دير سيّدة إيليج - ميفوق

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

في قلب وادٍ، وراء ستارٍ كثيفٍ من الحَور والصِفصاف والجَوز، تَبرُز للنظر قبّة جرسٍ صغيرة بيضاء تقوم على بعض الرَدميّات التي تُغطيها الأعشاب. وإذا أجال المرء نَظره في ما حواليه يَجِد نَفسَه في قَعرِ وادٍ تُحيط به تلال رَمادية اللون. إنه عشٌّ سِحريّ لا تَستطيع فيه الأعين والنفوس إلا ان ترنو الى فوق، الى السماء. في وسط هذا الاطار الطبيعيّ، وبين الخرائب والانقاض، قلب لا يزال ينبض بالحياة.. هو هيكل سيّدة إيليج.

 

هذا وَصف لذلك المكان المُقدَّس، وللِمَعبَد الذي أكسبه القداسة، مُستوحىً من كلمة للأب غودار اليَسوعي وَرَدَت في كتابه "السيّدة العذراء في لبنان" الذي كتبه إثر زيارته لبنان عام 1908 بمناسبة رفع تمثال العذراء مريم على قِمة جبل حريصا. ويَستطرِد الأب غودار قائلاً: "هنا أقام مدّةً طويلةً من الزمن بطاركة الموارنة. هنا، على أقدام السيّدة العذراء، تعذَّبوا وإضطُّهِدوا وَشَقوا. وفي جوار هذا الهيكل الوادع إرتفع، في التاريخ، ضجيج السلاح، وملأ سماء الوادي دُخان الحرائق، وإختلطت مياه النهر بالدماء البريئة، ومن هنا، أكثر من أيّ مكانٍ آخر في لبنان، مَرَّت أشباح الدماء والدمار".

 

وتاريخ هذا المعبد نَستقيه من نشرةٍ بعنوان "سيّدة إيليج" تقول أنه ربما كان هناك مَعَبد وثنيّ لإله اللُّجَج والأعماق. وهناك تَقليد يقول: "إن مبنى دير سيّدة إيليج يقع عند إحدى مَحَطات الطريق الروماني المؤدّي من بعلبك وضِفاف نهر العاصي الى ساحل فينيقيا الشماليّ، وإن الرُسل القدّيسين ساروا على هذا الطريق خلال تَنَقُلاتهم بين إنطاكية وشواطئ فلسطين، وإليهم يُنسب تحويل إيليج الى بناءٍ مسيحيّ". والمَسعودي المؤرِّخ يقول: "حين دُمِّرَ دير مار مارون العاصي فَرَّ البطاركة الى جبال لبنان العَصيّة ووديانه الصَعبة المسالك.. عبر طريقٍ رومانيّ يمتدّ من اليمونة الى يانوح، ومنها الى وادي إيليج".

 

عاش البطاركة في إيليج عيشة المُتوحدين التي تَتَّصِف بالبساطة، يُمارسون الفُقر كرعاياهم الموارنة، ويشاركونهم شَظف العيش، ويتلون الصلوات معاً، راضين بِمُجرّد اللِقمة ورائدهم الوحيد إيمانهم وقداستهم. ونقرأ في عدد من مجلة "الميناء" التي كانت تصدرها الرهبانية المارونية اللبنانية، فَنَطَّلِع على أن السائح شمبون (1869) كتب ان هذا المعبد كان هيكلاً للزُهرة وتحوّل الى كنيسة على إسم العذراء مريم. ويخبر جبرائيل القلاعي أسقف نيكوسيا (قبرص) اللبنانيّ الاصلُ والنشأة ان هذه الكنيسة بناها بطرس وفيليبّوس الرسولان.

 

وتاريخها يُظهِر منذ القرن الثاني عَشَر عِبر أوراقٍ مَحفوطةٍ في الدير.. وكِتابتين أثريتين منقوشتين في الجِدران، وكُلها يُحدِّد تاريخ بناء هذا الهيكل. إحدى الكتابتين موجودة فوق عتبة شبّاك الكنيسة الشمالي، وهي باللغة السريانية، والثانية، وهي سريانية ايضاً ولكن بالحرف الإسطرنجلي، فوق عتبة باب الهيكل، وترجمتهما كما جاء في كتاب الأب بطرس ضو "تاريخ الموارنة":

 

الكتابة الأولى: "باسم الإبن الحَيّ الدائم، في سنة 1746 مَسيحية تَجَدَّدَ هذا الهيكل على يد الأخوين الكاهنين أمّون ومينع، وهو من صِنع أربعة بطاركة: بطرس وإرميا ويعقوب ويوحنا عام 1121".

 

أما  الكتابة الثانية فهي: "باسم الله الحي للدهر، في سنة 1588 لليونان (1277 م) كمل بُنيان دير والدة الله مريم، لِتكُن صلاتها معنا، على أيدي الرجال الخطأة: القَس داود وبطرس ويوحنا". كما نُقش صليب على هذه المنحوتة وعلى جوانبه الآية السريانية: "بك نَقهُر أعداءنا، وبإسمك نَطأ مُبغِضينا".

وللأيضاح نذكر ان الفرق الزمني بين التقويمين المذكورين اعلاه هو 311 سنة.

ويُذكر ان الكتابة الثانية جرى وضعها اثناء التشييد.. وذلك بغير ما يجب ان يكون عليه إتجاهها، مِمّا يُعتقد معه على الأرجح أن الباني كان يجهل القراءة.

