دير مار قبريانوس ويوستينا – كفيفان

يعود تاريخ دير القدّيسَين قبريانوس ويوستينا الى ما قبل القرن السابع للمسيح، ويقع في بلدة كفيفان في قضاء البترون على هَضَبة تعلو 450 متراً عن سطح البحر، تُحيط به قرى جران وعَبدللّي وسمار جبيل. ولفظة "كفيفان" هي، على ما يظهر، سِريانية أو كِلدانية، وتعود الى تصحيف للفظة  "كفيفو" التي تعني المُحدَّب والمُنحني نظراً لوجود القرية والدير على أرض مُحدَّبة بين واديَين أو شِعْبَين.

 

وقد تَكرَّس هذا الدير على إسم الشهيدَين قبريانوس ويوستينا عند تحويله الى مَقرّ بطريركيّ في عَهد البطريرك دانيال الشاماتي أي في العام 1230، وهذا بِحسب ما ذكره البطريرك إسطفان الدويهي (1670-1704) في "سِلسِلة البطاركة الموارنة". وكانت هذه الإنتقالة هي السادسة في سِلسِلة إنتقالات المقرّ البطريركي المُتَعاقبة، وقد جَرَت من دير سيّدة يانوح "حيث كان جالساً على السدَّة البطريركية إرميا العمشيتي (1199-1230)" كما يقول الدويهي.

 

وهو يضمُّ جثمان القديس نعمة الله كسّاب الحرديني الذي دُعي "قديس كفيفان"، كما يَحضن جُثمان المُكرَّم الأخ إسطفان نعمة الذي توفّاه الله في الثلاثين من شهر آب 1938.

 

والوصف التاريخيّ لهذا الدير كما كان في حاله الأولى نَجِده في إحدى الوثائق العائدة له، وفيها أنه بناء صخريّ عقد، يبلغ طوله عشرين "ذراعاً هاشمياً" وعرضه خمسة "أذرع هاشمية"، مُقسَّم الى "أربع غرف"، وهو يُعرَف منذ سنة 1779 بـ "كنيسة والدة الله مريم في كفيفان".

 

وقد تمَّ تجديد بنائه ما بين العامين 1865 و 1895، أي خلال مدةٍ إمتدت الى ثلاثين سنة. وبعد سبعين سنةً من ذلك، اي في سنة 1965، شُرع بحملة ترميم للدير بكامله. وفي 1988 بدأ العمل لتشييد طابقٍ جديد لسكن الطلاّب المُبتدئين، كونه عُيِّن ديراً للابتداء منذ العام 1899، وهو باقٍ كذلك حتى الآن بعد سلسلة إنتقالاتٍ منه وعودةٍ اليه.

 

وقد ألَّف عنه الأب بيار سعاده كتاباً بعنوان "دير الذهب: كفيفان" أورد فيه نبذةً كتبها الأب بطرس ساره يقول فيها: "إننا لم نَجِد قبل القرن الثالث عشر أثراً لتاريخ هذا الدير"، وقد عَقَّب عليها الأب سعاده بقوله: "كل ما جاء عن هذا الدير أنه كان كرسيّاً بطريركياً في مُستهلّ القرن الثالث عشر كما ذكر الدويهي في "سِلسِلة البطاركة"، موضحاً السبب في ذلك بـ: "أنَّ تاريخ تلك العصور لم يكن جلّياً واضحاً، او إن ما تركه لنا، ذَهَب، كغيره من الآثار، فريسة الضياع والدمار".

 

كذلك فان الأب ساره يقول، تعليقاً على ما هو معروف من إنتقال الكرسيّ البطريركيّ من يانوح الى كفيفان في عهد البطريرك إرميا العمشيتي الذي دام من 1199 الى 1230 : " نَظنّ أن عهد التاريخ بديرنا هذا أبعد من تلك الأيام، أي من أوآخر القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر".

 

وكلام الدويهي ليسَ واضحاً حول ما إذا كان هذا الإنتقال قد تمَّ في عهد البطريرك إرميا العمشيتي (1199-1230) أم في عهد خلفه البطريرك دانيال الشاماتي (1230-1239).. إذ يقول: " وإنتقل الكرسيّ البطريركيّ سادسةً من سيّدة يانوح، حيث كان جالساً على السدَّة البطريركية إرميا العمشيتي سنة 1199-1230، الى دير القديس إبريانوس في كفيفان حيث جلس دانيال الشاماتي خلفاً لإرميا".

 

 وكتاب "بطاركة الموارنة ..  الى القرن الثاني عشر" للأب بطرس فهد وَرَد فيه أن لا ذكِر لسَكَن البطريرك إرميا في دير كفيفان، لكنه سكنه سنة 1209!!.

