سيّدة يانوح

في البَدء لا بُدَّ من مُقدمة تُبَيّن لماذا أصبَحت يانوح مقراً للبطاركة الموارنة، وذلك إستناداً الى نَبذةٍ كَتَبَها السَيّد نبيل يوسف، فَقال بَعدَ أن عَدَّد البطاركة الثلاثة الموارنة الأُوَل الذين سَكنوا دير مار يوحنّا كفرحَي: "البطريرك الماروني الرابع يوحنا مارون الثاني الذي حاول العَودَة الى أنطاكية لإعادة ملء كُرسيّها الشاغر، لكنَّ العَرَب المُسيطرين على تلك النواحي حالوا دون ذلك، فعاد الى جبل لبنان، ولم يَسكُن دير كفَرحَي بل صَعِد الى دير سيّدة يانوح قُرب العاقورة في أعلى بِلاد جبيل وأقام فيه، فإنتقلت البطريركية المارونية الى هُناك 

 

وتابَعَ: "سَبَب إنتقال البطريرك الماروني الى يانوح مُرَدُّه الى بُعدها عن المناطق الساحلية المُسيطَر عليها من قِبَل العَرَب، ومن الصَعب جداً على الخيول العربية الصعود الى قِمَم جبل لبنان، على عَكس كفرحَي المُمكن إقتحامها من قِبَل الجيوش الإسلامية".

 

أما الدويهي فيقول أن يانوح كانَت المركز المُفضَّل عند يوحنا مارون لأنها "كانت من أشرف المجالِس في جِبَة المنيطرة وأهلها كثيرو العِبادة والغيرة".

 

ونَقَع على تفسيرٍ آخر لإختيار يانوح مركزاً بطريركياً بعد كفرحَي، وهو أنه يَسهُل العبور إليها من ناحية سوريا والبقاع عِبرَ مَمَرَّي العاقورة والمنيطرة، كما يُسَهِل منها إتصال السلطة المارونية، أي البطريركية، بأتباعها وأبنائها في سوريا. وهنا نَجِد ما يُزكّي كلام نبيل يوسف المذكور أعلاه، وهو أن من أسباب إختيارها مقرّاً بطريركياً موقعها الجغرافيّ البعيد عن الساحل لجهة البحر، والآمن وراء سِلسِلة جبال المنيطرة لجهة الشرق، مما يؤمّن لهذا الموقع حماية طبيعية يصعب معها الوصول اليه بسهولة.

 

لذا إنتقل البطاركة الموارنة الى يانوح في جبال لبنان الوَعِرَة المَسالِك والقليلة المَوارِد، وإرتضوا العيشة البسيطة، وراحوا يَعمَلون على تركيز المُجتمع الديني، يُحافظون فيه على مُعتقدهم وكيانهم وحُرّيتهم ودَيمومة إتحادهم مع روما .. كما ذَكَر جورج عساكر في كتابه عن "يانوح".

 

وهكذا يُجمع المؤرِّخون على أن يانوح كانت المَقرَّ الثاني للبطاركة الموارنة بعد كفرحَي، وإن السنة 750م كانت سَنة إنتقالهم اليها، وإنهم أقاموا فيها ما يزيد على 500 سنة بصورة شبه متواصلة حتى العام 1277.

 

لذلك يَنعتون سنة 750 بأنها "جَعَلَت من يانوح المقرَّ الثاني لهم (للبطاركة) بعد مَقَرّهم الأول في دير مار مارون كفرحي، البترون".

 

نَفهَم من ذلك أن هذا الإنتقال كان مُباشراً من كفرحي الى يانوح، ونَحنُ نَعرِف، كما ذكرنا في النبذة عن دير مار يوحنا مارون كفرحي، أن هذا الدير كان المقرَّ الأول للبطاركة الموارنة في لبنان، وأن بانيه كان البطريرك يوحنا مارون الأول لمّا كان مُطراناً على البترون، ثم جَعَلَهُ مَحَلَّ إقامته لمّا أصبح بطريركاً.

 

يقول الدويهي حرفياً، في "سِلسِلة بطاركة الطائفة المارونية"، ص 13،14،15: "كان في ذلك العَصر جالساً على تَخت مَمْلَكة الروم يوستينيانوس آلاخرم، فأطغاه عدوُّ الخير حتى إستمال عقله الى زعم رؤساء الكهنة المُتَمَسكين بِمَشيئة واحدة، فأنشأ الإضطهاد على سركيس صاحب الكُرسيّ الروماني، ولأجل ذلك إضطُرَّ البطريرك يوحنا أن يَنتَقِل من أنطاكية الى دير مار مارون في سورية على نهر العاصي، ومن هناك الى سمار جبيل في البترون".

