إبن الخوري يوحنا عواد ( 1705-1733)، من حصرون، وهو تلميذ المدرسة المارونية في روما، وكان قبل إنتخابه بطريركاً مطراناً على طرابلس. وقد أُرسلت رسالة الإنتخاب الى المَجمَع المقدَّس لنشر الإيمان مع طلب التثبيت، فثبَّت البابا كليمَنت الحادي عشر (1700-1721) هذا الإنتخاب برسالة مؤرخة في 21 شباط 1706، ومنح البطريرك الدِرع المُقدَّس على يد وكيله الأب فرديناند الكرملي برسالة مؤرخة في 21 آذار 1706، أي بعد شهر تماماً من رسالة التثبيت.

 

إلا أن بعض الأساقفة أقدَمَ على عَقدِ مَجمَع قَضى بِتَعرية هذا البطريرك من الحِلَل الحَبرية وعَزله، وننقل عن الخوري منصور الحتّوني في "المقاطعة الكسروانية":

"لكنَّ عدوَّ الخير، خَذله الله، حَرَّك قلوباً بالحَسد، فراح بَعضُهم يتهمون زوراً البطريرك المَبرور يعقوب عواد بما هو براء منه، حتى خُيِّل الى بعض الأتقياء إن التهم صحيحة، فإجتمع مطارين الطائفة سنة 1710 في دير مار سركيس وباخوس - ريفون وأنزلوه عن البطريركية ظُلماً وعدواناً، وأقاموا بدلاً منه المطران يوسف مبارك الريفوني، وعرضوا للسِدة الرسولية في رومة الأسباب التي حَمَلتهم على تنزيله. فأرسل المَجمَع المُقدس، في 11 كانون الثاني 1711، البادري لورنسيوس الفرنسيسكاني من رهبان القدس، قاصداً خاصاً لفَحِص هذه الدعوى المُهمة. فأقام القاصد في دير حريصا وباشر مهمته. وغِب الفَحص والتدقيق، وإستجواب الشهود الذين إعتُمد على أقوالهم لعزل البطريرك، سَجَّل البادري لورنسيوس كل شيء بصراحة وبَعَث به الى المَجمَع المُقدس، فَوكَّل البابا كليمَنت الحادي عشر (1700-1721)  الى كرادلة مَجمَع إنتشار الإيمان المُقدس درس تقرير القاصد الخاص"

 

وبعد ذلك التأم المَجمَع المُقدَّس في 20 آذار من العام 1713 وفَحَص فَحصاً مُدقَّقاً عن دعوى البطريرك يعقوب.. خاتماً بتبرئته من التُّهم التي وُجِّهت إليه. وفي 30 حزيران من ذلك العام أرسل البابا كليمَنت الحادي عشر(1700-1721) رسالة وجَّهها الى كل الطائفة المارونية يُعلِن فيها باطلاً تنزيل البطريرك يعقوب عن كرسيّه ويعيده الى مركزه، مُحرّضاً أبناء الطائفة جميعاً على الإمتثال لأوامر الكرسيّ الرسولي وتأدية الطاعة والخضوع للبطريرك.

 

ويقول الخوري يوسف مارون الإطرابلسي في "أصل الموارنة" : "إن أغلب ما حَدَث لهذا البطريرك كان مُسبَّباً من بعض أقاربه، وإن إقاربه كانوا عقاربه، فَتمَّ فيه قول الإنجيل الطاهر: إن أعداء الإنسان أهل بيته". ومِمّا يُروى إنه لما ظهرت براءة هذا البطريرك ورَجِع الى كرسيِّه لم يُظهِر لأحدٍ مِنهم أي إشارة مَلام أو عِتاب.. بل كُل المَحبة. وقد قام هذا البطريرك في أثناء ولايته بأعمالٍ باهرة، منها المعونة الكبيرة التي أسداها للعلاَّمة يوسف سمعان السمعاني من أجل العثور على الكتب الشرقية والمخطوطات النادرة الموجودة في المكتبة الفاتيكانية.

 

توفي البطريرك يعقوب عواد في 12 شباط سنة 1733 في دير مار شلّيطا مقبس في غوسطا ودُفن فيه، كما هو مذكور على منحوتة كائنة على احد جدران الكنيسة :

"إنتقل بالوفاة لرحمة مولاه البطرك يعقوب الأنطاكي الحصروني في ثاني عشر من شباط سنة 1733 مسيحية، واستمر بالرياسة سبعة وعشرين سنة وثلاثة أشهر وجمعة، ودُفن في دير مار شليطا كسروان بوجود مطارين وكهنة ومُرسلين والمشايخ الخوازنة وجمع  غفير.. في غاية الإكرام والشان، تغمَّده الله برضوان النعمة، أرَّخ لغايته أب الرحمة، كتب قيس الخازن".