 

يُستنتج من ذلك أن هذه الكنيسة تَمّ بِناؤها على عِدة مراحل :

أنشأها البطاركة بطرس وإرميا ويعقوب ويوحنا اعتباراً من  السنة 1121 م.

أكملها القَس داود ومُرقس ويوحنا في السنة 1277 م.

جَدَّدَها الأخوان الكاهنان أمون ومينع في السنة 1746م.

جَدَّدت الرهبانية بناء الدير سنة 1786م كما ذُكر على موقع الرهبنة اللبنانية.

جُدِّد مرة أخرى بين عامَي 1945 و1950 إبان رئاسة الأب نعمة الله خوري الكفروني كما ذُكر ايضاً على موقع الرهبنة اللبنانية.

 

ويُستخلص من كلام هؤلاء المؤرخين ان البطاركة الموارنة أرادوا الإقتراب من الصليبيين المُحْتلّين الشواطئ، فَهَجِروا هِضاب سيّدة يانوح نحو السنة 1120م وهبطوا وادي إيليج، وهناك أقاموا أو رمّموا هذا الهيكل على أنقاض هيكلٍ بيزنطيّ وجَعَلوه على إسم مريم العذراء، فحمل هذا الكرسيّ البطريركيّ الجديد إسم "دير القديسة مريم في ميفوق".. التي تعني النبع او الماء الفوقاني.

 

أما تسمية "إيليج" فيُحتمل أن تكون ذات اصلٍ إغريقيّ، ولكنه إحتمال بعيد، أو ذات أصلٍ ساميّ ينسبها الى الإله "أيل"، لا الى "إيليجبيل" إله اللُّجَج والأعماق،  وقد يكون الشعب الآرامي جَلَبَ الإسم السّامي معه ممّا بين النهرين.

وفي مقالٍ للأب ميشال الحايك ان إسم "إيليج" ورد قديماً في عِداد الأمكنة الأسقفية ببلاد ما بين النهرين، وذلك حَسب الكتابات السِريانية، ويرى ان الأصح في تفسير أصله انه مأخوذ عن لفظة "هليوس" اليونانية ومعناها "الشمس"، فيكون المَعبَد المَقصود قد بُني على أنقاض هيكل لإلهة الشمس. ثم ان هناك لفظة ألمانية مأخوذة دون شكٍ عن اليونانية تقرب من كلمة "إيليج" ومعناها "القداسة" كمعنى "قاديشا" بالسريانية، وسيّدة إيليج، اي "السيّدة القدّيسة"، هي، في التاريخ المارونيّ، قبل "قاديشا" أو هي قاديشا الأولى.

ويقول الأب خليفة حول هذا الدير: "من هذا المعبد كان البطريرك يُرفِق إسمه بصِفة "الحقير". وفي هذا الهَيكل كان مقرُّ البطريرك يُرقى إليه بِدَرَج وضيع يوصِل الى غرفةٍ كانت كل قَصرِه من هذه الدنيا، وثروته فيها كُتُب عَتيقة عليها إصفرار الشَمع والدَمع، ووليمته فُطور على جَسَد الرب، ولَيلِه سَهَر للتَضَرُّع، ونهاره همٌّ على الشعب وتعبٌ في الأرض. فكانوا حَقيرين بالمُمتلكات، كبيرين بالذات، يَصومون نِصفَ السَنة وأكثر، ويَلبسون المُسوح، ويُعَمِّمون رؤوسهم بإسكيمهم الرهبانيّ ويُغطّون أجسادهم النحيلة بِرُقعةٍ زرقاء، لا يأكلون مَدى حَياتهم كُلِّها لَحماً، ولا يشربون خمراً الا من كأس الخَلاص، ولا يَحملون عصاً إلا من خشب يتوكأون عليها لقومات الصلاة الأربع في كل هزيع من الليل؛ يُساهرون الملائكة، وإذا ناموا فوجوههم الى القُربان".

لماذا كان البطاركة الموارنة قُدماء العهد في منطقة جبيل؟ يقول الأب الحايك إن الشاهِد على ذلك هو أن مُعظَم البطاركة هم من تلك القُرى التي نَمرُّ بها في طريقنا الى إيليج: الصفرا، حالات، جبيل، عمشيت، دمَلصا، الكَفر، شامات، حاقِل، مَيفوق، حجولا، هابيل، لحفد، جاج، العاقورة، كفيفان، رامات، حردين وحدشيت... ففي هذه القرى كان للبطاركة، في العهد الإيليجي، مقامات مؤقتة زمنَ الإضطهاد والتخفِّي، ومن وادٍ الى جَبل تَتَعاقَب تلك الضياع حاملةً في إتضاعها وحِشمَتها ذِكريات أولئك البطاركة القديسين الذين كانوا يُسَيّرون شَعبهم ويوجّهونه وليس لهم من وسائل العالم لا مال ولا سلاح ولا جيش ولا عتاد ولا مذياع ولا صحافة، بل شَعشَعَة الوجه، وألق الروح، والحياة المبذولة في عمل إفتداء قُربانيّ مَحض. وإذا كانت لهم رابطة بالحَرَكَة الصَليبية في تلك العُصور، فَمِن حيث إنهم كانوا حمَلة صليب لَصِق بوجودهم منذ البدء، قبل عهد الصليبيين وبعده، فكان كل نصيبهم من الوجود.

