دير مار جرجس – الكفر

‏‏‏‏‏‏‏‏إكتسب دير مار جرجس ـ الكَفر، وهي تعني "القرية"، صِفَة المَقرّ البطريركيّ من سكن البطريرك دانيال الشاماتي فيه، وهو الذي نقل المقرَّ البطريركيّ الى هذا الدير، والوحيد من البطاركة الذي سكن فيه.

 

يقول البطريرك إسطفان الدويهي في "سِلسِلته البطريركية" أنه "بعد وفاة البطريرك إرميا العمشيتي، عَقَبَه البطريرك دانيال من شامات التابعة بلاد جبيل، فَسَكَن أولاً في كفيفان، ثم في دير مار قوفريان، ثم في كفرحي في دير مارون، وكان ذلك سنة 1541 (لليونان) كما يَذكَر يوحنا بن يعقوب البشرّاوي. وقد ذُكر في الفنقيط الذي حَظي به في كنيسة مار سابا في قرية بشرّاي بِخَط يوحنا المذكور انه في سنة 1547 لليونان كان قاطناً في دير مار جرجس - الكفر من عمل جبيل".

 

فإذا كان هذا البطريرك ساكناً سنة 1541 في كفرحي وسنة 1547 في الكفر، أي بعد ذلك بسِتّ سنوات، فيكون إنتقاله قد حصل من كفرحي الى الكَفر. وهذا ما يؤيده فيه كتاب "المَجمَع اللبناني" في صفحته 431 اذ يقول: "دانيال الشاماتي، خليفة البطريرك إرميا العمشيتي، نقل المقرَّ البطريركيّ من دير القديس مارون في كفرحي الى دير القديس جرجس في الكفر من أبرشية جبيل، وكان ذلك سنة 1230 م".

 

ولكنَّ الدويهي يعود فيناقِض نفسه عندما يقول، في "سِلسِلته" أيضاً: "إنتقل الكرسيّ البطريركيّ من سيّدة يانوح، حيث كان جالساً على السدَّة البطريركية إرميا العمشيتي، الى دير القدّيسَين قبريانوس ويوستينا في كفيفان، وهناك جلس على الكرسيّ البطريركيّ دانيال الشاماتي ونقل الكرسيّ الى دير مار جرجس- الكفر قضاء جبيل، ومنه الى دير القديس مارون في كفرحي". ففي ذلك تناقض مزدوج مع قوله السابق، حيث قال ان الإنتقال كان من كفرحي الى الكفر ثم هو يقول هنا ان الإنتقال حصل، على العكس، من الكفر الى كفرحي. اما التناقض الثاني فهو في قوله مرَّةً أن البطريرك الشاماتي إنتقل من كفيفان الى دير مار قوفريان ثم الى كفرحي، وفي قوله مرةً أخرى أن الشاماتي جَلَس في دير كفيفان ومِنه نَقل الكرسيّ الى دير مار جرجس ـ الكفر، أي أنه لم يَمُرّ في دير مار قوفريان. كما نلفت النظر الى ان دير قوفريان هذا لم يَرِد ذكره كمسكن لأحد البطاركة إلا في هذا المَقطع الذي أوردناه، إلا اذا كان المقصود بدير قوفريان دير قبريانوس ويوستينا نفسه القائم في كفيفان.

 

كذلك تَتَضارَب المعلومات حول مكان إنتخاب دانيال الشاماتي بطريركاً، إذ يذكر بعضها أنه إنتُخب في دير سيّدة ايليج (ميفوق) بينما تَذكُر معلومات أخرى انه إنتُخب في يانوح.

 

وفي المعلومة الأولى أن إنتقاله الى كفيفان كان من إيليج لا من يانوح، إذ تقول: "خَلَفَ البطريرك إرميا العمشيتي البطريرك دانيال الشاماتي، وبعد إنتخابه في دير سيّدة إيليج، إنتقل الى دير كفيفان، ومنه الى دير كفرحي"، وبِحَسب الدويهي أنه كان سنة 1236 مُقيماً في دير مار جرجس - الكفر" (التي يجب ان تطابق السنة 1547 اليونانية).

 

وتوضِح هذه المعلومة سبب إنتقاله من إيليج فتقول: "سَكَن في دير سيّدة إيليج، لكنه إضَطَّر الى مغادرته بسبب الحروب والفتن المملوكية، فإنتقل أولاً الى دير مار قبريانوس كفيفان، ثم الى دير مار يوحنا مارون في كفرحي والى دير مار جرجس الكفر في بلاد جبيل".

 

إذن فإن دير مار جرجس الكَفر هو من بين الأديار التي كان لها أن تَكون مَقرّاً بطريركياً في زمنٍ من الأزمان، والباقي منه اليوم كنيسة أثرية مبنية على طريقة الكنائس اللبنانية العائدة لتلك العهود، أي بالحجارة المشقوعة شقعاً وغير المنحوتة، والمختلفة الأشكال والأحجام.

 

ويذكر الدكتور كريستيان الخوري في هذا الصدد، في كتابه "العذراء مريم في لبنان"، الجزء السابع، أنها كنيسة قديمة من المؤكد أنها تعود الى ما قبل سنة 1236. وقد كادَت هذه الكنيسة تندثر لولا هِمَّة الخوري يوسف القدّوم الذي أعاد ترميمها سنة 1977. وهي سوق واحدة، عقد قصبة، بحنيّة مُكوّرة غائرة، يفصل تكويرتها عن قاعدتها إفريز حجريّ. مَذبَحِها القديم حَجريّ مُلتصق بالتكويرة، يرتفع فوق لَوحَة بريشة الفنان كنعان ديب لمار جرجس تعود للعام 1842، مليَّسة من الداخل ومدهونة. أمّا من الخارج فالكنيسة مَبنيّة بالحجر الدبّاشي من مختلف الأحجام، لها باب واحد في جهتها الغربيّة، ولا يظهر في جهتها الخارجيّة الشرقيّة أثر لتكويرة الحنيّة، إذ جرى بناء حائط مُنبسط وراء الحَنيّة لتبدو الكنيسة بشكلٍ مستطيل، وليتمكّن البطريرك من الإختباء في المسافة الفاصلة بين التكويرة من الخارج والحائط الشرقيّ من الداخل في حال تعرُّضه لأيّ هجوم مباغت.