  

ثم، بعد هذا البطريرك، تَعاقَب ثلاثة بطاركة لا علاقة لهم بدير مار شلّيطا وهم يوسف ضرغام الخازن وسمعان عواد وطوبيا الخازن، الى أن إنتُخب بعدهم البطريرك يوسف إسطفان (1766-1793) في هذا الدير كما يقول الدكتور جورج هارون، بينما سِلسِلة العنَيسي تقول إنه لا يُعرَف في أيّ ديرٍ تمَّ إنتخابه، ولكنها تُضيف إنه كان مُقيماً في دير مار يوسف الحُصن في غوسطا وإنه توفيّ ودُفن فيه، لذلك سوف نتكلم عنه عندما نتناول هذا الدير.

 

وكان خليفته البطريرك ميخائيل فاضل (1793-1795) الذي سَبَق الكلام عنه في أثناء الحديث عن دير مار يوحنّا حراش. وبوفاته إنتقلت السدَّة البطريركية الى المطران فيلبُّس الجميّل الذي سكن دير سيّدة قَنّوبين ودير سيّدة بكركي، والذي سبق إن تكلمَّنا عنه مفصَّلاً في سياق كلامنا عن بطاركة قنّوبين.

 

وهنا جاء على رأس الطائفة البطريرك يوسف التيَّان من بيروت (1796-1809). وعام 1809 لا يشير الى سنة وفاته بل الى سنة إستقالته من منصبه البطريركيّ كما سَنُفصِّل ذلك لاحقاً.

 

إنتُخب في دير بكركي في 28 نيسان سنة 1796 وهو يَبلُغ من العمر 36 عاماً، أي إنه كان يوم إنتخابه من أصغر بطاركة الطائفة. وقد نال دِرعَ التثبيت من البابا بيوس السادس (1775 - 1799)  في 24 تموز سنة 1798. وقد خَطَب البابا في إحتفال تثبيته قائلاً: "هو شابّ في عُمره، وُلد في 5 آذار سنة 1760، ولكنه شيخٌ في فضائِله".. كما ذَكَرت "سِلسِلة العنَيسي" لدى إيرادها نبذة عنه.

 

عن نشأته وسيرته نعود الى الباحث المحامي الدكتور هيام ملاّط الذي تبيَّن له الآتي كما نقله عنه الدكتور جورج هارون في كتابه: "وُلد البطريرك يوسف التيَّان تحت إسم مفوَّض إبن سلّوم التيَّان، من بيروت، عام 1760، وكان وحيداً لوالديه مع شقيقته. فتلقَّن مبادىء الدروس الأولية في مدرسة بيروتية وكان الأول في صفِّه، ثم أرسله البطريرك يوسف إسطفان تلميذاً الى المعهد الماروني الروماني في روما عام 1773 كما يُفيد السِجلّ البطريركيّ، فأتقن العربية والسِريانية واللاتينية والإيطالية والفرنسية وحاز المَلفنَة في العلوم، ثم دَخَل سلك الكهنوت في روما سنة 1782 ودُعي بإسم يوسف.

 

وفي عُمر السادسة والعشرين رُقّي الخوري يوسف التيَّان الى الدرجة الأسقفية على يد البطريرك يوسف إسطفان في كنيسة دير مار يوسف الحصن في خراج بلدة غوسطا.

 

ويقول الأب لويس صفير في كتابه "البطريرك يوسف التيَّان" إن البطريرك يوسف إسطفان جعله أسقفاً على أبرشية دمشق، وفي الوقت نَفسَه وكيلاً بطريركياً بالنسبة الى الأمور الروحية. ويتابع قائلاً إنه، كمطران، نمَّ عن إستقامة وضمير حيّ وحَذقٍ وبراعة. وظلَّ في خدمة البطاركة يوسف إسطفان (1766-1793) وميخائيل فاضل (1793-1795) وفيلبُّس الجميّل (1795-1796) ومُدبّراً لشؤون الطائفة بِحِكمة ودراية الى أن توفّي البطريرك فيلبّس الجميّل، فالتأم مجمع الأساقفة في دير سيّدة بكركي وإصطفاه بطريركاً بتاريخ 28 نيسان سنة 1796، فأوفد القَس لويس بليبل، سنة 1798، الى روما ليحصل له على دِرع التثبيت من البابا بيوس السادس (١٧٧٥-١٧٩٩)، فناله بتاريخ 24 تموز سنة 1798.