 

بالنسبة الى الدير فقد شُيّد في عهد البطريرك المارونيّ بطرس الأول، وهو مؤلف من طبقتين، وكنيسته تَستوقِف النظر ببنائها المُرَبّع ذي الهَندَسة الفريدة، إذ أنه بُني وفقاً لأصول الفنّ الذي كان شائعاً قبل ظهور الأشكال الغوطية الكبرى، بِحَيث تَتَمَيز بِخصائِص الهندسة المارونية الأصلية ومنها وجود "البيما"، اي المَصطَبة التي تكون عادةً مُرتفعةً قليلاً عن أرض الكنيسة، وعليها كان يجلس البطريرك والأساقفة في أثناء القداس. وحجارة البناء من الدَبش، ومداخله واطئة، وهو كان مركزاً لإقامة البطاركة الموارنة من سنة 1121 الى 1440. وأثناء إقامتهم فيه سَكَن البعضُ مِنهم، لفترات مَحدودة، في أمكنة أخرى: إما في قُراهم او مناطقهم او أديرةٍ أُخرى.. لأسباب نجهلها.

 

وفي هذا الدير كنزٌ ثمين، إذ إنه يحتوي على أقدم أيقونة عَرِفتها الكنيسة المارونية، وهي التي يقول عنها الأب بطرس ضو في كتابه "تاريخ الموارنة" إنها السيّدة أم النور عند الموارنة كما جاء في كتاب "الهُدى" الماروني مُعاصر صورة سيّدة إيليج (طبعة فهد ص 256)". ويُفيدنا الأب عبدو بدوي، من الرهبنة اللبنانية المارونية، ان هذه الأيقونة وُجِدت في المقرّ البطريركي الماروني في منطقة القِطّارة – ميفوق، في دير سيّدة إيليج هذا، وقد رافقت البطاركة من سنة 1121 حتى سنة 1440 أي حتى رحيلهم الى وادي قنّوبين، وبعد رَحيلهم بَقيت مَحفوظة حَيث هي في صِندوقٍ.. مُتعرضةً لكثير من العوامل السَلبية بِسَبَب عَدَم المُحافظة عليها بِشكل جيّد، إذ أصابها الحريق، وشُوّهت في أسفلها، بالإضافة الى أسبابٍ أخرى أضَرّت بها. فَجَرى تَرميمَها لدى راهبات كَرمِل الوحدة في حريصا المُتَخَصِصات في هذا المجال، فإستغرق الترميم حوالي ستّ سنوات بدءاً من العام 1985. إلاَّ أنه عندما بوشر بالدراسات المَخبَرية والتصوير بالأشعة كانت المفاجأة.. وهي أن الصورة تَحتَوي على عِدَّة طَبَقات تَصويرية مُتراكمة يَرجع أقدمها الى القرن العاشر، اي أنها ثروة تاريخية وفكرية وفَنيَّة وإرث كبير. وقبل تَرميمها لم يكن عُمرها معلوماً، فكانوا يَعتبرون أنها رُسمت قبل 200 عام كحدٍّ  أقصى، ولكن أكتُشف بِفَضلِ ما أُخضِعَت له من دراسة ومعالجة أنها أقدم أيقونة مارونية في لبنان وبلدان الإنتشار.

وقد ألقُيَ الضوء على ثلاثة أمور أساسية في الأيقونة، أولها ان الشَمس والقَمر اللذين يظهران في أعلاها يَشيران الى أن العذراء مريم هي سُلطانة الليل والنهار، ولكنَّ هذا الرمز تَحَوَّل على مَرّ الزمن، بعد سلسلة التَرميمات التي جَرت للأيقونة، الى رأسَي ملاكين في أعلاها في الطبقة العاشرة منها، وقد يكون ذلك بنتيجة التأثير الغربي. وثاني الأمور هو وجود ثلاث نُجوم، واحدة على جَبين العذراء، وأخرى على كَتفها اليُمنى، وهي في يدها اليُسرى تَحمِل يسوع وهو النَجمة الثالثة، مما يرمز الى الحَبَل بلا دَنَس.

والأمر الثالث، أخيراً، هو أن اللَونين الطاغيين على الأيقونة هما اللون الأزرق واللون التُرابي، وفي علم الأيقونات يرمز اللون الأزرق الى الدَيمومة واللون التُرابي الى كل ما هو زائل. والعذراء في هذه الأيقونة تَجمَع اللونين، أي ان الله وَشَّحَها باللون الأزرق لكي تَكون أمّاً لله الإبن. وبالإضافة الى ذلك يُلاحَظ وجود هالةٍ حول رأس العذراء هي عبارة عن إثنتي عشرة قِطعَة نَقدية مُستوحاة من سِفر الرؤيا الذي يتكلم عن المرأة الجَديدة التي تَحمِل على رأسها إكليلاً من إثني عشر كوكباً وتحت قدميها القمر، وهي حوّاء الجديدة التي وهبت الحياة. وتجدر الإشارة الى أن التصميم الأساسي يُظهر لنا صورة "العذراء المُوَجِّهة"، وهي من النوع السريانيّ العريق الذي يعود الى الأجيال المسيحية الأولى. ومن الخصوصيات السريانية أيضاً في الصورة فَتحَة المنديل حول رأس العذراء ( إم النور).

