دير سيّدة قنّوبين - الوادي المقدّس

https://www.youtube.com/watch?v=piSuWzi7VfE&t=6s‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

 

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

"وادي قاديشا" يُعرَف بهذا الإسم نسبةً الى مغارة قاديشا الواقعة فيه، ولكن طغى عليه إسم الدير الشهير الذي يقوم فيه ويُدعى "دير سيّدة قَنّوبين". وموقع هذا الوادي جغرافياً هو في جِبَّة بشرّي، تلك الناحية الجَبلية العالية في شمال لبنان، ولأجل ذلك إكتسبت إسم "الجِبَّة" لأن هذه الكلمة تعني بالسريانية العلوَّ والإرتفاع. أمّا كلمة "قَنّوبين" فَمُتحَدِرَة من اللغة اليونانية Koinobion التي تعني "جماعة تعيش حياةً مُشتركة عِمادُها المَحَبة والصلاة". وكلمة "قاديشا" آرامية آتية من جَذْرٍ ساميّ، وأصلها "قاديشو" بمعنى "المُقدَّس"، فوادي قاديشا هو "الوادي المقدَّس".  

 

ولكنَّ هذه الصِفَة لم تُطلَق عليه اللإ منذ القرن السابع، حين قَصَده الموارنة وإنتشر نُسّاكهم وحبساؤهم في مَغاورِه والمحابس التي زرعوها على جانبيه، وتَكرَّسَ هذا الإسم نهائياً في القرن السابع عشر على يد المُرسَلين الغربيين والبطريرك إسطفان الدويهي. وهو يُسمّى أيضاً "وادي الذخائر"، نِسبةً لذخائر القِديسين الذين زُرِعوا بالمِئات في مَغاوِرِه وحَفافيه، إذ توالى عليه كثير من المُتَعبِّدين على إختلاف مُعتَقَداتِهم، ولكنَّ الموارنة طَبعوه بِطابِع نُسكِهِم أكثر من غيرهم لأنهم لجأوا اليه ليس فقط للتعبُّد، بل للحماية من الإضطهادات، وطلباً للعيش والصمود والقداسة. ويَمتَدّ هذا الوادي من موقِع مَغارة قاديشا التي يتدفَّق منها نبعٌ تنحدر مياهه نزولاً حتى مزرعة النهر حيث يلتقي هناك بوادي قزحيّا. وهو يَتَمَيز عن سائر الأودية بكونه يبدأ بخسوفٍ حادّ، يوحي بأن الارض قد تكون تَعرَّضَت لعوامِل طبيعية أدَّت الى هذا التجويف العميق.

 

أمّا وادي قزحيّا فيُدعى "الوادي الصغير" إذ لا يتجاوز طوله الثلاثة كيلومترات، وهو يَمتَدّ من مزرعة النهر صعوداً حتى أسفل بلدة كفرصغاب.

 

ولكن إذا كان دير قَنّوبين قد أعطى إسمه للوادي الكبير (وادي قاديشا) لأنه الأبرز في المقامات الدينية القائمة فيه.. فذلك لا يعني إنه الدير الوحيد في بُقعَة ملأى بالأديار والصَوامع والمَحابس والمَغاور والكُهوف.. التي كانت جَميعُها مأوىً للرهبان والنِسّاك،  حتى أن الرَحّالة جان دو لاروك ذَكَر أن هذا الوادي كان يضمُّ نحو ثمانمِئة مغارة سكنها الرهبان والنسّاك.

 

وإذا كان لنا ان نَذكُر بعضاً من هذه المقامات الدينية، فإنما نَذكُر دير مار ليشع القديم،  وهو ديرٌ أثريٌّ مَبنيٌّ في لِحِف جُرْفٍ صخريٍّ شاهق، لا يُعرف بالتحديد متى تأسَّس،  لكنَّ أقدم وثيقةٍ عنه تعود إلى سنة 1315 م، وهي نَشرَة صادِرَة عن الدير المذكور تُفيد "أن هذا الدير المُشيَّد على إسم مار اليشاع النبي، قديم جداً"، فهو ولا شَك موجود قبل مَحبَسة مار سمعان العامودي التي بُنيت سنة 1112 في قلب الصخر تحت بلدة بقَرقاشا. وهذا الدير، حَسب البطريرك العلاّمة إسطفان الدويهي (1670-1704) والمُستشرقين الكُثُر مِثلَ الأب سلستينو الكَرملي وغيره، هو عِبارة عن عِدّة مَغاوِر في قلب الصَخر الكبير الكائن تحت بلدة بشرّي والمُشرِف على نهر الوادي المقدَّس. يُحيط بهذا الدير عَدَد  من التجويفات، وتُعتَبَر مَنطقة دير مار ليشع غنيَّةً بالمَحابِس الأثريَّة. حالة الدير مُمتازة، وهو في عِهدة الرهبانية المَريمية، ويشهد نشاطاً مُمَيزاً.

 

و دير سيّدة حَوقا، «جوهرة الوادي» كَما لقَّبَه أحد عُلماء الآثار، هو عِبارة عن مَغارةٍ ذات تجويفٍ ضَخم بُنِيَ فيها دير يَعود تاريخه إلى 1283 م، وقد بَناه إبن الصَّبحا، من قرية كفرصغاب، تكفيرًا عن ذنوبه لوِشايته للمَماليك أثناء حَملَتِهم على جِبَّة بشرّي عن كيفية الإيقاع بالموارنة المُتَحَصّنين في عاصي حوقا. وفي هذا الموقع أيضًا مغارةٌ طبيعيَّةٌ يبدأ إمتدادها فوق المُستوى الأعلى للدير. في هذا الدير عاش لبعض الوقت الأب روجيه، وهو طبيب الأمير فخر الدين المَعنيّ الثاني الكبير. ويَسكُن الدير حاليًّا الحبيس الأب الكولومبي داريو إسكوبار. يُذكَر أنه في القرن السابع عشر، قام في هذا الدير أول مَعهَد إكليريكي ماروني، وهو (أي الدير) ما زال بحالةٍ جيّدة  وفي عهدة الرهبانية اللبنانية.

 

ثُمَّ هُناك دير مار أبون مَهجور ومُهمَل منذُ زمن، وحالياً في طَور الترميم، هو أيضًا من الأديار الأثريَّة الهامَّة، ويتألّف من قِسمَين: قِسمٌ مَبنيٌّ داخل الكُهوف الأربعة المُتتالية، والآخَر بِناء يَقَع على سطح الجُرْف فوق الكهوف. كنيسته مَبنيَّةٌ داخل الكَهف الأكبر ومؤلَّفة من ثلاث حنايا، وهي تِحفةٌ فنيَّةٌ مِعماريَّة من العُصور الوسطى.. تُعتبر الأجمل بين مجموعة الكنائس الأثريَّة في وادي قاديشا. أورد البطريرك  إسطفان الدويهي (1670-1704)  ذِكرَ هذا الدير مراتٍ عِدة، لافتاً الى عُثوره على كتب للصلاة فيه، ما يُشير الى أنه كان مأهولاً حتى القرن السابع عشر.

 

ثم يُوجَد دير مار أنطونيوس القائم في وادي قَزحيا، والذي يَعود وجوده إلى أوائل القرن الرّابع، لأنّه تَزامن مع إنتشار الحياة النّسكيّة في الشّرق، وهناك شِهادات من التّاريخ تُثبت أهميّة هذا الدّير وقِدَمَهُ. وهو أيضاً بعِهدة الرهبانية اللبنانية، وكانت قد أُنشئت فيه أول مَطبَعَة في لبنان عام 1610.

 

ونَصِل الى دير سيّدة قَنّوبين الذي هو بيت القصيد في نَبذَتنا هذه كَونه من أقدم وأهمّ الأديار الأثرية الموجودة في هذا الوادي، ولِكونه ظَلَّ مَقرّاً للبطاركة الموارنة من القرن الخامس عشر حتى التاسع عشر، وتحديداً من سنة 1440 حتى سنة 1823. مؤسِّس هذا الدير، بِحَسب تقليد الكنيسة المارونية، هو تاودوسيوس الكبّادوكي في القرن السادس، أمّا تقليد الكنيسة السِريانية اليعقوبية، فيَذكُر أن الأمبراطور تاودوسيوس الأول، في القرن الرابع، هو الذي بَنى أول كنيسة في جبل لبنان وهي كنيسة سيّدة قَنّوبين.

 

يقع هذا الدير على الجانب الأيمن من وادي قاديشا، ويتألف من كنيسة مُتَوسِطَة الحَجم تقبَع داخل تجويفٍ صَخريّ، ومن أبنية مُتعددة داخل هذا التجويف وخارجَه، وهي مَنحوتة في الصخر، وأنيقة في بساطتها وتقَشُّفها مِثل أغلب الأديرة والمناسك المُحيطة بها. أمّا في الداخل فَتعلو مَذبحها صورة "المسيح الضابط الكلّ" وهو يتأبَّط الكِتاب المَختوم بِسَبعة أختام كما في رؤيا يوحنّا، أي الكتاب المقَّدس بِعَهْدَيه، وعن يَمينه وشِماله العذراء، وإسطفانوس أول الشهداء، وفي الحَنيَّتَين الصغيرتَين صورة للقديس يوسف حاملاً الطفل الإلهيَّ بيُسراه، بينما يَدلُّ بيُمناه على مِهنته كنجّار. وهناك أيضاً صورة للنبي دانيال ملقى في جبّ الأسود. وعلى الحائط الشمالي توجد صورة للسيّدة العذراء يُتوّجها الثالوث الأقدس، وهي جدرانية تُسمّى "نياح العذراء"، وتُشكّل تِحفة الكنيسة، إذ تَتَجلّى فيها السيّدة العذراء بثوبها الأرضيّ ووِشاحها السماويّ واصلةً بهما ما بين دائرتَي الأرض والسماء. وهي، بانحناءة رأسها وسَمرة وَجهِها الشرقيّ الرائع، من أجمل الرؤى السَماوية. إنها تَنتقِل من مَرقَدِها الذي تحوَّل الى مَذبَحٍ تُنيره أرزتان كأنهما شَمعدانان، ويُكرّمُها سُجَّداً تسعة بطاركة في ليتورجية أرضية، تُقابلها في السماء ليتورجية الملائكة. ويَعلو الجِدرانية القمر والشمس.. رمزاً لنهارٍ أبديّ. ويَتمُّ التتويج على وقع الأناشيد يُردّدها الروح القدس بالكرشونية - السريانية: " تعالي معي من لبنان أيتها العروس فَتَتكَلَّلين".

