دير السيّدة - حالات

يُمكن اللإستنتاج، من الإطّلاع على الوثائق والكتابات التاريخية المُتعلقة بدير السيّدة في بلدة حالات، التي تَعني جِراراً وأواني خزفية، أنَّ إختياره مقراً بطريركياً مارونياً لمُدةٍ من الزمن يَعود الى التنافُس بين فريقين من الإكليروس والشعب الماروني، أحدهما يَمحُض ولاءه للفرنجة وللكرسيّ الباباوي في روما، والثاني يتحَفَظ على الإنجراف المُطلق في التبعية للغرب، تَحفُّظاً ناشئاً عن إستيائه من تصرُّفات الصليبيين تجاه أهل البلاد وسوء مُعاملتهم لهم، ومُحاولتهم الإستئثار بالسُلطة على الكنائس الشرقية وإحلال "الليتنة" مَحل طابعها القوميّ المَحلّيّ.

 

وهكذا شَهِدَ العام 1282 وجود بطريركين معاً نتيجة هذا الإنقسام الخطير بين الموارنة، ولم ينتهِ هذا الإنقسام إلاّ على أثر حملة المماليك على جبة بشرّي وإعتقال البطريرك دانيال الحدشيتي (1278-1282) وإستشهاده، وإنكفاء (أو إختفاء) البطريرك لوقا البنهراني، وبعد المساعي التي بذلها البطريرك اللاتيني إمريك.

 

فمؤلِّف كتاب "حالات" الأستاذ جلال شربل يَذكُر في كتابه هذا أنه "عندما فَرَغَ الكرسيّ البطريركي بوفاة البطريرك الحدشيتي، تَدخَّل الفَرَنج ونَصَّبوا إرميا الدملصاوي (1282-1297) وأرسلوه الى روما للتثبيت.. ثم عاد وإستقرَّ في دير حالات المقدَّس، ومِن المُرجَّح انه إستقرَّ في دير حالات ليكون قريباً من امراء الفرنج في جبيل لحمايته".

 

ويتابع الكاتب: "رأى أمير جبيل أن يَنعَقِد إجتماع الآساقفة والكهنة والرهبان وأعيان الأمة في جبيل، فإنتخب المُجتمعون إرميا الدملصاوي في دير حالات المقدَّس".

 

كُلّ هذا تمَّ بإيعاز من أمير جبيل الصليبي. وإذا كان الكاتب يَستدرِك بقوله: " ولكنَّ المُرجَّح أن الرؤساء (رجال الدين الموارنة) إختاروا دير حالات لبُعده عن المماليك في طرابلس، وعن الجواسيس إذا ما وُجدوا في جبيل، فإن هذا يؤكد ما ذهبنا إليه، لأنه يتضح أن أمير جبيل كان وراء كل ذلك، وإن البطريرك إختار لسَكنه ديراً قريباً من أمراء الفرنج في جبيل لحمايته".

 

والبطريرك إرميا نفسه إعترف صراحةً، في ما كتبه بخط يده على هامش نَسخَة من إنجيل رابولا، بأن إعتلاءه السِدَّة البطريركية كان بعملٍ من أمير جبيل.. إذ قال:" طَلبَني أمير جبيل والأساقفة ورؤساء الكنائس والكهنة وألقوا قرعةً، فأصابتني وصيَّروني بطريركاً ثم أرسلوني الى روما".

 

فهم "صَيَّروه" بطريركاً ولم يُنتخب إنتخاباً، بل جاء بنتيجة قرعة لا تترك الأجواء التي جَرى فيها ذلك مجالاً للشَك بأن هذه القرعة قد أُحكم أمرها لكي تصيبه.

 

وفي ما خَصَّ دير حالات الذي سَكنه البطريرك إرميا الدملصاوي (1282-1297)  فإنه كان من جملة الأديار البطريركية المارونية، ويقول عنه الدكتور كمال الصليبي:" آثاره ما تزال موجودة حتى الآن قرب كنيسة السيّدة في مزرعة الدوير" (إحدى مزارع حالات).

 

غير ان صاحب كتاب "حالات"، جلال شربل، يقول في كتابه :" ثمة مَن يقول بمقرٍّ بطريركيّ آخر في حالات غير دير السيّدة"، ناقلاً هذا الكلام عن لِسان أحد ابناء القرية الذي روى له أنه "في حيّ الناموس، الذي تَمرُّ فيه الطريق القديمة المعروفة بـ "درب الطاحون"، كانت توجَد كنيسة صغيرة تقوم على جزء من جدار قصر البعلبكية، وعند القيام بعملية بناء حديقة عُثر على بقايا الجدران وعليها رموز مسيحية كانت مُستعَمَلة في أوآئل عهد المسيحية". ويَستدرِك المؤلف بأنه، هو، لم يجِد شيئاً مكتوباً يلقي ضوءاً على هذا الموضوع، فإعتبر الخبر غير صحيح، لكنه عاد فسمعه من أناس كثيرين من خارج حالات، فإذا صَحَّ ذلك يكون هذا المقرّ مخبأ من المخابىء التي إعتمدها البطاركة والأساقفة هرباً من الإضطهاد. وفي حالات مخابىء أخرى إستُعملت لهذا الغرض، مِثلَ المغارة الموجودة عند أسفل كنيسة مار يوحنا القديمة، في ناحية زِلحمَيّا، أو في الكفور، وغيرهما، مُضيفاً عن لسان أحد المُعمّرين في بلدته إن المقَرَّ البطريركيّ كان في منطقة الناموس، وإن مقرَّ الدوير كان مدرسة تابعة للبطريركية. وقد كَشَفت عملية البناء عن مَمَرّات أرضية ودهاليز وأقبية قائمة على أنقاض أبنية قديمة بَعضُها فينيقيّ، وقد إستُعمل أحد هذه الأبنية مقَرّاً بطريركياً. كما توجَد في الحيّ آثار جِرار فخّارية ونواويس حَجَرية، وكذلك مغاور كبيرة بعضها يَمتدّ مسافة عشرات الأمتار شرقاً بإتجاه حيٍّ يُدعى حيّ الغمق.

 

وينهي المؤلف حديثه عن دير (أو ديرَي) حالات بقوله: " لقد إستمرَّ المقرُّ البطريركيّ المارونيّ في حالات خمس عشرة سنة على الأقل، وكان البطريرك يُشرِف منه على إدارة شؤون الإمارة "، موضحاً إنها إمارة لأن البطريرك كان الرئيس الديني والزمني للموارنة، أمّا المُقدَّمون فهُم موظفوه ونوابه العسكريون في المناطق.

 

واليوم فإن هذه المنطقة غَدَت مُجمَّعات سكنية.. خِلافاً للطابع القديم للمدرسة البطريركية القائمة بجانب كنيسة السيّدة، ومار يوحنا، اللذين ما زالا قائمَين ليومنا هذا بصورة جيّدة.