 

 

ولكن لماذا ترك البطاركة إيليج نهائياً بعد اقامتهم فيها؟

 

إن الموارنة، بعد رحيل الصَليبيين عن بِلادنا، تِعَرَّضوا لكافة أنواع الإضطِهاد. ففي سنة 1367، في عهد البطريرك جبرائيل حجولا (1357-1367)، إجتاحت عَساكر المَماليك أرض لبنان، وهاجَمَت القُرى المَسيحية وأوسَعَتْ فيها تقتيلاً وتخريباً، كما أقدموا على قتل البطريرك.

 

فَخَلَفَهُ داود يوحنا (1367-1404) الذي إنسحَب الى هِضاب حَردين.. وسوف نتكلم عنه في سياق التكلم عن دير مار سركيس القرن – حردين، ومن ثم البطريرك يوحنا الجاجي (1404-1445) الذي عاد الى سيّدة إيليج سنة 1404 (اي سنة إنتخابه)، وقد تَعرَّضَ هو أيضاً الى مَخاطِر المماليك.. مما حدا به الى نقل البطركية الى وادي قنّوبين مُدشِّناً عهد إنتقال البطاركة الى هذا الكرسيّ الجديد بحيث كان آخر بطاركة إيليج.

 

وبعد ان هَجَر البطاركة سيّدة إيليج جَعَلها آل حمادة مركزاً لِحُكمِهم، وتعاقبوا عليها حتى سنة 1686 حين دارت حروب قرب الدير. ولكنّ إيليج تَجَدَّدَ مجدها وإزدهرت وهي تحت ولاية الحمادية المَتاولة. ويُقال أنهم إحترموا بيت مريم، حتى أن أحدهم أُغْرم بهذه السيّدة التي قال إنها نَجَّتهُ من الموت في إحدى المعارك. وبعد ذلك، في معركةٍ أخرى أشرف فيها الدروز على مُحاصرة المتاولة، هَرَعَ هؤلاء الى حماية سيّدة إيليج وقدّموا لها قطعة ارضٍ هديّة، والشائع ان ضَباباً كثيفاً هَبَط حالاً وسَتَرَ هَربهم عن أعين أعدائهم.

 

البطاركة الذين سكنوا إيليج: عددهم وأسماؤهم

 

هذا العدد، حسب الإعتقاد الشائع عموماً، هو إنهم ثمانية عشر بطريركاً، رُغم بَعضَ اللوائح التي وَرد فيها أنهم ثلاثة عشر. ولكنَّ نيافة الكردينال مار بشارة بطرس الراعي حَسَم النِقاش حَولَ هذا الموضوع بإشارته الى البطاركة الثمانية عشرعندما قام بزيارة هذا الدير الأثري وَفاه فيه بهذه الكلمات التي تُلَخِص جانباً من تاريخ هذا الدير: "ليتَ الحِجارةُ تَتَكَلَم كي تُخبرنا عن 300 سنة من حياة البطاركة التي أمضوها هنا منذ عام 1121 حتى عام 1440، بعيدين ومُتجنبين ظِلِّ الظالمين في كُل عَهد المَماليك. واليوم نَسْتَحْضِر أرواح كل البطاركة القديسين الـ 18 الذين دُفنوا هنا في سيّدة إيليج، وكل البطاركة الذين تنقَّلوا في بلاد جبيل من إيليج الى يانوح، ومنها الى أكثر من ستة مراكز كانوا فيها حاملين عروشهم على ظهورهم وقضيتهم في قلوبهم، وفي فكرهم الإيمان المسيحي".

 

إن البادئ بانشاء دير سيّدة إيليج  كان البطريرك بطرس الأول (1121-1130) من سمار جبيل، كما جاء في الكتابة المحفورة فوق عَتَبة الشبّاك الشمالي حَسبَ ما ورد أعلاه. وقد ورد أيضاً ذِكر هذا البطريرك بطرس في حاشية على الصفحة 262 من الكتاب السرياني السابع الذي نقله السِمعاني الى المكتبة الفاتيكانية وهذا تعريب الحاشية المذكورة : " أنا الحقير الراهب سمعان كَتَبتُ هذه الأسطر في هذا الكتاب الذي نسخته لأبينا الطوباوي بطريركنا مار بطرس الساكن في دير ميفوق المُقدَّس في وادي إيليج من عمل البترون الى أن أمرني بأن أكون رئيساً وناظراً في أرض كوزبند بجزيرة قبرس ...". والكتاب الذي دُوِّنت عليه هذه الحاشية يَتَضَمَّن نسخة عن ميامر مار يعقوب السروجي مُزينة بالصُوَر، وكان لا يزال في قنّوبين في أيام الدويهي، وقد نَقله السمعاني الى الفاتيكان حيث لا يزال مُصاناً هناك. وفي هذا العَهد كان بودوان الثاني ملكاً على أورشليم. وفي خلال هذه الفترة، أي في العام 1124 تحديداً، سقطت صور في أيدي جند أورشليم الصليبيين، وعام 1129 هاجم الصليبيون دمشق للمرة الأولى.

 

أمَا البطريرك الذي عقب بطرس الأول هذا فهو غريغوريوس الحالاتي (1130-1141) من بلدة حالات في بلاد جبيل، وقد سكن في إيليج، وأوفد اليه البابا إينوشانسيوس الثاني(1130-1143) الكاردينال غوليلموس في سنة 1130، وفي عهده حصل مَقتل بوهيمون الثاني ملك أنطاكية الذي قام على عرشها من 1126 الى 1130. وإذ كان الصليبيون في عهده، أي في العام 1136، على خلافات داخلية في ما بينهم، فقد حاول هذا البطريرك إقامة حوار مع العرب ولم يعترض على نفاذهم الى الساحل.