 

وفي الدير أيضاً كثير من الجِدرانيات الأخرى التي تُغطي الجدران، ومن أهمُها جِدرانية تعود الى القرن الثاني عشر.. مَوجودة في أحد اقبية الدير ويعود تاريخها الى القرن الثاني عشر الميلادي، ولم يبقَ فيها ظاهراً إلاّ وَجه ملاك.

 

ويُذكر ان رُفات البطريرك يوسف التيّان موجود في الدير، لا في المدافن كما تَذكُر لوحة القديسة مارينا، كونه وُجد في قبره بحالة شبه جَيّدة فنُقل الى قبو في الدير، ومؤخراً كَشَفت عليه لِجنة أجنبية تقوم بالبَحِث عن الوسائل التي تؤول الى عَدَم تَحَلُّل جثمانه وجثمان يوسف بك كرم في كاتدرائية مار جرجس في إهدن. وقد أفاد رئيس اللجنة المُكلّفة معالجة جثمان البطريرك التيّان أنه بحالة جيّدة، وإن المُعالجة العلمية التي أجريت له سَتصونه نهائياً، بَعَدَما تَبيَّن أن ما تَعرَّض له هو نتيجة عوامل خارجية إذ لا وجود لجراثيم او بكتيريا داخله، ويَتِمُ حفظه الآن في تابوت مُحكم الإقفال يَغمُر الجثمان داخله غاز خاص يُجدَّد دورياً ...

 

البطريرك الدويهي (1670-1704) دَعا هذا الدير بِدير المِئتَي راهب، دَليلاً على مِقدار ما كان مقصوداً من الراغبين في الإنقطاع للتعبُّد وتكريس حياتهم لله. كذلك فقد قُرعت فيه أول أجراس في بلاد الأتراك شاهدةً على الألفة والانفتاح والحرّية. وهو أصبح بمثابة الرئاسة العامة للأربعين ديراً صغيراً وللأديار الأربعة الكبيرة: مار أبون، وقزحيّا، وحوقا ومار إليشع. وقد لَعِب دوراً بارزاً في تاريخ الترهب والتنسُّك، ومن المؤكد أنه كان مركزاً لتنشئة الرهبان طالبي النُسك والتوحُّد.

 

وقد طَبَع الدير واديه بِطابعِه، فسادت فيه الحياة الزهدية طويلاً، ولم تَكُن الصلوات، وشعائر العبادة، والإرشاد الديّني المُعطى للقاصدين من الزوّار، وأعمال الكرز في القرى المجاورة، لتنقطع فيه، غير مَبذولةٍ في حدود الوسط، بل كانت سِعياً جاهداً مُتصلاً لإعلاء كلمة المسيح. وقد صُنِّف هذا الوادي عن حقّ أثراً عالمياً يَجمَع بين جمال الطبيعة وبهاء القداسة، إذ وُضع، في تشرين الثاني 1998، على لائحة التراث العالميّ كمنظرٍ ثقافيّ ٍ إنسانيّ بموجب الاتفاقية الدولية لحماية مواقع التراث العالميّ المُعتمَدة من منظمة الأونيسكو. والراهبات الأنطونيات، اللواتي يقمنً على إدارته، يَسعينَ الى إحياء روح النسك فيه.

 

وقد قام غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي بزيارات ميدانية لهذا الوادي شَملت كل أنحائه، وطلب الى الجِهات المُختصة إعداد دِراسة هندسية كاملة حول وادي قَنّوبين المَملوك من البطريركية المارونية ليكون بِمثابة قرية نموذجية للحياة الروحية والسياحة الدينية.

 

وعلى مَقرُبة من الدير، تقوم مَغارة القديسة مارينا، التي جُعلت مَدفناُ للبطاركة الذين كانوا يُوْصون بِدَفنهم فيها تيمُّناً بهذه القديسة البارَّة التي عاشَت فيها بعد أن إتُهِمت زوراً بقَضية شائنة هي منها براء، فَصَمَتت صابرةً الى ان إكتُشفت براءتها من هذه التُهمَة بعد مَوتِها. وفي حوالي العام 1113 نُقل جُثمانها الى مدينة البندقية في إيطاليا .وفي العام 1909 بُنيَت أمام هذه المغارة كنيسة صغيرة مُلاصِقَة لها تحوي الرخامة التي تحمل أسماء البطاركة السَبعَة عشر المدفونين هناك، والذين سَيجري الحديث عنهم لاحقاً. وفي 17تمّوز من العام 2018، وفي ذكرى عيد القديسة مارينا اللبنانية، نُقِلَت ذخائرها الى وادي قَنّوبين   من مدينة البندقية - إيطاليا إلى لبنان وذلك لمدة أسبوع.

 

 

 

إنتقال البطريركية الى دير سيّدة قَنّوبين

 

‏‏‏‏‏‏‏‏‏سبق القول ان البطاركة الموارنة لم يَستَقرّوا في مكانٍ واحد، بل كانوا يتنقَّلون تبعاً للظروف الأمنيّة والسياسية التي كانت تطرأ عليهم وعلى شعبهم المارونيّ. وإنتقالهم الى شمال لبنان الذي كان يحصل لأول مرة، والى وادي قَنّوبين بالتحديد، يعود الى أنه، في العام 1439، وجَّه البابا أوجين الرابع (1431-1447) الى البطريرك الماروني يوحنا الجاجي (1404-1445) دعوةً للمُشاركة في مَجمَع فلورنسا المُخَصَص لتوحيد الكنيستين الشرقية والغربية، فلم يتمكن البطريرك من المُشاركة شخصياً في هذا المَجمَع.. وأوفد بالنيابة عنه لحضوره الأب فرّاجوان رئيس رهبانية الآباء الفرنسيسكان في بيروت، باعثاً معه رسالةً الى البابا يقول فيها أن الكنيسة المارونية تقبل بكل ما يُحدّده المَجمَع ويَقرّره، وقد تُليت هذه الرسالة في المَجمَع .

 

ولما عاد الأب فرّاجوان الى طرابلس في مطلَع تشرين الأول 1440 حاملاً معه دِرع التثبيت  للبطريرك ورسائل من البابا لاقاه الموارنة الى المدينة في مُظاهرة إستقبالٍ كبرى، مِمّا جعل نائب طرابلس المملوكي يتوجس منه شرّاً، فاعتقله بتهمة إنه جاسوس للصليبيين الذين يحاولون العودة الى الشرق.

ولمّا وَصل الخبر الى البطريرك يوحنا في إيليج أوفد الى نائب طرابلس بعض أعيان الطائفة ككفلاء للراهب المعتقل. فأطلق النائب سراح الموفد الذي توجَّه الى ايليج مسلَّماً البطريرك دِرع التثبيت والرسائل وعائداً من ثم الى بيروت. ولكنَّ نائب طرابلس المملوكي لم يهدأ له بال من جهة هذا الراهب الأجنبيّ، فعاد يطلب إحضاره اليه، ولمّا علم انه أصبح في بيروت جَرَّد حملةً عسكرية على المَقرّ البطريركي في دير إيليج لأجل إعتقال البطريرك ومَن معه، ولمّا لم يَجِدَه الجنود نكّلوا بالرهبان والأهالي، وخرَّبوا الدير والمنازل والحقول. لكنَّ البطريرك يوحنا كان قد هَرب مع العديد من الرهبان والفلاَّحين الى وادي قَنّوبين، وكان ذلك في العام 1440، حيث أكمل حَبريته في دير السيّدة هناك حتى وفاته بعد خمس سنوات اي سنة 1445، فكان به بدء تحوُّل هذا الدير الى مقرّ بطريركيّ تعاقب عليه أربعة وعشرون بطريركاً إستقرّوا في وادي قَنّوبين كان البطريرك الماروني يوحنا الجاجي (1404-1445) أوَّلهم. وهو من قرية جاج، وقد إنتقل الى دير قَنّوبين للأسباب التي ذكرناها بعد ان إنتخب وأقام في دير سيّدة ايليج في ميفوق حيث تكلَّمنا عنه مفصَّلاً في سياق حديثنا عن هذا الدير.

 

توفي في دير سيّدة قَنّوبين، ودُفن في مغارة سيّدة مارينا هناك تيمُّناً بهذه القديسة الشهيدة. فخَلَفَه يعقوب بن بطرس الحدثي (1445-1468)، وهو الثالث بإسم يعقوب، من الحَدَث. إنتخب بطريركاً في دير سيّدة قَنّوبين، وكان أول بطريرك يُنتخب فيها. أقام في ديرها مُكْملاً فيه مدة ولايته. والبابا نيقولا الخامس (1447-1455) بَعَث له برسالة يُبلغه فيها إنتخابه للحبرية العُظمى ويطلب دُعاءه ليساعده الله في تدبير الكنيسة. توفي في دير سيّدة قَنّوبين، ودُفن على غرار سَلَفَه في مغارة سيّدة مارينا.

 

فكان خليفته بطريرك من الحدث أيضاً هو يوسف بطرس بن يوسف بن يعقوب، الذي اشتُهر بابن حسّان (1468-1492)، وهو الثاني بإسم يوسف. أقام أيضاً في دير سيّدة قَنّوبين، وبعد إنتخابه أرسل الى البابا بيوس الثاني (1458-1464) كتاباً يَلتمِس به من قداسته دِرع التثبيت المقدَّس، فردَّ عليه البابا برسالة شَدَّد فيها على عقيدة الكنيسة القائمة على التوحيد والتثليت والطبيعتين والمشيئتين في المسيح. والجدير بالذِكر أن سِلسِلة العنيسي لا تدعوه يوسف بل بطرس، فهو فيها: بطرس بن يوسف بن يعقوب.