 

ولكنَّ هذا القول للدويهي يَتَناقَض مع ما أجمع عليه المؤرِّخون من أن يانوح كانت المقرَّ البطريركيَّ المارونيَّ الثاني بعد كفرحي، ومع ما قاله نبيل يوسف. فإن النَبذَة التي صاغها هذا الأخير تلقي ضوءاً على الأمر بقوله:" عند إنتخابه حاول البطريرك مار يوحنا مارون التوجه الى شمال سوريا، لكنه لم يستطع البقاء هناك طويلاً، فعاد الى جبل لبنان حاملاً معه هامة القديس مارون، وجَعَل كُرسيّه في دير كفرحي في وسط منطقة البترون، وإستمرَّ في إدارة شؤون رعيَّته من دير كفرحي، وكان في بعض الأوقات يَنتَقِل الى قَلعَة سمار جبيل في منطقة البترون حتى وفاته سنة 707".

 

أجل، ما زال يوحنا مارون يُجاهِد حتى أكمل سَعيه سنة 707 ودُفن في دير مار مارون في كفرحي، وخَلَفَهُ إبن أخته كوريوس او كيروس او كورش، ثم عَقَبَهُ في الرئاسة على كُرسيّ أنطاكية جبرائيل على ما وَجِدَ في النِسَخ القديمة، ومن بعد جبرائيل صُيِّر يوحنا الذي تَكَنّى هو أيضاً بإسم "مارون" وتَرهَّب في دير مار مارون على نهر العاصي، وقد كَتَب عنه إبن القلاعي قائلاُ:

 

"وبعده قام مارون تاني

من الدير الربّاني

معلّم شاطر ملفاني

يُدعى يوحنا البارّ

جاء ليانوح بطرك كان،

وسكنه في جبل لبنان"

 

هذه الشهادة واضِحَة بأن يوحنا مارون الثاني لم ينتقل الى لبنان إلاّ لمّا أصبح بطريركاً: "جاء ليانوح بَطرك كان"، ويؤيّدها ما نقله الخورأسقُف يوسف داغر عن السِمعاني وهو "أن يوحنا مارون الثاني كان من رُهبان دير مار مارون العاصي، ولمّا أقيم بطريركاً قَصَد السَكن في أنطاكية، لكنه لم يَستَطِع اللإقامة فيها لمناوأة العرب له، فجاء وسكن في لبنان، في دير سيّدة يانوح، في جبَّة المنيطرة قُرب العاقورة".

 

والدويهي نفسه، في ما نُقل عنه من كتاب "تاريخ الأزمنة"، ص 50، يقول:" بَعدَ جبرائيل، البطريرك الثالث في كفرحي، أقيم يوحنا مارون "الثاني" بطريركاً، فحاول العودة الى أنطاكية والإقامة فيها، لكنه لم يَستَطِع ذلك لمناوأة العرب له، فَمَضى الى لبنان وسكن في سيّدة يانوح في جبَّة المنيطرة".

 

"مَضى الى لبنان" وليس "عاد الى لبنان"، فـ"عودته" الى أنطاكية اذاً كانت من دير مار مارون العاصي في سوريا وليس من لبنان.

 

وهذا ما لاحَظ عليه مؤلف كتاب "يانوح، مَقَرّ البطاركة الموارنة" جورج عساكر في كتابه هذا، ص 36، فقال:" لم يُقِم البطاركة الموارنة أصلاً في أنطاكية، فكيف يورد الدويهي هذه المُحاولة ليوحنا مارون الثاني؟ ربما لأن مَركَز بطريرك أنطاكية أساساً كان في أنطاكية، فحاول يوحنا مارون العودة الى مركز البَطرَكية لكنه لم يَستطِع بِسَبَب العَرب والبيزنطيين"، اي إن ما دعاه الدويهي "عودة" لم يَكُن عودة للبطاركة الموارنة الى كُرسيّ كانوا فيه ثم نزحوا عنه، لأنهم منذ بطريركهم الأول يوحنا مارون الأول أقاموا في لبنان، بل عَودة الى كُرسيّ بطريركية أنطاكية قبل نشوء الطوائف... الذي كان يَتبَع له مَسيحيو هذه المَنطقة جَميعهم ما عدا التابعين لكُرسيّ أورشليم. ولكنَّ هناك سؤالاً يُطرَح: ذُكر أن يوحنا مارون الثاني كان من رُهبان دير مار مارون العاصي، ولكنَّ هذا الدير قد خَرُبَ منذ عهد يوحنا مارون الأول الذي إنتقل الى لبنان بسبب ذلك، إذ نقرأ في كتاب "مدرسة دير مار يوحنا مارون- كفرحي" للدكتور جان نخول: " وَقَع الإختلاف بين البطريرك يوحنا مارون وبين مَلك القُسطنطينية حول طبيعة السيّد المسيح، مِمَّا إضطُرَّ البطريرك الى التوجه نحو دير القديس مارون الذي ربيَ فيه على نهر العاصي، لكنَّ جَيشَ المَلك تقدَّمَ نحو سوريا سنة 694 وهَدَم دير القديس مارون وَقَتَل المئات من رهبانه، وأمّا البطريرك يوحنا مارون، فَقَد بنى دير مار مارون في كفرحي لكي يكون إستمراراً لدير مار مارون الواقع على نهر العاصي والذي تهدَّم". فكيف يكون يوحنا مارون الثاني من رهبان هذا الدير عندما إنتُخب بطريركاً وهو جاء رابعاً بعد ثلاثة بطاركة تَهدَّم الدير في عَهدِ أولهم مِمّا حَمَلَه على المجيء الى لبنان؟، وهل بَعدَ مَقتل المئات من رهبانه ظلَّ فيه آخرون ولم يهجروه وهو الذي لم يعد موجوداً إذ أصبح رُكاماً؟!