وبدورهم أرسل الأساقفة، يوم 30 نيسان 1796، رسائل الى البابا والى المَجمَع المُقدَّس لنشِر الإيمان تِشهُد بأنهم إنتخبوا هذا البطريرك بملء رِضاهم وقبولهم، وبكامل حُرّيتهم ودون أيّ ضغطٍ عليهم، نظراً لخُلقه الحَسن، وتدبيره الحكيم، وطيبته وثقافته العالية، وعلى الأخص نظراً لإندفاعه في العمل من أجل خلاص النفوس.

 

وكان له شهادة أيضاً من المؤرخ المطران بطرس ديب الذي أشاد بتَضَلُّعه من عِلم اللاهوت وبإطّلاعه الواسع على الفِكر عامَّةً وثقافته النادرة. ولعل أثمن شهادة أُعطيت فيه هي شهادة البابا بيوس السادس (١٧٧٥-١٧٩٩) التي ذكرناها من إنه شابّ في عمره ولكنه شيخٌ في فضائله. وهيامه بالعلوم، وخاصةً العلوم الروحية والدينية، دَفَعه الى بَذل كل عنايته من أجل إعادة مدرسة عين ورقة التي كان أستاذ اللاهوت فيها. ولكنَّ فَضلَه الأكبر كان على دير مار شلّيطا مقبس، إذ عقد، بتاريخ 4 ايار 1808، مَجمَعاً في دير سيّدة قَنّوبين تقرَّر فيه تحديد دير مقبس في غوسطا مقرّاً بطريركياً.

 

وكان المَجمَع اللبناني الذي إنعقد عام 1736 قد قرَّر إن المقرَّ البطريركي يجب أن يكون ثابتاً، (وكان دير قنّوبين هو المقرّ البطريركي في ذلك الوقت)، ولا يمكن تغييره إلاّ بموجب قرار صادِر عن مَجمَع أساقفة ولسبب مشروع وقاهر جداً ومع موافقة الكرسيّ الرسولي. فجاء المجمع الأول الذي إنعقد في بكركي سنة 1790 يحدد، في دورته التاسعة، دير سيّدة بكركي مقرّاً بطريركياً، وهو ما صادق عليه مرسوم صَدَر عن المَجمَع المُقدَّس لنشر الإيمان بتاريخ 10 حزيران 1793.

 

ولكنَّ النقاط الهامَّة التي إستعرضها مَجمَع دير سيّدة قَنّوبين بالنسبة لدير مار شلّيطا كانت التالية:

 

* إن دير بكركي لا يُلائم إقامة البطاركة فيه للأسباب الآتية: إنه يقع على حافَّة الطريق، ويُحيطه مناخ سيّء، ولذلك فإن البطاركة الذين سبقوا البطريرك التيَّان لم يقيموا فيه.

* أما دير قنّوبين فلم يعد مُناسباً لإقامة البطاركة بسبب بُعده.

* دير مقبس مُناسب لهذه الإقامة لأنه بعيد عن الطريق، ويقع وسط مناخ جيّد، وبناؤه كافٍ وملائم لمن يأتون لمعالجة قضاياهم.

* جاء في أحد المُستندات إن البطريرك (التيَّان) وافق على إختيار الأساقفة هذا المقر ضمن الشروط الآتية:  

+ نقل الراهبات المُتوحدات في دير مار شلّيطا الى أديرة اخرى.

+ إن ممتلكات الدير المنقولة وغير المنقولة تَصبَح منذ إعتماده كرسيّاً بطريركياً مُلكاً لهذا الكرسيّ.

+ هذه المُمتلكات لا تُباع ولا تُرهَن ولا تُنقل ملكيتها بأية صورة من الصور.. تحت طائلة العقوبات التي سوف يُنَصُّ عليها.

+ يقيم فيه البطريرك أطول مدةٍ من السنة، ولا يتغيَّب عنه إلاّ مؤقتاً ولإنجاز بعض المسائل.

+ إن اعضاء عائلة محاسب التي أدَّت خدمات لهذا الدير يحظون بمعاملة خاصة: فالفقراء منهم، وكبار السِنّ غير القادرين على تحصيل عيشهم، إما أن يجري ايواؤهم في دير مقبس.. أو يقدّم لهم البطريرك ضروريات العَيش.