باع هذا البطريرك أواني الكنائس، وتبرَّع بمداخيل الكرسيّ البطريركي، لدَفع الضرائب عن الفقراء  الذين كان المَماليك يَقْسون عليهم في تحصيلها. وإستغاث بالبابا ليُساعده، فبادر قداسته الى ذلك تخفيفاً للأثقال عن شعب لبنان. توفي في دير سيّدة قَنّوبين، ودُفن كسلفَيه في مغارة سيّدة مارينا.

 

وجاء على أثره إبن شقيقه سمعان الرابع الحدثي (1492-1524) من الحدث. إنتخب في دير سيّدة قَنّوبين، وأقام في هذا الدير، وتوفّي فيه يوم 27 تشرين الثاني 1524 وله من العمر 120 سنة، ودُفن في مغارة سيّدة مارينا في قَنّوبين. في عهده أرسل البابا لاوون العاشر (1513-1521) قاصداً رسولياً على الطائفة المارونية سنة 1515، فتَجوَّل في جبال الموارنة مُطَّلعاً على أوضاعهم، وعاد الى روما رافعاً تقريراً بهذا الشأن، وبناءً على هذا التقرير ارسل البابا الى البطريرك الماروني رسالة أعرب فيها عن سروره بكون أمة الموارنة مَصونة في عقيدتها الصحيحة وسط أهل الكفر، كالوردة بين الأشواك. دامت ولاية هذا البطريرك 32 سنة.

 

وبوفاة ثالث الحدثيين إنتقلت السِدَّة البطريركية الى الراهب في دير سيّدة حوقا موسى سعادة العكاري (1524-1567)، من قرية الباردة - الكفرون في عكار، الذي إنتخب بطريركاً بالرغم من تنسُّكه وإنقطاعه للصلاة والعبادة في وادي قزحيَّا، وذلك في 11 كانون الأول 1524. أقام في دير سيّدة قَنّوبين طوال عهد بطريركيته. بعث برسالة الى البابا كليمنت السابع (1523-1534) يلتمس منه فيها دِرع التثبيت، فوقع موفده، حامل الرسالة، مطران الشام انطون، في أيدي لصوص البحر الذين سلبوه كل ما كان معه. طَلب مُساعدة الإمبراطور شارلكان له على نَيل الإستقلال، مُعلناً أن لديه خمسين ألف مقاتل جاهزين لذلك، فلم يَستجِب الإمبراطور لطلبه. فإنتقل الى السُلطان العثماني سليم الثاني موفداً اليه الأب طانيوس الحصروني عام 1550 ليشرَح له حال الموارنة في جبل لبنان وما تعرَّضوا له من ظُلم في عهد المَماليك، طالباً رفع هذا الظلم عنهم والمحافظة على إستقلالهم الداخليّ. فإستجاب السُلطان لطَلبه، وحَمَّل موفده اليه "خطّاً همايونياً" الى قاضي طرابلس يأمره فيه بعدم التعرض للموارنة. توفي هذا البطريرك يوم 19 آذار 1567، ودُفن في مغارة سيّدة مارينا على عادة أسلافه.

 

والبطريرك الذي جاء بعده كان ميخائيل بن يوحنا الرزّي (1567-1581)، من قرية بقوفا التابعة لجبّة بشرّي. كان حبيساً في محبسة مار بيشاي في وادي قزحيا. إنتخب في دير سيّدة قَنّوبين في 31 آذار سنة 1567، ويقول البطريرك إسطفان الدويهي عنه أنه "ما إن إرتقى الى الكرسيّ الإنطاكي الماروني حتى "وَصَلت البيارق من طرابلس الى قَنّوبين، فنهبوا الدير، وضَبطوا ثياب الكهنوت وأواني القدّاس، وَوَضعوا اليَد على سابقة الدير وعلى وقوفاته وأملاكه".

 

سنة 1577 كتب إليه البابا غريغوريوس الثالث عشر (1572-1585) بشأن القدّوس الثلاثي (تريس أغيون) اي التَسبيحة التي تبدأ بـ "قدُّوس الله، قُدّوس القوي، قدّوس الذي لا يموت"، وبِخُصوص مَنح الأطفال سِرَّ القُربان المُقدَّس، ومَنَع الكاهن من مَسح المُعمَّد بالمَيرون. ثم أرسل إليه، سنة 1578، أبوين يسوعيَّين لزيارة الطائفة المارونية وتفقُّد شؤونها. وفي السنة التالية، 1579، ثبَّته هذا البابا وأرسل اليه الباليوم، ثم، في السنة نفسها، مَنَحه إنعاماً ليزور العتبات الرسولية.

 

في عهده عُقد مَجمَعان برئاسته، الأول في العام 1569 في دير سيّدة قَنّوبين، والثاني في العام 1580.. الذي حضره الأب إليانو موفد البابا غريغوريوس الثالث عشر (1572-1585)، وكانت فيه أول محاولة لإدخال بعض مُقررات المَجمَع التريدنتيني في ما يَخِص الحياة الكنسية والتنظيم الداخلي وخدمة الأسرار الإلهية.

 

 وصفه البطريرك بشارة بطرس الراعي، خلال عِظَة تولّيه السِدَّة البطريركية عام 2011، بالإضافة الى شقيقه وإبن شقيقه اللذين إنتخبا أيضاً بطريركين، بالذين إنفتحوا على الحداثة الاوروبية، وفي عهدهم تأسست المدرسة المارونية في روما عام 1584 التي خَرَّجت كوكبة من العُلماء الذين مَدّوا الجسور الثقافية ما بين الشرق والغرب وكانوا في أساس النهضة العربية. توفي في دير سيّدة قَنّوبين يوم 21 ايلول 1581 ودُفن في مغارة سيّدة مارينا.

 

فآلت البطريركية بعده الى شَقيقه سَركيس الرزي (1581-1597)، وكان حِبيساً في إحدى مَحابِس وادي قزحيا. ويَروي أديب القسيس، في كتابه "إنتخاب البطريرك الماروني"، نقلاً عن الراهب اليسوعي إليانو الذي صودِف وجوده في لبنان عام 1581 مع زميله الراهب اليسوعي برونو بصفة قاصدَين بابويَّين في بعثة خاصة لدى الموارنة عندما توفي البطريرك ميخائيل الرزي وإنتخب المطران سَركيس الرزي خلفاً له: "إن المطران سَركيس، الذي قضى السِنين الطوال ناسكاً يمارس حياة الزهد وأعمال التُّقى، خاف إن تتوجه اليه أصوات الناخبين لتضع على كتفيه اعباء البطريركية، فحاول الهَرَب من وَجهِهم. لكنَّ الآباء لم يرضوا بِسواه وإضطروه الى قبول المَنصِب، فأجهَش بالبكاء، مُتوسلاً الى الأساقفة أن يَرحَموه ويدَعوه في عِزلته، وهو قد إعتاد الحياة النسكية فقط وقضى فيها سنين عديدة.. ولا يعهد في نفسه الصفات اللازمة لمِثل هذا المَقام، غير أن كلامه زادهم تَعلُّقاً بِشخصِه لتواضعه ونزاهته، ولم يزالوا يُلحّون عليه بقبول المَنصِب، ومَعَهم القاصدان البابويان، حتى خَشي أن يقاوم مشيئة الله واستجاب لطلبهم مُرغَماً". ويتابع أديب القسيس إن طريقة إنتخاب البطريرك الماروني إختلفت في ذلك الحين عن الطريقة الروحانية التي كانت مُتَّبعة في القرن الخامس عشر، فأصبحت الكنيسة كلها تُشارك في إنتخاب البطريرك، أي الأساقفة والكهنة والشعب.

 

وفي عَهد هذا البطريرك أنشأ البابا غريغوريوس الثالث عشر (1572-1585) المَدرسة المارونيّة في روما سنة 1584، فَحقّقَ آمال الطائفة وفتح أمام طلاّبها أبواب التقدّم. جاء في براءته الرسوليّة هذه الكلمات:

 

"لنا الأمل الوطيد بأن تلاميذ هذه المدرسة، على مدى الأيام المُستقبلة، بعد إمتلاكهم من عُبَر التقوى والديانة الحقيقية الصادر من شجر سرو صهيون، وتعاليم الكنيسة الرومانية المقدسة، رأس كل الكنائس، لنا الأمل الوطيد بأن يوزِّعوه على أرز لبنان وعلى طائفتهم، عاملين في خدمة الرب، ومُجدّدين في بلدانهم الإيمان الضعيف ومساندينه. وهكذا يتحوّل عمل مادّي لا يفيد إلاّ القليلين من زائري روما إلى عمل روحي يكون لفائدة الطائفة كلها ولخلاصها. وبناء عليه، وعن معرفة تامة، وعملاً بكمال سُلطتنا الرسولية، نبني مَدرسة الموارنة ونؤسسها حتى يتغذّى (النشء المُعدّ للكهنوت) فيها، ويتزيّن بالأخلاق الصالحة، ويتربّى على التقوى والتعليم السليم والفضائل المسيحية الكاملة الواجبة لكل مسيحي من شبان هذه الطائفة".

 

فَوَفد التلاميذ الموارنة إلى روما وبدأت آمال البابا تتحقّق، وراحت الطائفة تنتقل إلى عالم المعرفة والنور. وأكثر من ذلك أيضاً فقد إنفتحت الطائفة على أوروبا والعالم، وأصبحت تلعب دور الوسيط بين الشرق والغرب.

 

ولا ننسَ أن تأسيس هذه المَدرَسة حَصَل في زمنٍ كانت فيه صِلات الشرق بالغرب قد إنقطعت بصورة شبه كاملة بسبب إنشقاق الكنيستين الشرقية والغربية عن بعضهما، وكذلك بِسبب سَيطرة المُسلمين على مُعظم المناطق التي كانت ضُمن اللأمبراطورية البيزنطية، فَغَدت علاقة الموارنة بالكرسيّ الرسولي في روما الخيط الوحيد الذي يربط الشرق بالغرب، وسَفَر الطلاّب الموارنة الى روما وعودتهم الحركة الوحيدة الباقية بين شطرَي العالم القديم.

 

والى تأسيس هذه المدرسة حَصَل حَدَث آخر في نِطاق إنفتاح الموارنة على العلم والثقافة.. هو إدخال مَطبعة الى دير مار أنطونيوس قِزحيا، فَسَبقت بذلك مَطبَعَة نابوليون التي أدخلها الى مصر. وكذلك في عهد هذا البطريرك ظهر الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني الكبير ولَمَع نجمه.