 

وكيفما كان الأمر فإنه لم يكن ثمة خلاف حول ان هذا الإنتقال قد تمَّ من دير سيّدة يانوح الى دير كفيفان.. الى ان جاء الأباتي طوبيا العنيسي يقول إن دانيال الشاماتي إنتُخب في دير سيّدة ميفوق، ثم ترك ميفوق وسكن في دير كفيفان. وزَكّى الأب فهد ذلك بقوله، في الصفحة 187 من كتابه: "قيل ان دانيال الشاماتي إنتُخب بطركاً في سنة 1230 في دير سيّدة ميفوق، وبسبب الفِتَن والحروب، ترك ميفوق وسَكن في دير كفيفان"؛ فهل الإنتقال كان من يانوح الى كفيفان أم من إيليح إليها؟

 

ولكنَّ الدويهي، في الصفحة 12 من "سِلسِة البطاركة"، كانَ كلامه واضحاً تماماً بالنسبة الى الموضع الذي جَرى منه الإنتقال الى دير كفيفان، والى البطريرك الذي جرى في عهده هذا الإنتقال والسنة التي حصل فيها، إذ قال: " في سنة 1230 إنتقل الى رحمة الله إرميا من عمشيت في دير سيّدة ميفوق، فَعَقَبه البطريرك دانيال من شامات من أعمال جبيل، فَسَكن أولاً في كفيفان"، وبذلك نقض ما قاله هو نفسه في "سلسلة البطاركة": "إنتقل الكرسيّ البطريركيّ سادسةً من سيّدة يانوح ... الى دير القدّيسَين قبريانوس ويوستينا في كفيفان".

 

وفي كتاب الأب سعاده ان تاريخ إنتقال البطريرك دانيال الى كفيفان ورد في كتاب "التراتبية المارونية" ( La hiérarchie Maronite) للخورأسقف يوسف زياده على إنه نفس التاريخ الذي ذكره الدويهي.

 

أمّا الأب بولس مبارك، في كتابه: "عائلة الخوري تادي"، فيقول في الصفحة 259: "أول ما يُعرَف عن هذا الدير أنه كان كرسيّاً بطريركياً في مُستهلّ 1198"، أي في أوآخر القرن الثاني عشر، خلافاً لما قاله الأب ساره من أن تاريخ هذا الدير لم يوجد له أثر قبل القرن الثالث عشر.

 

ولكنَّ أجمل ما نَختُم به هذه اللَمحة عن دير كفيفان هو ما كتبه عنه الأب أنطوان خليفه عندما كان رئيساً له في العام 2000.. مُقدِّماً كتاب "دير الذهب : كفيفان"، فجاءت كلمته مُستوحاة من التاريخ العريق الذي لهذا الدير، وفَضلَه على الدراسة الإكليريكية للمبتدئين من أبناء الرهبانية اللبنانية المارونية، اذ قال: "منذ قيامه من ظُلمات الماضي السحيق ديراً على إسم الشهيدَين قبريانوس ويوستينا، مروراً بصيرورته، بعد يانوح (عدنا الى ان الإنتقال اليه كان من يانوح)، كُرسيّاً بطريركياً مارونياً مع البطريرك دانيال الشاماتي (إذن هو الذي إنتقل إليه وليس سَلفِه إرميا العمشيتي) إثر وفاة البطريرك العَظيم إرميا العمشيتي، واللإنطلاق منه بأول مدرسة عُليا لدراسة الفلسفة واللاهوت تجمعُ الإخوة الدارسين من أبناء رهبانيتنا اللبنانية المارونية، الى إختياره، منذ مئة سنة وسنة، اي منذ 1899، ديراً موحَّداً للإبتداء بإرادة بطريرك كبير من هذه البقعة المباركة من أرض لبنان الخيرَّة.. المُثلَّث الرحمات البطريرك الياس الحويّك، حتى رُسوخه في الحاضر.. مُحتضناً ضريحَ الطوباويّ نعمة الله كسّاب الحرديني، قدّيس كفيفان، مُعلّم القديس شربل، ومحتضناً أيضاً ضريحَ الأخ إسطفان نعمه، وغيرهما من الوجوه الرهبانية التي تألَّقت روحانيةً وقداسة، كان كفيفان، الدير- المزار، يَنقُشُ صورَتَهُ على وجه التاريخ المارونيّ، وتاريخ لبنان، في هذه الأرض المقدَّسة، ويطبع بصماتِهِ في قلوبِ الكثيرينَ من أبناء الرهبانية".