 

وبعده جاء البطريرك يعقوب الراماتي (1141-1151)، من بلدة رامات في بلاد البترون، الذي في أيامه تُرجم الإنجيل الى اللغة العربية على يد القَس عبدالله ابو الفرج المعروف بإبن الطبيب. وقبل نهاية ولايته، اي في 1150، نُقل قِسماً من ذخائر القديس مارون الى ايطاليا لحمايتها هناك...

 

وجاء على أثره البطريرك يوحنا السابع المعروف بيوحنا اللحفدي (1151-1154)، وسوف نتكلم عنه في سياق التكلم عن دير مار الياس لحفد حيث سكن. وخلفه البطريرك بطرس الثاني (1154-1173) الذي ذكره السمعاني، وكان الخامس من البطاركة الذين سكنوا إيليج.

 

وجاء من بعده البطريرك بطرس الثالث (1173-1189).. تبعاً لما ذكرته "الموسوعة الحرة" التي تذكر أسماء البطاركة الموارنة الذين تعاقبوا خلال الحقبة الصليبية (1099-1305)، وهو قد ذكره السمعاني أيضاً في عداد بطاركة إيليج. وكان خَلَفَهُ البطريرك بطرس الرابع (1189- 1199) الذي نعرفه عن طريق السمعاني كذلك، فتولّى من حين وفاة سلفه الى العام 1199، وسكن ايضاً إيليج.

 

ولكن، هنا مع بطرس الرابع، يُطالعنا إسم بطرس اللحفدي الذي يُعتقد أنه بطرس الرابع نفسه، وهو الذي زار، سنة 1182، بطريرك أنطاكية اللاتيني إيمريك وأفهمه أن الموارنة هم طائفة كاثوليكية قديمة مؤلفة من الذين لم يتبعوا بِدعةً قط، وقد أنجدوا الصليبيين على الأعداء في زحفتهم الأولى (1096-1099) وزحفتهم الثانية (1147-1149)، ورغب اليه ان يُقدّم خضوعهم وطاعتهم وإحترامهم للكرسيّ الرسولي. فإطَّلع على ذلك ولهلم أسقف صور على اللاتين، فأثبت هذا الحادث في تاريخه بِصِفة رجوع الى حُضن الكنيسة الرومانية على عادة الإفرنج في كتاباتهم عن عوائد بلادنا. (عن مجموعة البيَّنات المارونية، العدد 23). وشهد عَهد هذا البطريرك حصول الحملة الصليبية الثالثة في العام 1189. وعام 1191 إستولى ريكاردوس على قبرص، كما إستعاد، في العام نفسه، الصليبيون عكَا، فكان بطرس اللحفدي أيضاً من عداد البطاركة الذين تعاقبوا خلال الحقبة الصليبية، وبعد وفاته بسنة، اي في العام 1192، عُقِدَ الصلح ما بين صلاح الدين الأيوبي وريكاردوس.

 

والبطريرك الذي خلفه كان إرميا العمشيتي (1199-1230) الذي طالت بطريركيته مدة 31 سنة، وقد ذكرناه في مَعرَض ذِكرنا البطاركة الذين سكنوا يانوح.

 

وتذكر نشرة "سيّدة إيليج" أن مَن جاء بعد البطريرك إرميا العمشيتي كان البطريرك دانيال الشاماتي (1230-1239) الذي انتُخب في دير سيّدة إيليج في ميفوق، ولكنه أضطرَّ الى مغادرته بسبب الحروب والفتن المَملوكية، فإنتقل أولاً الى دير مار قبريانوس ويوستينا (كفيفان)، ثم الى دير مار يوحنا مارون (كفرحي). وحَسَب الدويهي أنه في سنة 1236 كان مُقيماً في دير مار جِرجِس الكَفر (جبيل)، جاعلاً إنتقاله الى دير القديس مارون كفرحي بعد نقل الكرسيّ البطريركي الى دير مار جرجس الكفر، بينما تقول نشرة "سيّدة إيليج" انه من سنة 1236 الى 1239 (سنة وفاته) كان قاطناً في دير مار جِرجِس الكفر حيث مات ودُفن.

 

أمّا البطريرك يوحنا بطرس الجاجي (1239-1245)، الذي جاء على أثر الشاماتي، فقد أنتُخب في دير سيّدة إيليج وأقام فيه لفترة، ومن ثم إنتقل الى دير سيّدة يانوح، وعاد من بعد الى إيليج.. ليعود فيقيم ويموت ويُدفَن في يانوح، أمّا نشرة "سيّدة إيليج" فتقول انه إنتُخب ومات في إيليج.