 

ثبَّتَ البابا غريغوريوس الثالث عشر(1572-1585) البطريرك سَركيس ببراءة تحمل تاريخ 31 آذار 1583. وهو قد شارك في مَجمَع قَنّوبين الذي إنعقد ما بين 18 و 20 ايلول 1596 برئاسته. وفي 13 تشرين الثاني 1596 عقد أيضاً مَجمَعاً برئاسته هادفاً فيه الى تثبيت مُقررات المَجمَع السابق، وذلك بناءً على إيعاز من البابا كليمنت الثامن (1592-1605)، وقد إستمرَّ في سياسة الليتنة.

 

وكان في العام 1584 أن وَصَل دنديني، آخر الموفَدين من قِبَل كرسيّ  روما الى الموارنة والأكثر موضوعيةً برأي ثُقاة المؤرخين، فَبدَّدَ ما كان منَسوباً للموارنة من المُعتقدات الغريبة، كإنكار يوم القيامة والخطيئة الأصلية، موضحاً أنه لم يجد شيئاً من هذا القبيل لدى الموارنة، وهي الأمور التي كان قد نَسَبها إليهم مَن سَبقوه من الموفدين البابويين، وقائلاً إن كل ما لمسه لديهم هو الطلاق لِعِلة الزنى ومناولة الأطفال، أمّا سائر الإتهامات ومن ضِمنها المونوليتية فقال إنها مَحض تلفيق. توفي هذا البطريرك في العام1597، ودُفن في دير سيّدة قَنّوبين بعد أن عاش حياته البطريركية كلها في هذا الدير.

 

ثالث الرزيين الذين توالوا على التَعاقُب كان يوسف الثالث بن موسى الرزي (1597-1608)، إبن شقيق البطريركين السابقَين ميخائيل وسَركيس. فعلى أثر وفاة عمّه في العام 1597، إجتمع في دير سيّدة قَنّوبين الأساقفة والكهنة والشعب وإنتخبوه بطريركاً في 4 تشرين الأول، فَثبَّته البابا كليمنت الثامن (1592-1605) برسالة مؤرخة في 17 حزيران 1599 وأرسل اليه الدِرع المقدَّس. وفي العام 1598 عقد مَجمَع "ضيعة موسى" في إهدن.. الذي نظر في بعض القوانين التي يجب إتّباعها وتدور حول إقامة الأسرار والاحتفالات الطقسية التي لم يُؤتَ على ذِكرِها في المَجمَعين السابقَين.. بالإضافة الى التقويم الغريغوري. توفي في 26 آذار سنة 1608 في دير سيّدة قَنّوبين ودُفن في مغارة سيّدة مارينا هناك، فيكون هذا البطريرك قد إنتخب وسكن ومات ودُفن في دير سيّدة قَنّوبين.‏‏‏‏‏

 

وعلى كرسيّ قَنّوبين جلس بعده يوحنا بن مخلوف (1608-1633)، التاسع  بهذا الإسم، من إهدن، وهذا بعد أن ظل الكرسيّ البطريركي شاغراً لمدة سبعة اشهر حتى 16 تشرين الأول 1608 لأن حكام ذلك الزمان كانوا مُستولين على قَنّوبين. فإجتمع الاساقفة في قَنّوبين وإنتخبوه بطريركاً بإجماع الأصوات، وكان عدد المنتخبين أكثر من خمسين، فكان البطريرك التاسع بين بطاركة قَنّوبين، والحادي عشر بهذا الإسم، وقد جرى إنتخابه بطريركاً بالرغم من تَنسُّكه وعِزلته وإنقطاعه للصلاة والعبادة في وادي قزحيا.

وعقب إنتخابه أوفد الى روما القَس جرجس بن مارون والقَس الياس بن الحاج حنا الإهدني بطلب دِرع التثبيت، وأرسل معهما 13 شاباً مارونياً من أجل تحصيل العلوم العالية في المعهد الماروني الروماني، فأنعَم عليه البابا بولس الخامس (1605-1621) بدِرع الرئاسة في العام 1609 وأرسله اليه مع مُعتمَدَيه، فكانت عودتهما الى لبنان في العاشر من شهر آذار 1610. أمّا في "سِلسِلة البطاركة الانطاكيين الموارنة" للقَس طوبيا العنَيسي فإن الدِرع المقدَّس أرسله البابا اليه مع الخوري كسبار القبرسي الذي حَضر مَجمَع الكرادلة وطلب فيه دِرع التثبيت للبطريرك.

 

سَكَن هذا البطريرك في قَنّوبين، ولكن بِسَبب مُضايقات حاكم البلاد يوسف باشا والي طرابلس، والجنود العثمانيين المُرابطين في لبنان الشمالي، إنتقل الى بلدة مَجدِل المعوش في الشوف حيث بنى داراً وكنيسةً على إسم السيّدة. كما زار صديقه الأمير فخر الدين المَعنيّ الكبير الذي رحَّب بِقدومه وأكرمه كل الإكرام، وهو الذي سهَّل له إمتلاك مَجدِل المعوش بمبلغ إثنَي عشر الف غرش من مالكها من الطائفة الإسلامية. وكان يواكبه في إقامته في هذه البلدة وبلاد الشوف مواطنه المطران جرجس عميَره الإهدني. ومن ثم عاد الى قَنّوبين.

 

وفي العام 1624، إذ رأى الأمّية مُتفشيةً في البلاد، أراد ان يكُافحها بين أبناء طائفته، فأنشأ في دير سيّدة حوقا مدرسةً لتعليم الشُبّان والأحداث العلوم الدينية وإعدادهم لدخول المعهد الماروني في روما، وَوَضَعها برعاية الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني الذي كان هذا البطريرك مرجعاً بارزاً له في أموره. كذلك، في العام 1633، جدَّد كنيسة مار ماما في مَسقط رأسه إهدن، ثم إنتقل الى قرية كفرزينا وأقام فيها.. مُشيَّداً هناك كنيسة على إسم القديسة مورا، كما سَكن أيضاً في دير السيّدة ببلدة مَشموشة الجنوبية.  وفي الخامس عشر من كانون الأول 1633 توفي في كفرزينا، فحُمل ليلاً الى دير قَنّوبين حيث دُفن في مغارة سيّدة مارينا تيمُّناً بها.

 

هذا البطريرك كانت له مآثر كثيرة على الصعيد الماروني، فبِسبب صداقته مع الأمير فخر الدين رفع هذا الأخير من شأن الموارنة ومن قيمتهم، وشَجَّعهم على الإنتاج الزراعي ولا سيَّما إنتاج الحرير الذي أمَّن لهم سيولةً نقدية وإنتعاشاً إقتصادياً، فتحسَّنت أحوالهم، وإنخرطوا في الجيش، وشيَّدوا أعداداً كبيرة من الكنائس وإرتدوا أفخر أنواع الثياب.

المطران بطرس ديب وَصَف البطريرك يوحنا بأنه رجل الصلاح والعذوبة والحزم والتقوى، والذي يُقْدِمُ على الأعمال الكبرى بالرُغم من المصاعب.. مِمّا حَمَل البابا غريغوار الخامس عشر على توجيه الثناء العاطر اليه.

 

والبطريرك مار بشارة بطرس الراعي، خلال عِظَة تولّيه السِدَّة البطريركية عام 2011، نعته بأنه الذي أرسى العِلاقات بين أمراء الجَبل والبابوات وملوك ايطاليا وأوروبا في القرن السابع عشر.

 

 

ومن إهدن أيضاً كان خليفته البطريرك جرجس بن مخلوف بن عميرة (1633-1644) وهو الأول بهذا الإسم. هو تلميذ المدرسة المارونية في رومية، إنتخبه الأساقفة والكهنة والشعب في دير قَنّوبين يوم 27 كانون الأول سنة 1633، وثبَّت إنتخابه البابا اوربان الثامن (1623-1644) في 3 آذار 1635.

لاهوتيّ وعالِم فلسفيّ ولغوي ضليع في ما خص اللغة السريانية، وكان مشجّعاً للعمل الرسوليّ، وداعم أساسيّ للأمير فخر الدين المعنيّ الثاني.

قال عنه البابا أوربان الثامن (1623-1644)، الذي كان رفيقه في الدراسة، أنه "نور الكنيسة الشرقية".

سِعة مَعارفه، وتقواه، كانا مَوضِع تقدير الكرسيّ الرسوليّ الذي فرح كل الفرح لإنتخابه بطريركاً. كتب عنه دو لاروك أنه كان من مشاهير اللاهوتيين، ومن كبار العلماء في المسائل الفلسفية والطبيعية وفي عِلم النحو السرياني. وكتب عنه الأب جان بوشيه ان الغراماطيق الذي وَضَعه هو الكتاب الوحيد من نوعه الذي صدر باللاتينية في كل اوروبا. كما كتب الأب أوجين روجيه عنه، أنه نال من قداسة البابا إمتيازاً خاصاً بِسَبب تقواه وعقيدته، وهو السماح له بالإحتفال بالذبيحة الإلهية باللغة والطقس اللاتينيَّين كما بالسريانية والطقس الماروني.

 

أمّا على الصعيد الوطني فقد كان لهذا البطريرك يد في توجيه سياسة الامير فخر الدين المَعنيّ الثاني نحو توحيد كلمة الشعب اللبناني على إختلاف إنتماءاته الروحية والسياسية، وقد سَعى كل السَعي لإقناع امراء الغرب بالتحالف مع الامير لتحرير بلاده من العثمانيين.

 

توفي في 29 تموز 1644 في قَنّوبين، فدُفن في مغارة سيّدة مارينا في قَنّوبين تيمُّناً بها، وخَلَفَه البطريرك يوسف بن حليب العاقوري (1644-1648) الذي سوف نتكلم عنه في سياق الحديث عن دير مار يوحنا حراش.

