دير سيّدة - هابيل

 هابيل قرية تَقَع في ناحية جبيل، ولإسمها هذا عِبري، ويعني إبن آدم الثاني. أمّا القدماء من أهل هابيل فيردّون الإسم الى مقطعين:  Habو il ومَعناهما "خوف الله". ودير السيّدة فيها يقوم على تلَّة تشرف على القرية من جِهتها الغربية وتُسمّى "قرنة عَرمتى"، وهي تعلو عن سطح البحر 950 متراً.

 

 النواويس العديدة التي وُجدت في القرية محفورةً في الصخر.. مِمّا يَدِلُّ على أنها سُكنت منذ القِدَم، كما سُكنت أيضاً في العصور الوسطى بعد أن بُني فيها المقرّ البطريركيّ.

 

 وكنيسة هذا الدير هي عِبارة عن بناءٍ مُستطيل مُشَيَّد من حَجَر الدِبّاشي، وذو مَدخلٍ واحدٍ واطىء يقوم في جهتها الغربية. وفي الجهة الشمالية من هذا المَدخل تظهر بقايا الرواق المقبَّب الذي كان يُغطّي المسافة أمامه، كما جاء في كتاب الدكتور كريستيان الخوري "العذراء مريم في لبنان"، مُضيفاً أن في الكنيسة صورة لمريم القلب الأقدس، وفوق كل مذبح من مذابحها تمثال صغير للسيّدة العذراء. وفي جوار الكنيسة يقوم المقرّ البطريركي، وإضافةً اليه توجَد خرائب عِدَّة يعتبرها أهل المنطقة جزءاً من هذا المقرّ، وقد طال الزمن عليها وهي مُهمَلة لم تَمتَدّ اليد إليها حتى العام  2012، حيث جَرى تَرميم الكنيسة من الداخل والخارج، ما عدا الخرائب والأقبية المُحيطة، التي بقيت فريسة الإهمال.

 

وفي رسالةٍ لإبن القلاعي إن هذا الدير ظلَّ كرسيّاً بطريركياً مارونياً الى زَمَن البطريرك إرميا، وهذا ما تذكره أيضاً التواريخ القديمة. ولكنه يورد في رسالته أنه لم يستطع اللإهتداء الى أسماء البطاركة الذين أقاموا في هذا الدير، ويعني بهم جميع البطاركة الذين سَكنوه ما بين البطريرك يوحنا اللحفدي والبطريرك إرميا العمشيتي.

 

 ومثل إبن القلاعي، كان أيضاً البطريرك إسطفان الدويهي في سِلسِلته للبطاركة، إذ يعترف بأنه مع ما بُذل من التنقيب والبحث لم يتمكن من الوصول الى اسماء جميع البطاركة الذين أقاموا في دير سيّدة هابيل ما بين البطريركين المذكورَين. يبقى أن السمعاني ذكر أن هناك ثلاثة من البطاركة يدعى كل منهم "بطرس" أقاموا في هذا الدير في الحقبة الزمنية المارّ ذكرها.

 

وقد رجعنا الى "دائرة المعارف" اللبنانية لنرى اذا كانت تلقي ضوءاً على ذلك في فصلها عن البطريرك إرميا العمشيتي، فوجدنا فيها ان البطريرك بطرس توفي في دير سيّدة هابيل سنة 1209 على ما في "تاريخ الازمنة" للدويهي، او سنة 1199 على ما في غيره من المراجع، فإجتمع الأساقفة وأعيان الشعب في دير إيليج في ميفوق وإنتخبوا إرميا بطريركاً. والمُلفت للنظر أن الدويهي يقول في "سلسلة البطاركة" إنه لم يهتدِ الى مَعرِفة أيّ ٍ من البطاركة الذين مرّوا في هذا الدير ما بين اللحفدي والعمشيتي، ثم يُسمّي في "تاريخ الازمنة" البطريرك بطرس مُحدِّداً تاريخ وفاته في العام 1209!

 

وتعود بداية بناء هذا الدير الى أيام البطريرك يوحنا اللحفدي (1151-1154) الذي نقل كرسيّه من إيليج الى قريته لِحفد، ثم إنتقل الى هابيل حيث أقام فيها ديراً.

 

والسمعاني كان دقيقاً في ذِكرِه بطريركين من الثلاثة الذين أورد سكناهم في دير سيّدة هابيل ما بين البطريركين اللحفدي والعَمشيتي، إذ يقول إن سني البطريرك بطرس الثاني كانت ما بين 1154 و1173، وإن هذا البطريرك تابع بناء الدير، مُقيماً في دير سيّدة إيليج حتى تَمام تشييد دير هابيل. كما يذكر أن البطريرك بطرس الثالث خَلَفَ بطرس الثاني وإمتدَّت سنو بطريركيته من العام 1173 الى 1199، إلا إن اللائحة التي مَرَّ ذكرها حول أسماء البطاركة الموارنة الذين تعاقبوا خلال الحقبة الصليبية (1099-1305) تُحدِّد سني ولاية هذا البطريرك ما بين 1173 و 1189.  ويقول السمعاني إن هذا البطريرك، بطرس الثالث، تنقَّل مثل سلفه بطرس الثاني ما بين إيليج وهابيل.

 

والكاتب فيكتور صوما، في مؤلَّف له بالفرنسية عنوانه "لبنان على خُطوة صغيرةٍ " (ص 255)، يقول ان آخر مَن مرَّ من البطاركة في دير سيّدة هابيل كان البطريرك داود الجاجي المُكنّى بيوحنّا، وذلك قبل إنتقاله الى دير مار سركيس القرن في أرض حردين.