 

وتتابع هذه النشرة قائلةً:" وكان خليفته البطريرك سمعان بطرس (أو شمعون الرابع) (1245-1277) حسب رواية البطريرك مسعد (1845-1890)، الذي لم يُنتخَب في إيليج ولم يَسكُن فيها، بل أنتُخب في دير سيّدة يانوح، وسَكَنَه وتوفّي فيه. وكان بعد سنة على إنتخابه قد أرسل البابا اينوشنسيوس الرابع (1243-1254) الأب لورنسيوس الفرنسيسكاني زائراً رسولياً الى الطائفة والشعب الماروني. وفي عهده قرَّر ملك فرنسا لويس التاسع، عام 1270، قيادة حملة صليبية جديدة الى الشرق، فإستعدَّ عشرون ألف مُقاتل ماروني لمُلاقاتِها بِصِفة نَجدَة لمعاونة الملك لويس في حربه ضد حاكم عكّا، وكان قائدهم الأمير سمعان، ولكن بِسبب تفشّي وباءٍ قتّال بين جنود الحملة لم تُكْمِل طريقها الى القدس. وكان الملك قد كتب رسالةً الى الأمير سمعان وُجدت مَحفوظةً في خزانة الكرسيّ البطريركي في دير قنّوبين مُترجمةً عن الأصل اللاتيني الى الفرنسية والعربية، أما الأصل فكان قد فُقد مع ما فُقد من اوراق الكرسيّ البطريركي.

 

وكان خليفة سمعان بطرس البطريرك يعقوب الثاني (1277- لم يُحدد تاريخ وفاته).. الذي سكن دير سيّدة إيليج وجدَّده.

 

وبعده جاء البطريرك دانيال الحدشيتي (1278-1282) الذي دامت بطريركيته حوالي خمس سنوات، بينما يشير البطريرك بولس مسعد الى إنها إمتدت لمدة ثماني سنوات. وهذا البطريرك هو من حدشيت في جِبَّة بشرّي، وقد سَكن في إيليج، وفي عهده وصلت حملة المماليك، بقيادة الملك الظاهر الى طرابلس، فَتَصَدّى لها الموارنة الهابطون من جِبالهم وأوقفوا تقدُّم المماليك الى جبل لبنان. فأعاد هؤلاء الكرَّة، فلم يتمكنوا أيضاً من التقدم. فوجَّهوا، في اوائل سنة 1282، حملة كبيرة على جبل لبنان بقيادة السلطان قلاوون، ولاقاه حسام الدين من دمشق وحاصروا جبَّة بشرّي، وإجتاحوا حصرون والحدث، وكذلك حاصروا الموارنة المُتحصنين في إهدن بقيادة البطريرك دانيال، الذي كان يقود المقاتلين الموارنة بنفسه مدةَ اربعين يوماً، ولكنهم لم يتمكنوا من إقتحام إهدن إلاّ بالحيلة، فقبضوا على البطريرك وقتلوه ودُفن في إيليج، وكان ذلك سنة 1282. وقد كتب الدويهي عن ذلك قائلاً: "سنة 1283 قاد البطريرك الحدشيتي رجاله وقاوم جيوش المماليك عندما زحفت على جبَّة بشرّي، وإستطاع ان يوقف هذه الجيوش أمام إهدن أربعين يوماً، ولم يتمكنوا منها إلاّ بعد ان أمسكوا البطريرك بالحيلة".

 

 ويقول إبن الحريري في "تاريخ 1300": "لم يتمكن المماليك من أن ينتزعوا طرابلس من أيدي الصليبيين إلاّ بعد ان أجهزوا على مُقاومة حُلفائهم الموارنة. ففي سنة 1283 صدَّ رجال البطريرك دانيال الحدشيتي جيوش المماليك عندما زحفت على جبَّة بشرّي وأستطاعوا ان يوقفوا الجيوش أمام إهدن أربعين يوماً، ولم تتمكن الجيوش من إحتلال المنطقة إلا بعدما أمسكوا البطريرك بالحيلة، وكان القَبض على البطريرك أعظم من إفتتاح حصن او قلعة".

 

والقاضي محيي الدين أبو الفضل بن عبد الظاهر يُسمّي هذا البطريرك "بطريرك الحدث"، وقد روى خبر إمساكه والقضاء عليه كما يلي:  ذكر إمساك بطرك الحدث من بلاط طرابلس إتفق أن في بلاط طرابلس بطركاً عتا وتَجبَّر، وإستطال وتَكبَّر، وأخاف صاحب طرابلس وجميع الفرنجية، وإستغوى أهل تلك الجبال وأهل تلك الأهوية من ذوي الضلال. وإستمرَّ أمره حتى خافه كل المجاور. وتحصَّن في الحدث، وشمخ بأنفه، وما قدر أحد على التحيُّل عليه.. من بين يديه ولا من خلفه، ولولا خوفه من سَطوَة مولانا السلطان لخرَّب تلك البلاد، وفعل ذلك او كاد. فإتفق ان النواب ترصَّدوه مراراً فما وجدوه. فقصده التركمان في مكانه وتحيَّلوا عليه حتى أمسكوه وأحضروه أسيراً حسيراً، وكان من دعاة الكفر وطواغيهم، وإستراح المُسلمون منه وأمنوا شرَّه، وكان إمساكه فتوحاً أعظم من إفتتاح حصن او قلعة، وكفى الله مكره".

دُفن هذا البطريرك في دير سيّدة إيليج سنة 1282، وقد بَنَتْ سالومي إبنة الخوري باسيل البشرّاوي كنيسة مار دانيال في حَدَث الجِبّة على إسم البطريرك دانيال.

 

يُلاحَظ أن الدويهي وإبن الحريري يجعلان سنة زحف المماليك على جبَّة بشرّي وإمساكهم البطريرك دانيال هي السنة 1283 لا 1282. وقد ورد في مخطوط عن البطريرك دانيال: "دانيال من قرية حدشيت، وصورته مرقومة في كنيسة قريته. وفي سنة 1283 ثارت نيران الحروب في بلدة فونيقي ما بين النصارى والمسلمين، وهجم سيف الدين قلاوون على جِبَّة بشرّي فملكها، ثم أعقبه لوقا من بنهران". وقد ورد إلتباس في هذا المخطوط ما بين دانيال من شامات ودانيال من حدشيت.