 

أمّا العاقوري فقد خَلَفَه بعد وفاته البطريرك يوحنا البوّاب الصفراوي (1648-1656)، من الصفرا، الذي إنتخب في دير قَنّوبين، وسكن في هذا الدير، وتوفي ودُفِن فيه. وقد جرى إنتخابه ما بين آواخر تشرين الثاني واوائل كانون الأول 1648، وثبَّته البابا إينوشنت العاشر(1644-1655) في 13 ايلول 1649، وفي 11 تشرين الأول منحه الدِرع المقدَّس.

 

وصفه الدويهي بقوله: "كان البطريرك يوحنا رجلاً طاهراً لا غُشَّ فيه، صاحب قناعة ورضىً وبشاشة لا تعرف الكدر". ويقول الدكتور جورج هارون في كتابه "تاريخ البطاركة الموارنة" أن هذا البطريرك تَمَيَّز بالتضحية والتفاني ونُكران الذات، وإتصف بالزهد والنسك والتقشف، وطار له صيت بإنصرافه الى الصلاة والقَساوة على نفسه. فقد حرم نفسه من المسرّات وأطايب العيش، ولم يحل ذلك دون نشاطه الدائم وتوقُّد ذهنه، وقد إشتهر بمقدرته الفائقة في العلوم الدينية والأخلاقية. والى ذلك كان معروفاً بِرقّة العاطفة واللطافة والحِلم والطيبة الفطرية والبشاشة، هذه الصِفات التي قرَّبته الى شعبه وجعلته ينال ثقة رجالَ الدين ومرؤوسيه.

 

وقد حصلت أحداث خارقة مع هذا البطريرك، فقد روى الخوري غبريل الشبابي، نقلاً عن سمعان عواد ويوسف شمعون في كتابهما "بطاركة المشرق"، أنه في زمن هذا البطريرك كانت الرؤيا في جبل لبنان كالآتي: "شوهد القدّيسون مُرتدين حللاً بيضاء وهم ذاهبون الى ناحية كسروان، وإنه لما كان في ساحل علما في منزل الشيخ ابي ياغي إبن حبيش، دخل عليه القَس مرهج بن نمرون، فوجده ملقىً على الارض، ورأى نوراً خارجاً من وجهه يضيء كل المنزل".

 

وَشَهِد عنه القَس الياس الراهب بِن عويضة، وكان مُعلّم إعترافه، انه في ليلة بيرمون عيد الميلاد توفي وخرج منه نور جزيل. ولما كانت الليلة باردة وكان أبو راشد، من غبالة، قائماً بخدمته وَضَع مَنقل نار بالقرب من فراشه، فتوهَّم أن شرارةً من النار طارت عليه وأحرقت الفراش، فتناول الإبريق ليطفىء النار، فانفلتت أذن الإبريق في يده فسقط على الأرض مُنكَسِراً، ففرَّ هارباً، ثم تَحقَّق أن ذلك النور لم يَكُن مادياً.

 

وكان البطريرك يوحنا يتعاطى السياسة من زاوية المصلحة المارونية، فإزاء المَظالِم والإستبداد والتنكيل الذي كان يلحق بالبلاد، وشعوراً منه بالمسؤولية الخطيرة المُلقاة على عاتقه تِجاه شعبه، بادر الى إرسال رئيس أساقفة طرابلس المطران إسحق الشدراوي، عام 1649، الى فرنسا طلباً للحماية الفرنسية، فَنَجَح في مَهمته، إذ انه حَصَل على إمتياز جعل البطريركَ الماروني الأول بين بطاركة الشرق الكاثوليك. وكانت براءة الحِماية المُرسلة من الملك الفرنسيّ إستجابةً تاريخية للطلب البطريركي، وهي مؤرخة في 28 نيسان 1649.

 

هذه الحماية ضَمَنَت للمَوارنة حق التقاضي أمام محاكم خاصة أسرع  من نظيرتها العُثمانية، والإستفادة من التعليم في المدارس والبعثات القنصلية الأوروبية، والإعفاء من الضرائب وسهولة السفر الى أوروبا. وهي لم تَقتَصِر على الموارنة فقط، إذ سرعان ما منح السلاطين إمتيازات لمختلف دول أوروبا لحماية الأقليات. وعندما إفتُتحت نيابة قنصلية فرنسية في بيروت، كان أول موظفيها المارونيّ أبو نوفل الخازن، مِمّا ساهَم في التقارب بين الموارنة والشهابيين الذين خلفوا المعنيين في حُكم الجبل. وجاء إختيار أبو نوفل هذا بناءً على توسُّط البطريرك بهذا الشأن مع ملك فرنسا، إذ أنه كتب الى البابا إسكندر السابع (1655-1667) يَبتَهِل إليه ان يَكتُب الى ملك فرنسا ليثبِّت أبا نوفل الخازن قُنصلاً في بيروت.

وهكذا كان، فَجَعل المَلك الفرنسيّ بيروت قُنصلية مُستقلة وسمّى عليها أبا نوفل الخازن بمرسوم مؤرخ في أول كانون الثاني 1662، وحدَّد بهذا المرسوم أن يَخلُف أبا نوفل بهذا المنصب بعد وفاته إبنه مدى الحياة، وهكذا بقي هذا المنصب في أيدي الخازنيين مئة سنة تقريبا ما عدا فترة قصيرة تخللت هذه المدة، وتعاقب عليه كلّ من :

 

أبو نوفل نادر من سنة 1662 الى 1679

فياض أبو قنصوه من سنة 1679 الى  1691

حصن ابن فياض أبي قنصوه من سنة 1697 الى 1707

نوفل ابن حصن من سنة 1708 الى 1753

 

توفي البطريرك يوحنا الصفراوي في دير قَنّوبين يوم 23 كانون الأول 1656، فدُفن كأسلافه في مغارة سيّدة مارينا في قَنّوبين. وعند وفاته إنتخب جرجس حبوق بطريركاً، وقد عُرف بـ "الهارب"، وسُمي كذلك لأنه عند إنتخابه هَرَب من المَجمَع وإختبأ في قلاّية أحَد الرهبان. لَكنَّ الشعبَ كَسَر باب القلِاّية وحمله الى الكنيسة، وهناك غافل الشعب وهرب من جديد الى وادي قَنّوبين، وظل هناك إلى حين إنتخاب البطريرك جرجس البسِبعلي (1657-1670) الذي سيأتي الحديث عنه في سياق الكلام عن دير مار شلّيطا مقبس.

 

 

‏‏‏‏‏ وبعَدَ البسِبعلي إنتخب إسطفان الدويهي (1670-1704) بطريركاً، وهو الذي أبصر النور في إهدن في 2 آب 1630. وقد توفي والده إذ كان عمره ثلاث سنوات، فتعهَّدته والدته وأرسلته الى مدرسة القرية حيث تميَّز بنباهته وذكائه.

وسنة 1641 أرسله البطريرك جرجس عميرة الى المدرسة المارونية في روما، فكان بين أقرانه، بِشهادة البطريرك سِمعان عواد، شبيهاً بالنسر الذي يفوق كل الطيور بالطيران. وقد شحَّ بصره حتى كاد ان يفقده ويُلزَم بقطع دروسه والعودة الى لبنان. فطلب شفاعة العذراء، فأعادت اليه البصر وإستطاع ان يواصل دروسه.

عاد الى لبنان سنة 1655 بعد نَيله شهادة المَلفَنَة بإمتياز، وفي 25 آذار 1656 رقّاه البطريرك يوحنا البوّاب الصفراوي الى درجة الكهنوت.

وفي 8 تموز 1668 رقّاه البطريرك جرجس البسبعلي الى درجة الأسقفية، وفي 20 ايار 1670، وعلى إثر وفاة البطريرك البسبِعلي، إجتمع الرؤساء الروحيون الموارنة وأعيان البلاد في قَنّوبين وإنتخبوه بطريركاً على الرغم من مَمانعته، وفي أواسط كانون الأول 1672 مَنحه البابا كليمنت العاشر (1670-1676) دِرع الرئاسة (الباليوم).

 

وَقَد ذَكَر الدويهي بنفسه ظروف إنتخابه في كتابه "تاريخ الأزمنة" إذ قال: " في الثاني عشر من شهر نيسان 1670 حَصلت وفاة البطريرك جرجس إبن الحاج رزق الله من بسِبعل في دير مار شليطا مُقبس. ولإشتداد الوباء لم يَتَيَسر للرؤساء أن يَجتمعوا في التاسع من وفاته، فتأخر إنتخاب بطريرك جديد الى أن توفّي بالوباء القس انطونيوس إبن الرِز الذي كان قيَّماً على دير قَنّوبين، وحينئذٍ، في النهار الأربعين، أعني في العشرين من أيار، إجتمع الرؤساء وأعيان الشعب وأجبرونا على القيام مقامه، فَصِرنا في مقام الرابع عشر من البطاركة في دير قَنّوبين، وأرسلنا القسّ يوسف الحصروني برسائل الطاعة وطلب التثبيت الى رومة".

 

وقد سكن بعض سني بطريركيته في الوادي المقدَّس، كما أقام بضع سنوات في دير مار شليطا مقبس حيث رمَّم الكنيسة وشيَّد داراً لإقامته، كما سَكن بعض الوقت في مجدل المعوش في منطقة الشوف. وطاف وهو بطريرك على كل الأبرشيات، وزار معُظم الرعايا، وفَحَص الكتب البيعية، ودوّنَ ما وصل إليه فَحَظَ بذلك تاريخ الكنيسة المارونية.

 

وجاء في كتاب "تاريخ البطاركة الموارنة" للدكتور جورج هارون انه، " بعد إنتخابه بطريركاً وتثبيته من قِبَل البابا إقليموس العاشر (1670-1676)، غادر حالاً قَنّوبين هَرباً من ظُلم الحكام آل حماده في الجِبّة.. وقدم الى كسروان وأقام في دير مار شلّيطا مقبس في غوسطا".

 

وهنا نَقتَبِس من كتاب سابين محاسب صليبا "الأديرة المارونية المُزدوجة في لبنان" حول إقامات البطريرك الدويهي في دير مُقبس ما ذكرته بقولها: "مصحوباً ببعض الأساقفة، كجرجس حبقوق مثلاً، جاء إسطفان الدويهي، على ما يَظهَر، ثماني مرات للإقامة في هذا الدير، وكانت المرة الأولى بعد وقت قصير من إنتخابه الذي جرى في ايار 1670. فجاء الى كسروان لمُقابلة حاكم هذه المقاطعة الشيخ ابي نوفل الخازن ونَيل رضاه، لأن الشيخ كان قد إستاء من عَدَم إستشارته لدى إجراء الإنتخاب البطريركيّ، إذ أنه، في تلك الفترة الزمنية، كان أعيان الطائفة يشاركون في إنتخاب البطريرك، والشيخ إبو نوفل لم يكُن حاضراً وقت الإنتخاب.