+ بما إن واردات الدير تربو على نفقاته الضرورية، فإن العدالة والإنصاف يوجبان إقتطاع قسم منها لإنفاقه في ما يعود الى الصالح المشترك للطائفة، وذلك بايواء ستة أولاد موارنة وفقراء فيه يختارهم البطريرك، وولدٍ من آل محاسب إذا كان موجوداً. ويؤمَّن لهؤلاء الأولاد التعليم والعلاج والإعالة بإستثناء الولد الذي من عائلة محاسب الذي يعامَل كأولاد عائلة إسطفان في عين ورقة.

+ قبول جميع التدابير التي يتخذها البطريرك ومَجمَع الأساقفة بثلثَي الأصوات في ما يختص بنقل الراهبات المُتوحدات.. حتى ولو أُلغي احد الأديرة.

+ إذا تخلّى أحد البطاركة عن تحقيق الشروط المذكورة اعلاه، فإن الحق على هذا الدير يعود الى الأساقفة والى مَن كانوا اصحاب حق عليه، والكرسيّ البطريركي يُعتبر في هذه الحالة ديراً  كسائر الأديار.

 

وفي 12 آب سنة 1816 صَدَر مرسوم عن المَجمَع المُقدَّس لنَشِر الإيمان، صَدَّقه البابا بيوس السابع (1800-1823) برسالة مؤرخة في أول تشرين الثاني 1816، يُعلن الموافقة على الكرسيّ البطريركيّ الجديد في مقبس لأنه يستوفي الشروط المُعتادة، أي الدافع القاهر والمُهمّ الذي أخذ به مَجمَع للأساقفة، إنما ليس في دير مُختلط يضمُّ رهباناً وراهبات، كما يَحظى بموافقة الكرسيّ الرسوليّ عليه.

 

بعدها كان قرار قد صَدَر عن مَجمَع 1818 أعاد لعائلة محاسب الحق بتولّي إدارة الدير، وحَفَظ لها وحدها، على الأخص، الحق بتقديم الأشخاص المؤهلين لإدارة الدير. ولمّا كان من الضروريّ أن يكون الشخص المُعيَّن لهذا المركز راهباً، لأن الامر يتعلق بدير، فهو يُمكِنه أن يكون أيضاً من العائلة المؤسِّسة له، على أن يَحظى تعيينه بموافقة مطران الأبرشية لأنه هو صاحب الحق بتكريس تولّيه لهذه الوظيفة. لذلك فبعد زمنٍ طويل لم يُقبِل خلاله أحد من آل محاسب على الحياة الرهبانية، وخصوصاً للترهب في دير مار شلّيطا، دخل نجل الياس جدعون محاسب، المدعو عمانوئيل (المُتحدّر من فرع مؤسس الدير في العائلة)، الرهبانية اللبنانية البلدية وسِيمَ كاهناً في العام 1841، فعيَّنه المطران أنطون الخازن، يوم 25 كانون الأول 1845، رئيساً على دير مار شلّيطا، وهكذا، منذ تَرَؤس الأب عمانوئيل على الدير في نهاية العام 1845، عادت عائلة محاسب تتولّى عملياً بنفسها "شؤون الدير". ولكنَّ هذه الاستعادة لولايته لم تَكُن مُمكِنة لولا المَساعي المُتعددة التي قام بها فرنسيس مرعي محاسب، إبن عم الاب عمانوئيل والمُتَحدر من فرع شقيق المُؤسِّس، لدى السلطات الرومانية والمارونية.

 

بالعودة الى البطريرك التيَّان فقد جابهته، خلال مدة ولايته البطريركية، قضايا سِياسية كان عليه، بموجب كونه راعياً لأبناء طائفته، أن يَتَصدّى لها بما إتصف به من حرص على أن يأخذ الحق والعدل مجراهُما في مُعاملة الحُكام للشعب، كما أن يقوم الحاكم بتعهداته التي إلتزم بها وأقسم على ذلك. ولما كان الأمير بشير الشهابي الكبير، بعد خصومة مع أبناء عمه الامير يوسف شهاب الذين كان مُدبّرهم جرجس باز، من دير القمر، قد جَرَت مُصالحة بينه وبينهم على أساس أن يحكم الأمير بشير المُقاطعة الجنوبية من لبنان مقيماً في دير القمر، ويكون مدبّره جرجس باز، ويَحكُم الامراء أبناء الامير يوسف المُقاطعة الشمالية من البلاد مقيمين في جبيل، ويكون مُدبّرهم عبد الأحد باز اخو جرجس. فجاء جرجس باز الى دير القمر، وصالحه الأمير بشير وعيَّنه في ديوانه. ولكن لزيادة إطمئنانه إليه طلب منه أن يَحلُف يميناً على القربان المقدَّس في كنيسة سيّدة التلة أمام البطريرك يوسف التيَّان بأن يُخلص له  قلباً وقالباً، ويَمتنِع باطناً وظاهراً عن أن يُلحق به أيَّ أذىً او غدر، فقبل جرجس بذلك على أن يُقسم الأمير مثل هذا القَسَم بالمقابل. وبعد أن تراضيا على هذا الأمر إستُدعي البطريرك التيَّان سرّاً الى دير القمر، وسار الجميع الى الكنيسة ليلاً تحت طيّ الكِتمان، فدخلاها ومع كل فريق أنصاره، ثم أُقفلت أبوابها ونوافذها، وإتشح البطريرك بالملابس الحبرية وأقام قداساً صَمَد في نهايته القربان على المذبح بين أنوار الشموع، وتقدَّم الأمير وجرجس باز فحلفا اليمين أمامه بأن يُخلص كل منهما للآخر إخلاصاُ لا غشَّ فيه، ثم إنصرفا مُطمئنَّي البال بعد أن أرفقا البطريرك بحرس يوصله الى كرسيّه دون طنطنة، شاكرَين إياه على ما كابد في سبيلهما من تَعب.