 

وتعريفاً بهذا البطريرك الشهيد نورد أنه الثاني من البطاركة باسم "دانيال"، والبطريرك الخامس والثلاثون من البطاركة الموارنة. وقد ثبَّته البابا نقولا الثالث (1277-1280) سنة 1280، وأمره بأن يتخذ الميرون من زيت الزيتون ومن دهن البَلسَم لا غير، وكان المَيرون من قَبل يُتَّخذ من إثنتي عشرة مادة من انواع الزيوت والطيوب.

ولكنَّ التواريخ تذكر أن مَقتَل البطريرك الحدشيتي أدّى الى إنتهاء الإنقسام الذي حصل بين الموارنة في ذلك الزمن بحيث كان هناك بطريركان معاً: البطريرك الحدشيتي، ومُقابله بطريرك آخر باسم لوقا من بنهران (1282- لم تحدد سنة وفاته)، وسنتكلم عن ذلك مفصَّلاً في سياق عرضنا لدير سيّدة ديرونا برحليون. ويتبيَّن من ذلك ان مقتل البطريرك الحدشيتي أعاد الى الموارنة وحدتهم الكنسية بإنتخاب البطريرك إرميا الدملصاوي (1282-1297) الذي سنتكلم عنه في سياق كلامنا عن دير مار جرجس- حالات المقدّس.

 

وهنا، في سلسلة البطريرك مسعد (1854-1890)، أن مَن عقب البطريرك الحدشيتي كان لوقا (1282- لم تحدد سنة وفاته) من قرية بنهران ، وهو لم يُنتخب في إيليج ولم يَسكن فيها. ثم كان البطريرك إرميا الدملصاوي (1282-1297) الذي أنتُخب في دير حالات المقدّس وسَكَن في دير سيّدة إيليج وبقي فيه حتى مات سنة 1297.

 

ثم خلفه سمعان (1297-1339)، وسمعان هذا، المدعو شمعون الخامس (1297-1339)، سكن في إيليج خلفاً للبطريرك إرميا الدملصاوي المتوفى سنة 1297، وفي عَهده بدأت أفظع حملة تنكيل جرَّدها المماليك على الموارنة، وبِشكل لم يَعرَفه التاريخ الماروني من قبل. وفي سنة 1302 وجَّه المماليك حَملة على جبل لبنان، فواجههم الموارنة بقيادة مقدّميهم: خالد مُقدّم مِشمش، سنان، وأخوه سليمان، مُقدّما إيليج، سعاده وسركيس مُقدّما لِحفد، عَنتر مُقدّم العاقورة، بنيامين مُقدّم حَردين، وعند مدخل جبيل كانت الموقعة الرهيبة التي قُتل فيها حمدان قائد جيوش المماليك. يُذكَر أن وهذا الحَبر، قبل أن يُصبِحَ بطريركاً، كان أسقفاً على جزيرة قبرص.

 

وقد خلفه البطريرك يوحنا العاقوري (1339-1357)، الذي لا معلومات عن كيفية إدارته الكرسيّ البطريركيّ ولا عن الأحداث التي جرت خلال مدّة حبريّته او الإنجازات التي حققها.. وذلك في غياب المستندات العائدة لذلك. ويُذكر ان البطريرك بولس مسعد (1854-1890) أورد أن البطريرك جبرائيل حجولا (1357-1367) هو الذي خلف شمعون الخامس (1297-1339)، بينما أن البطريرك حجولا هو الذي خلف البطريرك يوحنا العاقوري (1339-1357). وهذا البطريرك، جبرائيل، تُجمع السلسلة والنشرة المذكورتان على أنه مات سنة 1367، وان ذلك كان حرقاً خارج مدينة طرابلس، اذ ألقي القبض عليه وسيق الى هناك فَذَهَب شهيداً، ودُفِن حيث أُعدِم عند الإسوار الخارجية للمدينة. ولكنَّ الأب يوحنا خليفة، مدير مجلة "الميناء"، يقول في مقالٍ له في هذه المجلة أن جيوش المماليك، بعد أن أحرقت وادي إيليج وقت القداس، ذَبَحَت الرهبان والبطريرك حجولا  ذبح النِعاج على قدمَي مذبح العذراء.

 

ويقول الدويهي في "تاريخ الازمنة": "سنة 1367 أُحضر البطريرك جبرايل من حجولا، حَيثُ كان مُستَتِراً زمنَ الاضطهاد، وإقتيد إلى طرابلس وأُحرق حيّاً، وقَبرَه لا يزال في باب الرمل في مدخل المدينة". 

وورد في المخطوط العينطوريني أن "والي طرابلس قَبَضَ على البطريرك جبرايل حجولا، من أعمال جبيل، في أول نيسان وأمر بِحَرقِه عِندَ جامع طينال، في طرابلس، لأنه أُتهم بتهمة باطلة وهو بريء منها... كان رجلاً قديساً... وإلى اليوم قبره تَخرُج منه الأشفية إلى كلّ مَن طلب شفاعته، وقد إتخذه المسلمون لهم مزاراً، وأقاموا له هيكلاً ويسمّونه الشيخ مسعود".