 

ويقول الأب الدكتور يوسف يمَّين بهذا الصدد: "تَجدُر الإشارة هنا إلى أنّ وجوه وأعيان الطائفة العلمانيين كانوا يَحضِرون إنتخاب البطاركة، كما أنّه كان لَهُم يَد في تعيين الأساقفة والمطارنة. وكانت هذه العادة سائدة في الشرق والغرب معا، غير أنّ الكنيسة الغربية كانت قد ألغتها منذ أواسط القرن الخامس عشر، أمّا في الكنيسة المارونية، فقد أبطلها المَجمَع اللبناني الشهير الذي إنعقد في سنة 1736، وحَصَر حق إنتخاب البطاركة والأساقفة بالمطارنة والأساقفة وحدهم ".

 

ولكنَّ توجُّه البطريرك الدويهي الى كسروان وإقامته في دير مار شلّيطا مقبس كان لهما الأثر الطيّب، كما تقول سابين محاسب صليبا، في قلب أبي نوفل الخازن الذي، بعد لقائه البطريرك وتعرُّفه الى شخصه، أدّى له واجب الطاعة، وبالغ في إكرامه لما شاهد فيه من رجاحة العقل وسموّ الاخلاق وعلامات التواضع والقداسة.

 

ويؤيد كتاب الدكتور هارون مجيئه مجدَّداً الى كسروان بقوله:" في العام 1675 تجددت حوادث الإضطرابات في شمالي لبنان بِسَبب ظُلم الحَماديين، فإنتقل البطريرك الدويهي مُجدَّداً الى كسروان وأقام في الدير نفسه، ثم تَوجَّه بِسبَب الإنقسام بين المشايخ، الى الامير احمد المعني حاكم الشوف.. وإستأجر منه قرية مجدل المعوش، وجدَّد كنيسة السيّدة، وشاد مسكناً بجِوارها له ولحاشيته".

 

وفي هذا الإطار تقول سابين محاسب صليبا أن دير مار شلّيطا مُقبس كان نقطة الإنطلاق لهذا النزوح الماروني نحو منطقتَي المتن والشوف، فتبع البطريرك بذلك حركة طائفته في نزوحها وحلولها في مناطق جديدة.

 

وبصدد هذا الإنتقال البطريركيّ الى الشوف يقول الأب الدكتور يوسف يمَّين: "في سنة 1675 تجدّدت الإضطرابات والحوادث في الشمال، وخاصة في مناطق الجِبّة والزاوية، بِسَبب ظُلم وتَعَسّف الحُكام الحماديين، فإضطر البطريرك إلى التوجّه، مرة أخرى، إلى كسروان وسكن دير مار شليطا مقبس، وهناك تابع عمل الإرشاد والبحث والتنقيب والتأليف. على أنّه، في هذه المرة، لم يلبث طويلاً في كسروان لفقدان الإنسجام بين مشايخ تلك الناحية، فتَوجَّه في صيف تلك السنة نحو الأمير أحمد المعني حاكم الشوف، الذي كان في دير القمر عاصمة الحكام المعنيين صيفًا، فإستُقبل بِكُل حفاوة وترحيب، وخَصَّص له الأمير المعني جناحًا وكنيسة في قصر الأمير أمين في بيت الدين. ثم إستأجر البطريرك من الأمير قرية مجدل المعوش، فَجَدّد كنيستها وشيّد مَسكنًا بجوارها له ولمرافقيه. وشمل بنظره أبناء الطائفة المشتتين في تلك الجهات، فنظّم أمورهم وعزّز مكانتهم.

 

وبعد أن قَضى الدويهي ثلاث سنوات في الشوف، قدم أناس من الجِبَّة ومعهم رسائل من آل حمادة إلى الأمير المعني يقدّمون بها للسيّد البطريرك الإعتذار والخضوع التام ويعدونه بالقَسَم أنّهم لن يعودوا يُخلفون معه بشروطهم، فسامح البطريرك هؤلاء الحُكام ورَجِع مع موفديهم إلى الشمال. بيد أنّ الحكّام الحماديين لم يحافظوا طويلاً على عهودهم التي قطعوها على أنفسهم، فعادوا إلى إثارة الاضطرابات وإحداث الجور والإضطهاد

 

وحتى أوآخر حياته، ظلّ الدويهي يُقاسي من حُكام البلاد الحَماديين في الشمال شدائد وإهانات كثيرة ومتنوّعة..

 

ويروي الأب حتوني في "المقاطعة الكسروانية" ما يلي:

"قال غبطة البطريرك سِمعان عواد في القسم الثاني من ترجمة المغبوط البطريرك إسطفان الدويهي: "لمّا رجع المشايخ الحَماديون ولاةً على جبة بشري، جاؤوا الى دير قَنّوبين بِمَعية كبيرهم الشيخ عيسى، وطلبوا من البطريرك إسطفان مبلغاً من المال.. فلم يُجبهم، فَغَضِب زعيمهم عيسى ولطمه على وجهه فرمى عمامته ثم ألقاه على الارض وأوسعه شتماً وضرباً وإهانة. فإحتمل غبطته ذلك بكل صبر ولم يتفوه بكلمة تهين عيسى حماده، ولَكِنه كتب الى الشيخ حُصن الخازن بما جرى له، فغضب هذا جداً وأرسل حالاً عسكراً الى قَنّوبين بقيادة اخيه الشيخ ضرغام وابنَي عمه الشيخ موسى طربيه والشيخ نادر خاطر ليأتوا بالبطريرك الى كسروان.

 

وإذ عَلِم عيسى بذلك جاء إليهم ووقع على الارض قدام غبطته بحضرة الجميع وطلب منه السماح قائلاً:" أوَ لستم تقولون في صلواتكم: اغفر لنا كما نغفر لمن اخطأ الينا؟ انا قد اخطأت فاغفر لي!"،

فقال له البطريرك: "انا أسامحك على إهانتك لي، متشبهاً بالبطاركة أسلافي".

فطلب اليه عيسى أن يَعدُل عن التوجه الى كسروان لئلا تخرب البلاد.. فلم يقبل. وهَمَّ الخوازنة بأن يبطشوا بالشيخ الحمادي فنهاهم غبطته...

 

ولما كان اليوم الرابع والعشرون من كانون الثاني سنة 1704 إستَعَدّوا للسفر، فَحَدثَت بروق ورعود.. وَهبَّت رياح تُنذر بالمطر، فعدلوا عما نووا ريثما يصحو الجو، فقال لهم البارّ: "قوموا نتوجه، وحيٌّ هو إسم الرب الذي أنا خادِمَه، إنه لا يَنحَدِر مطر حتى نصل الى كسروان". وهكذا صار... وفي وصوله الى كسروان إستقبله المطارنة والمشايخ والعوامّ أجلَّ إستقبال. وإتخذ دير مار شليطا مقبس موطناً.. في الموضع الذي إبتناه لأجل البطاركة. فجاءته الهدايا من كل مكان، ووفدت إليه رعيته تزوره وتأخذ بركته، فكان يبارك كلاّ بمفرده، ومَكَث في كسروان ثلاثة اشهر.

 

ثم كتب إليه والي طرابلس كتب الامان والاطمئنان، وطلب منه أن يرجع الى كرسيه، وكان ذلك بواسطة الخواجه طربيه الماروني ترجمان سُلطان فرنسة. وبهمة المَشايخ الخازنيين رَجِع الى كرسيه في أواخر شهر نيسان 1704، ووصل الى قَنّوبين فرِحاً ومسروراً جداً لقبول الله تعالى طلبته ورجوعه الى كرسيه فيموت في جوار اسلافه. وغداة الاحد قدَّس قداساً احتفالياً ومنح غقراناً كاملاً لجميع الحاضرين. وفي يوم الإثنين وَدَّعه الذين رافقوه من كسروان، فشيَّعهم الى باب الدير. ولما أراد ان يَرجع الى قِلايته ما قدر ان يمشي خطوة، فَحَمِله شَماسه الى فراشه، وأخذ يمجّد الله قائلاً: "اللهم، أني أشكرك لأنك سمعت طلبي وإستجبت لي وأرجعتني الى كرسيّي لأُدفَن بين سلفائي"... ثم إلتفت الى المطارين والعوامّ الذين حوله وقال لهم: " هوّذا أجَلي قد دنا، فأترك الكرسي لسواي كما تركه لي سلفي، وقد عُشت طويلاً والله أطال روحَه علي".

 

وهكذا، بعد أيام من النزاع، أسلم الروح يومَ السبت 3 ايار، فدُفن، بِحَسب رغبته، في مَدفَن أسلافه في مغارة القدّيسة مارينا. وعند وفاته سُمع صوت في لبنان إن الموارنة يبكون على أبيهم وراعيهم القدّيس الأب مار إسطفان بطرس البطريرك الأنطاكي الدويهي المُعظَّم.. ولم يريدوا أن يتعزّوا لفقده".

 

كان البطريرك الدويهي عالماً كبيراً وكاتباً مُدققاً ومؤلفاً بارعاً، وقد ظلَّ طوال حياته يؤلّف الكتب ويُدبّج المقالات وينقّح المخطوطات وينسخها.