 

هذه المَعلومات إستقيناها من كتاب المؤرخ لحد خاطر "بين أمير وراهب"، ولكنَّ الأمير بشيراً حَنَث بيمينه وقتل جرجس باز وأخاه على الوجه المَعروف، مِمّا أثار غضب البطريرك وإستياءه الشديد. ثم حدث ما زاد في حِدَّة غَضَبه عندما رفع الأمير بشير الضريبة المُسمّاة "قرش الميرة" الى ستة قروش، فَتذمَّر الشعب من فداحة الضَرائب، وراح البطريرك يُناضل عن حقوق الشَعب المَظلوم، وَوَصَل به الأمر الى تهديد الأمير بالحُرم إن لم يرجع عن عزمه على رفع قرش الميرة الى سِتة قروش. فأخذ الأمير يتآمر عليه مع بعض موفدي الكرسيّ الرسولي ويوصل عنه الأخبار المُزيفة بواسطتِهم الى البابا. ولم يَكن البطريرك من جهته مُتمسكاً بالمنصب، بل كان يؤثر حياة الزهد والنسك على المناصب الرفيعة. وجاءت معاكسة بعض أساقفته لأعماله ومقاصده الخيرية والإنسانية، وإستمالتهم إليهم بعض أصحاب الأمر، لتزيده تفضيلاً للإعتزال، فقدَّم إستقالته في العام 1809 وإلتزم الحياة النسكية أولاً في محبسة مار افرام بقرية درعون التي لا تبعد كثيراً عن دير مار شليطا مقبس ثم في دير قنوبين.

 

وقد وَرَد في الإلتماس الذي قدَّمه الى الكردينال رئيس المجمع المقدًّس لنشر الإايمان لإعفائه من مهامّه البطريركية ما يشير الى الاسباب السياسية والخصومات الشخصية التي حَدَت به الى الإستقالة إذ قال:

"لما كنتُ تَحَقَقتُ أن صِرتُ غير قادر أن أفيد طائفتي في مقامي البطريركي، بل أجلب لها ضرراً في الروحيات والزمنيات، عَزمت على الإستعفاء من البطريركية وإعتزال الناس، مُختاراً العيشة الإنفرادية للإشتغال بخلاص نفسي. إن مُضادَة حُكامنا لي العنيفة جداً، والشكوك الفظيعة الحاصِلة في الطائفة، هي الداعي الأول لإستعفائي، وما يَنجُم عن تلك الحال من الشُكوك والأضرار تعرفه نيافتك".   

 

وافت المنيَّة البطريرك يوسف التيَّان في دير سيّدة قَنّوبين في العشرين من شباط سنة 1820، فدُفن في مدفن البطاركة أسلافه في مغارة القديسة مارينا.. الى إن نُقل جثمانه في ما بعد الى داخل الدير على الوجه المبيَّن في الكلام عن دير قنوبين.

 

وخَلَف التيَّان على السدَّة البطريركية البطريرك يوحنا الحلو (1809-1823)، من بلدة غوسطا، الذي تكلَّمنا عنه في أثناء حديثنا عن بطاركة قنّوبين. فإستمرَّ على السكن في دير مار شلّيطا مقبس خلال السنوات الأولى من حبريته قبل إنتقاله الى دير سيّدة قَنّوبين، خاصةً وإنه كان في زمن إسقفيته معاوناً للبطريرك يوسف التيَّان (1796-1809) وقيّماً على هذا الدير.. كما جاء في كتاب المؤرخة الدكتورة سابين محاسب صليبا.