 

أمّا محمد كامل البابا، مؤلف كتاب "طرابلس في التاريخ"، فيقول ان إلقاء القبض على البطريرك حجولا كان بأمرٍ من الملك الناصر لإتهامه بعدم قطع صلاته بالصليبيين... حيث قُبض عليه وإقتيد الى طرابلس وقُتل حرقاً قرب جامع طينال، مضيفاً أنه "لا ريب بأن حَرِق الإنسان تَنهى عنه الشريعة، ويَمنَعَه الدين، وينافي تعاليم الإسلام". لا بُدَّ من الإشارة الى ان قبره هذا، بجانب جامع طينال، لم يعد له أثر...     

 

وقد سَمّاه البطريرك بشارة بطرس الراعي عام 2011، خلال عِظة توليه السدّة البطريركية، "البطريرك الشهيد الذي سلَّم نفسه لوالي طرابلس المَملوكي فديةً عن الإساقفة والرهبان والأعيان المُعتقَلين.. وأُحرق بالنار في ساحة المدينة 1367".

 

وفي سِلسِلة البطريرك مسعد (1854-1890) انه "صُيِّر بعده داود المكنّى يوحنا (1367-1404) وقطن دير مار سركيس القرن في أرض حردين من عمل بلاد البترون"، أي لم يكن له علاقة بدير إيليج. إنما جاء بعده، تتابع السِلسِلة، "يوحنا (1404-1445) من قرية جاج من عمل بلاد جبيل وسكن دير سيّدة ميفوق" (اي دير سيّدة إيليج)، وهو مَن تَذكُرَه نشرة "سيّدة إيليج" على انه "يوحنا الجاجي الثاني"، وقد أنتُخب في هذا الدير سنة 1404.  ويُذكر أن هذا البطريرك كان يُهيم بِحُبّ العذراء، فأمر بفتح نافذة في غرفته تَطُّلُ على الكنيسة، فَيُشاهِد منها على الدوام صورة العذراء القائمة فوق المذبح الكبير، وقد شَيّد درجاً ينزل الى صَحن المَعبد لا يزال الى الآن موجوداً. لكنَّ هذا البطريرك لم يَلبُث أن هَربَ هو أيضاً، والسبب أنه أوفد من قِبَله ممثلاً الى مجمع فلورنسا سنة 1437، فغاب هذا المُمثل مدّة ثلاث سنوات، وعاد بعدها الى لبنان حاملاً الباليوم الى البطريرك ورسالة من البابا اوجانس الرابع (1431-1447)، فأرسل البطريرك حاشيةً كبيرةً جداً لإستقباله. فَتنبَّهَ السُلطان المَملوكي أبو سعيد ضاهر الجقمق لذلك، ولَمّا عَرف أن البطريرك أرسل من قبلِهِ مُمثلاً الى المجمع الفلورنسي أصدر أوامره الى والي طرابلس بإضطهاده. فأرسل هذا فرقةً الى وادي إيليج للقبض على البطريرك، ولكنه كان قد إنسحب الى وادي قنّوبين، فذَبَح الجيش فريقاً من الرهبان وأحرِق المعبد.

 

وكان ذلك في سنة 1440 ، فكان بذلك آخر البطاركة الذين سكنوا دير سيّدة إيليج، إذ به كانت نهاية إقامة البطاركة الموارنة هناك. وكان أول بطريرك سكن في قنّوبين، فَدَشَّن عهد إنتقال البطاركة الى هذا الكرسيّ الجديد، وقد رقد بالرب هناك سنة 1445.

 

وفي سنة 1766 تَسَلَمَت الرهبانية اللبنانية المارونية المَعبَد والدير من الأمير يوسف شهاب، فَرمَّمَت ما إنهدم منه وَجَدَّدَت البناء عام 1786، وأصبح الدير مُصنفاً كموقع أثري في تسعينات القرن الماضي على أثر رسائل متبادَلة جرت خلال السنوات 1945-1950 ما بين رئيس الدير في ذلك الحين الأب نعمة الله خوري الكفروني والأمير موريس شهاب مدير عام مديرية الآثار في لبنان.

 

أمّا كيف آلت مُلكية دير وكنيسة سيّدة إيليج الى الرهبانية اللبنانية المارونية؟:

 

في سنة 1768 ملّكه الأمير يوسف شهاب الى دير ميفوق التابع للرهبانية اللبنانية المارونية كما جاء في صك الوثيقة: "سبب تحريره هو أننا مَلَّكنا إيليج من توت وبيوت في جميع تخومها ويُعرف بها من ماء وهواء ودائر الى دير سيّدة ميفوق، ويكون هذا المَوضِع ملكاً للدير المذكور من جملة أملاكه وقفاً خالصاً لا مردَّ فيه ولا معاد، خالص من الكره والعناد. ولمّا تمَّ الحال على هذا المنوال، حَرَّرنا لهم هذه الحِجَة بيدهم لأجل البيان، وحين يَجري الديموس في بلاد البترون نديمس هذا الدير بنسبة أملاكه الموقوفة بموجب الحجة التي منا بيدهم ويرتفع الحكر عنهم. وإذا أرادوا يطيلعوا شركات الى الموضع يعطوهم حقّهم أي رباعهم بثمن مسطرة البلاد.

تحريراً في سنة 1181 هـ ، توافق مسيحية سنة 1768.  يوسف شهاب"