 

مؤلَّفاته التاريخية هي: "تاريخ الأزمنة"، وهو أشهر مؤلَّفاته، أورد فيه، وفقاً للتسلسل الزمني، أهمَّ الأحداث التاريخية التي جَرَت في لبنان وبلاد المَشرِق مِنذُ ظهور الإسلام حتى أيامه، ثم "سِلسِلة بطاركة الطائفة المارونية" منذ أن تبوَّأ القدّيس يوحنا مارون الكرسيّ الأنطاكي حتى ايامه، وكذلك البراءات البابوية الموجَّهة الى البطاركة الموارنة والإكليروس والشعب الماروني منذ القرن الثالث عشر حتى أيامه. وله أيضاً "سيرة تلامذة المدرسة المارونية في رومة"، وقد تناول تلامذتها منذ سنة 1639 حتى وفاته سنة 1704. كما له "تاريخ الطائفة المارونية"، و"الفردوس الارضي"، و"منارة الأقداس".. وهو كتاب فريد ويُعَدّ من أهمّ ما دبَّجته براعته في الليتورجيا والطقوس. وله كتاب "الشرطونية" عن السيامات الكهنوتية، وكتاب "تصحيح التكريسات"، و"رتبة لبس الإسكيم الرهباني"، و"النوافير" الذي يحتوي على الصلوات الأساسية التي درجت الكنيسة المارونية على استعمالها في الذبيحة الإلهية، وكتاب "التبريكات والرتب الكنسية"، وكتاب "الجنّازات" الذي ليس له ولكنه نقَّح قسماً كبيراً منه. وله "كتاب في الألحان السريانية". هذا الى جانب مقالات عقائدية، وكتاب "ردّ التُّهم ودفع الشُّبَهَ" الذي يُسمّى أيضاً كتاب "المحاماة عن الموارنة وقدّيسيهمّ"، وهو مؤلَّف دفاعيّ رَدَّ فيه على مزاعم القائلين بهرطقة الموارنة مُفنّداً آراءَهم بالبراهين المُستفيضة.

 

وله "المحاورة اللاهوتية" المفقودة، وهي أطروحته التي وضعها باللغة اللاتينية في نهاية دروسه اللاهوتية، وكتاب "المواعظ"، و"النتائج الفلسفية"، وهي الأطروحة التي وضعها باللغة اللاتينية في نهاية دروسه الفلسفية، وأخيراً "المنائر العشر".

 

وقد ظهرت على يد هذا البطريرك بعض العجائب، منها إيقافه المطر وحَبسِه بين قَنّوبين وغزير. كذلك شفى الولد فيليب الجميّل من مَرض مُميت، فصار هذا الولد فيما بعد، البطريرك فيلبُّس الجميّل الشهير. وشفى كذلك الولد بطرس كبيش من بلوزا والياس من غوسطا وإبراهيم السمراني تلميذ المدرسة المارونية في روما. كما أوقف الصخرة في قَنّوبين،  فأنقذ بذلك حياة عدة فلاّحين. وشفى أيضاً من العَمى إحدى الآنسات، وهذه العجيبة قيد الدرس الرسمي لدعم ملف تطويبه. وهناك العديد من الإشارات والعجائب ننتظر أن تعطي الكنيسة رأيها الرسمي فيها. وفي 15 كانون الأول من العام 2020، وقّع البطريرك الماروني ماربشاره بطرس الراعي في بكركي الملف المُلحق الخاص بأعجوبة دعوى التطويب في قِسمه الثاني الذي يعرف بمرحلة الاطباء، وإرساله إلى مَجمَع القديسين في روما .

 

وقد سَمّاه البطريرك بشارة بطرس الراعي، خلال عِظَة تولّيه السِدَّة البطريركية في العام 2011، "أبا التاريخ اللبناني، وصاحِب الإصلاح الكَنَسي الذي في عَهدِه وبِبَرَكته تأسست الرهبانيات المارونية الثلاث".

 

غياب البطريرك إسطفان الدويهي أحدَثَ فراغاً كبيراً في السِدَّة البطريركية المارونية، ولكن على كل حال لم يكن بدّ من ملء هذه السِدَّة. فجاء على أثره البطريرك جبرائيل البلوزاني (1704-1705)  من بلوزا، وقد إنتخب في أول آب سنة 1704 في قَنّوبين بإجماع المطارنة والكهنة ورؤساء الأديرة وأعيان الشعب لكونه الاقدم في الوظيفة والأكبر سناً من الجميع. وسطَّروا رسالة الإنتخاب وأرسلوها الى البابا كليمنت الحادي عشر (1700-1721)، فثبَّت البابا إنتخابه في مَجمَع الكرادلة المُنعقِد في 27 نيسان سنة 1705، ومنحه الدِرع المقدَّس على يد وكيله الأب ايليا هياشنتو الكرملي. ومن شدَّة فرح البطريرك بذلك مات في 31 تشرين الأول سنة 1705، أي بعد عشرين يوماً من تَسَلُّمِه الدِرع المقدَّس. كانت إقامته وزمَنَ ولايته القصيرة، في دير قَنّوبين، وهناك رَقَد رَقدته الأخيرة في مغارة سيّدة مارينا تيمُّناً بها.

 

لَم يُتَح لهذا البطريرك، خلال مدة ولايته الوجيزة، إنجاز الكثير من الأعمال، غير أنه، لمّا كان قبل ذلك مطراناً على حلب (وكان أول اسقفٍ مارونيّ على هذه المدينة)، حقَّق إنجازاتٍ كثيرة، منها ترميم وتوسيع كنيسة مار الياس القديمة في المدينة، وتعزيز أوقافها وأملاكها والأراضي التابعة لها، وإنشاء المكتبة المارونية في حلب واغناؤها بالمخطوطات القيّمة والمؤلفات الروحية والطقسية. فعل ذلك إذ كان مركز مطرانية حلب ليس فيها بل في لبنان، وتحديداً في دير سيّدة قَنّوبين، ثم في دير سيّدة طاميش الذي يعود اليه فضل إنشائه، أو على الاقل توسيعه وترميمه وجعله ديراً صالحاً لإقامة الرهبان، وكان ذلك عام 1673، فمثَّل هذا الدير دوراً جللاً في تاريخ لبنان.

 

وإنجازه الثاني الكبير، كان ترميمه دير مار إشعيا الراهب، الذي كان خراباً، وهو الحدث الذي تولَّد عنه إنشاء الرهبنة الأنطونية المارونية في الخامس عشر من آب عام 1700. وقد أرَّخ الدويهي لهذا الحدث بقوله: "إن الله تعالى، الخفيَّة حِكمَتُه، حَرَّك هِمَّة المطران (جبرائيل البلوزاني) لأن يُنشىء ديراً ليس ببعيد كثيراً عن دير طاميش كان يُعرف قديماً بدير مار إشعيا، فأخَذَ في تجَديده ونقل إليه بعض رهبانه".  وللأب شربل أبي خليل الإنطوني دراسة قيّمة ومُستفيضة عن البطريرك جبرائيل البلوزاني صدرت عام 1996، كما ذكره أيضاً المطران يوسف الدبس في تاريخه.

 

وبعد وفاة البطريرك جبرائيل التأم، في اليوم التاسع لرحيله، مَجمَع الأساقفة والاكليروس في قَنّوبين وإنتخب المطران يعقوب الرابع عوّاد ( 1705-1733) بطريركاً، وهوالذي سوف نتكلم عنه لدى الحديث عن دير مار شلّيطا مقبس حيث مات ودُفن.

 

فَخَلَفه على السِدَّة البطريركية المطران يوسف ضرغام الخازن (1733-1742) من غوسطا، بعد خلاف بين المطارنة على مَن يكون الخَلَف، لكنَّ البابا كليمنت الثاني عشر (1730-1740) ثبَّته ومنحه الدِرع المقدَّس. توفي في دير ريفون في 13 ايار 1742، ودُفن في كنيسة مار الياس، وقف عائلته، في مسقط رأسه غوسطا، وستنكلم عنه لاحقاً عندما نتحدَّث عن دير ريفون.

 

والبطريرك الحادي والستّون كان سمعان عوّاد الحصروني (1742-1756) مطران دمشق، الذي إنتخب في دير عين ورقة سنة 1742. وقد جَرت مُحاولة من البعض لإبطال إنتخابه، لكنَّ البابا بنديكتوس الرابع عشر (1740-1758) ثبَّته، وحتَّم على المطارنة ورجال الاكليروس والأعيان الخضوع لسلطته والامتثال لأوامره. توفي في 12 شباط 1756 في دير سيّدة مشموشة ودُفن فيه، وسيأتي الحديث عنه مفصلاً اثناء تكلُّمنا عن دير سيّدة مشموشة.

 

والبطريرك الذي تلاه كان طوبيا قيس الخازن (1756-1766)، وهو ابن الشيخ أبي كنعان قيس الخازن، إنخرط في سِلك الكهنوت باكرًا، ورقّاه البطريرك سمعان عواد (1705-1733) إلى رتبة أسقف نابلس عام 1733، ثم مطران قبرص حتى 1755 ومطران طرابلس حتى إنتخابه بطريركاً.

هو واحد من ثلاثة بطاركة كانوا بمنصب أسقف قبرص قبل إنتخابهم للسدة البطريركية، وهما، بالإضافة إليه،  البطريرك إسطفان الدويهي (1670-1704)  والبطريرك فيليبُّس الجميّل (1795-1796).

 

وَرَدَ توقيعه في مَجمَع قَنّوبين، وعُيّن وكيل الدير عِوض إسطفان الدويهي في 24 شباط 1733 أيام البطرك يوسف ضرغام الخازن ، حيث يروي الأب حتّوني في كتابه "المقاطعة الكسروانية" أنه، عندما إنتخب البطرك يوسف ضرغام، عيَّن إبن عمه المطران طوبيا الخازن وكيلاً على دير قَنّوبين.

ويُذكر ان هذا البطريرك هو الثاني من ثلاثة بطاركة من العائلة الخازنية كما ذكرنا سابقاً، أولهم البطريرك يوسف ضرغام (1733-1742)  وثالثهم يوسف راجي الخازن (1845-1854).

إنتخبه مجلس الأساقفة الموارنة في 28 شباط 1756 في كنيسة مار يوسف في عينطورة – كسروان، وصادق البابا بنديكتوس الرابع عشر(1740-1758) على هذا الإنتخاب في 27 آذار 1757، وأمر بمنحه الدِرع المقدَّس ببراءة مؤرخة في 30 نيسان 1757. والجدير بالذكر ان هذا البطريرك كان من عداد الرهبنة الحلبية المارونية (المريمية حاليّاً)، وهو آخر مَن إنتخب من سلك هذه الرهبنة حتى إنتخاب البطريرك الحاليّ مار بشارة بطرس الراعي عام  2011 الذي هو أيضاً من عِداد الرهبنة المريمية المارونية.

 

وبعد إنتخابه بطركاً إتخذ موقِف الحياد أمام قضية الراهبة هندية (سوف نتكلم عن ذلك  مفصَّلاً في سياق الحديث عن دير مار يوسف الحصن والبطريرك يوسف إسطفان (1766-1793)، فلم يكن من المُدافعين عنها ولا من المُناوئين.. كما جاء في كتاب الأب بطرس فهد "بطاركة الموارنة وأساقفتهم".

وفي مطلع عهده إجتمع الأساقفة برئاسته في دير مار أنطونيوس بقعاته، وقرروا إضافة عبارة "وسائر المشرق" الى اللقب البطريركيّ القديم: "بطريرك أنطاكية".

 

كانت إقامة هذا البطريرك تُراوح ما بين وادي قاديشا ومَسقط رأسه في كسروان، وقد عَقَد في بقعاته مَجمَعاً عام 1756 دُعي فيه المطارنة الى التقيُّد بقوانين المَجمَع اللبناني في أبرشياتهم، وبخاصة في ما يتعلق بإحترام تقسيم الأبرشيات وحدودها وتنظيم الخدمة الرعوية.

 

وكان قد جَرى إنتخابه لأول مرة من قِبَل فريق من المطارنة عقب وفاة البطريرك يوسف ضرغام الخازن.. في حين إنتخب آخرون المطران الياس محاسب بطريركاً. فأبطل البابا بنديكتوس الرابع عشر (1740-1758) شرعية هذين الإنتخابين وعيَّن المطران سمعان عواد، بدلاً منهما. ولكن بَعدَ وفاة هذا الأخير جَرى إنتخاب طوبيا بطريركاً كما أشرنا اليه أعلاه.

 

وسوف نتكلم عن حادثة إنتخاب البطريركين لدى حديثنا عن البطريرك سمعان عوّاد (1742-1756) في دير سيّدة مَشموشة حيث أقام ودُفن.

 

إذاً توفي البطريرك طوبيا، الذي عُرف عنه بأنه كان حازماً وقوياً، في 19 ايار 1766 في قرية عجلتون، ودُفن في كنيسة السيّدة الخاصة بعائلة بيت الخازن في عجلتون، حيث نَجِد قبره كائناً الى يمين المَذبح، وتعلوه لوحة تؤرّخ وفاته منحوتة باللغة الكرشونية نقرأ عليها ما يلي :

" إنتقل الى الراحة الدائمة البطريرك طوبيا الانطاكي الخازن، وكان ذلك في أول شهر حزيران سنة 1766 مسيحية". والمُلفِت للنظر، أن هذه اللوحة تؤرخ وفاة هذا البطريرك في الأول من حزيران، بينما جميع المراجع إتفقت على ان وفاته كانت في التاسع عشر من ايار. وكنيسة سيّدة عجلتون المذكورة كان قد بَناها أبو نوفل الخازن وعَيَّن لها كاهناً يُقيم القِداس فيها دوماً.. كما وَرَد في كتاب "المقاطعة الكسروانية"، وكان قد شَيّدها على ضريح والده لتكريم السيّدة العذراء، ورَقَد فيها هو نفسه مع مُعظم افراد عائلته.

إلا انه يُعتبر من بطاركة قَنّوبين رغم أنه لم يُنتخب في ديرها ولا دُفن فيه، كون إقامته في قَنّوبين لم تكن عابرة بل كانت هي كرسيّه الاساسيّ، إذ لم يجعل من أمكِنَة إقامته في كسروان مَقرّاتٍ بطريركية رَسمية.

 

 

أمّا الخَلَف فكان البطريرك يوسف إسطفان (1766-1793) من غوسطا، جرى إنتخابه في 9 حزيران سنة 1766 في دير مار شلّيطا مقبس الواقع بجوار قريته غوسطا حسب ما يقول الدكتور جورج هارون في كتابه "تاريخ البطاركة الموارنة"، بينما يقول العنَيسي في "سلسلته" انه لا يُعرَف في إيّ ديرٍ جرى هذا الإنتخاب.  توفي في 12 نيسان عام 1793 في دير مار يوسف الحصن في غوسطا ودُفن فيه، وسوف نتكلم عنه مفصَّلاً في سياق حديثنا عن دير مار يوسف الحصن.

 

وجَلَس بعده على السِدَّة البطريركية ميخائيل فاضل (1793-1795) من بيروت، وأصل عائلته من العاقورة، وسوف نتكلم عنه مفصَّلاً في سياق حديثنا عن دير يوحنّا حراش.

 

إنتخب بطريركاً في 20 ايلول ، وسنتكلم مفصَّلاً عنه لدى تناولنا دير مار يوحنا حراش الذي أقام فيه.

وأتى بعده البطريرك فيلبُّس الجميّل (1795-1796) من بكفيا.  وُلد في بكفيا عام1740، وإنخرط في سِلُّم الحياة الكهنوتية باكراً، وعيَّنه البطريرك يوسف إسطفان رئيساً لأساقفة قبرص في 3 تشرين الأول 1786. وبعد وفاة البطريرك ميخائيل فاضل التأم المطارنة في بكركي يوم 12 حزيران 1795، وكانوا تسعة، وقرروا ترشيح يوحنا الحلو وفيلبّس الجميّل، على أن يقترع السبعة الباقون ويُعتبر فائزاً مَن يحصل على أربعة أصوات. فإنتخب فيلبّس الجميّل، وثبَّته البابا بيوس السادس (1755-1799) في 27 حزيران 1796، غير أنه كان قد توفّي في 12 نيسان 1796 في دير سيّدة بكركي حيث دُفن. ولكنَّ بعض المصادِر ذكر إنه مات بداء الفالج في قرية عجلتون ولكنه دُفن في بكركي،  لَكِنَّ لا أثر للمدفن في صَرِح بكركي! ومصدر آخر ذكر أنه مات بداء الفالج في عجلتون إبَّان إنتقاله الى دير مار الياس شويّا.

حبريته القصيرة لم تُتِحْ له القيام بالكثير من الأعمال، فلم يُرَقَّ سوى إثنين لرتبة المطرانية هما ميخائيل فاضل الثاني رئيساً لأساقفة بيروت وإقليمُس الخازن رئيساً لأساقفة دمشق.

 

وكان الجالس بعده البطريرك يوسف التيَّان (1796-1809) من بيروت، وكان ذلك سنة 1796. لكنَّ سنة 1809 لم تكن سنة وفاته بل سنة استقالته من السِدَّة البطريركية لأسباب سوف نتطرَّق اليها لدى حديثنا عن دير مار شلّيطا مقبس- غوسطا.

 

وآخر بطاركة قَنّوبين كان البطريرك يوحنّا الحلو (1809-1823) من غوسطا، الذي فاز بنتيجة إنتخاب جرى في 8 حزيران سنة 1809 في دير مار يوسف- عينطورة، وهو البطريرك الثالث عشر بهذا الإسم. لكنه لم يَنَل دِرع التثبيت من البابا حتى العام 1814 بِسَبب ظروف الكنيسة الكاثوليكية الصَعبة في تلك الايام ونفي البابا من روما. وفي كتاب "تاريخ البطاركة الموارنة" للدكتور جورج هارون أن الكرسيَّ الرسوليّ ثبَّته في 25 كانون الثاني عام 1810، وتسلَّم دِرع التثبيت في 19 كانون الأول من العام المذكور. وهذا ما تؤيده فيه سِلسِلة العنَيسي، إذ تقول ان البابا بيّوس السابع (1800-1823) ثبَّت إنتخاب هذا البطريرك في 25 كانون الثاني سنة 810.. مؤجّلاً الإحتفالات بذلك الى زمنٍ آخر، ولمّا عاد الى رومية من مَنفاه في صافونه (ايطاليا)، عَقَدَ مَجمَع الكرادلة السرّي في 8 كانون الأول 1814 وثبَّت فيه باحتفالٍ إنتخاب البطريرك يوحنا الحلو ومنحه دِرع التثبيت المقدَّس، وهذا ما يلقي الضوء على حقيقة الإختلاف ما بين تاريخَي 1810 و1814، إذ يتضح ان التثبيت كان في العام 1810 والإحتفال به كان في العام 1814.

 

من أعمال هذا البطريرك إعادته ترميم دير سيّدة قَنّوبين، حَيثُ أقام فيه مُعظَم سِني حَبريته حتى وفاته في 12 أيار 1823 ودَفنِه فيه، وتحديداً في مغارة سيّدة مارينا الواقعة بقربه تيمُّناً بها.

ومن أعماله أيضاً إصلاحه مدرسة مار يوحنّا مارون في كفرحَي لتكون مدرسة إكليريكية، وجَعلِه دير الروميّة في كسروان مدرسةً إكليريكية كدير عين ورقة، وجَعلِه دير مار مارون، في كسروان أيضاً، مدرسةً عامة للطائفة.

 

كذلك رَمَّم دير التَجلّي في عنّايا وحوَّل إسمه الى "دير القدّيسَين بطرس وبولس"، وإتخذ من دير مار شلّيطا مقبس، قرب قريته غوسطا، مقرّاً للبطاركة قبل ان يُنقل هذا المقرّ في عهد خليفته البطريرك يوسف حبيش (1823 - 1845) نهائياً الى بكركي.

وهذا البطريرك دعا الى عَقِد مَجمَع مَحلّي خاص بالكنيسة في دير سيّدة اللويزة عام 1818 ترأسه بنفسه، فبحث هذا المَجمَع قضية مراكز إقامة المطارنة ووجوب سَكَنِهم في أبرشياتهم، ومراكز إقامة سائر الإكليريكيين، وقَضِية فصل أديار الرهبان عن أديار الراهبات، وهي من الأمور التنفيذية لمُقررات المَجمَع اللبناني المنعقد عام 1736.

 

وقد شارك، عندما كان مُطراناً، في ثلاثة مَجامِع إنتخابية وإنتخب في الأخير منها بطريركاً. ومعه كانت نهاية إقامة البطاركة الموارنة في دير قَنّوبين، إذ بعده إنتقلت البطريركية نهائياً الى بكركي.