 

هذا ما وُجِبَ أن نَلفُتَ اليه قبل أن ننتقل للحديث عن مجيْ البطاركة الموارنة الى يانوح، مُمَهّدين لذلك بإعطاء صورة عن البلدة وموقعها والآثار التي فيها.

تقع بلدة يانوح، في بلاد جبيل، على سَفح جبل المنيطرة بين قريتَي قرطبا والعاقورة الجبليَّتين، على الضِفَة اليمنى لوادي نهر ابراهيم، وتعلو 1200 متر عن سطح البحر، كما تبعد 94 كلم عن العاصمة بيروت، وبضعة كيلومترات عن بلدة قرطبا

 

وإسمها آراميّ، ويعني "واحة راحةٍ واطمئنان". وهي بلدة أثرية توالت على أرضها الحضارات الفينيقية والرومانية ثم البيزنطية. ومَزار يانوح يَعود للحَقبة الفينيقية، ويَقع في مُنتصف الطريق بين بيبلوس (جبيل)، وهليوبوليس (بعلبك)، وهو الطريق الروماني الشرقي  أحَدُهما يتجه نحو أفقا جنوباً، والثاني يذهب شمالاً نحو العاقورة، ويلتقي المَساران عند اليَمّونة ومنها نحو دير الأحمر، وعلى هذا المَسار تبدو آثار لأنصابٍ ومَدافن. ويَذكر الفرنسي إرنست رينان أن مَمَرَّ العاقورة هو مِن أقدم الطُرُق في العالم، ولَعَلَّه كان مَمَرَّ الغُزاة القادمين من الشرق نحو فينيقيا. وفي بداية المَمرّ المُمتدّ من العاقورة الى اليمّونة، في الموقع المعروف بإسم "دَرجة سِمعان" نظراً لوجود كنيسة بمحاذاة المنحدر الصخريّ، تَحمِل إسم مار سمعان، تبدو محفورةً في الصخر درجات واسعة. وقد إحتفظ هذا الموقع، على غرار صخور نهر الكلب، بآثار مرور الغزاة، وإحدى العبارات اللاتينية المنقوشة على الصخر تُحَدِّد تاريخ إنشاء هذا الطريق في عهد الأمبراطور دوميثيانوس (81-96).

 

وفي يانوح يبرُز "المَعبد الكبير" الروماني المَبني بِحجرٍ كِلسيٍّ مائل الى اللون الأزرق، مَدخَله لجِهة الشرق، ويحيط به سور من الحجر الرَمليّ.

 

والمَقَرّ البطريركيّ في يانوح مَوروث من العَهد الوَثنيّ، إذ كان هيكلاً لمعبدٍ فينيقيّ تَحوَّل مع الرومان الى هيكلٍ لآلهتهم، ومع المَسيحيين تَحوَّل الى أول ديرٍ مسيحيٍّ في جبَّة المنيطرة. وهذا "التجمُّع المقدَّس"، كما وَرَد ذِكره في "دفاتر العاصي"، أُطلق عليه إسم "مار جرجس الازرق"، وقد عَمِلَت مديرية الآثار اللبنانية على إظهار بعض مَعالِمِه، وتأكدت من بعض خصائصه الرومانية، والكلام بهذا الصَدَد هو لجورج عَساكِر، الذي يعود فيقول إن "ويبير" الذي زار المكان سنة 1850، ذَكَر أنه كان مَعبَداً يونانياً تَحوَّل في ما بَعد الى كنيسة حَسبَ ما تُظهر هندسة رواقه، بينما يَرى الفرنسيّ إرنست رينان أنه كان مَعبداً فينيقياً للإلَهة عَشتروت، ثم تَحَوَّل من بعد الى كنيسة على إسم مار جرجس الازرق. وكيف ما كان الأمر فقد تمَّ تحويل هذا المعبد الكبير الى كنيسة تَحمِل إسم مار جرجس الأزرق نسبةً الى لون حجارة المبنى. أمّا الدكتور لورتيه فيقول أنه بين قرطبا والعاقورة توجد بقايا معبدٍ صغير، يونانيّ فينيقيّ، يِدعوه الأهالي "رايري" او "موغريري". وكَرَم البستاني، الذي تَرجَم فُصولاً من كتاب لورتيه هذا، يُعلِّق بقوله إن هذا المعبد كان مُخَصَصّاً لديانا إلَهة الصيد عند الرومان وإبنة جوبيتير.

 

ويقوم المَوقع الأثري عِند أطراف هضبة مُحرّجة كَشَفَت الإنهيارات التي حَدَثَت فيها عن وجود بقايا أثرية لا سيَّما من عَصر البرونز القديم3 (2007-2400 ق.م)، وعَصر الحديد2 (918-539 ق.م). ويبدو أن موقع يانوح هذا قد شُغِل بصورة متواصلة من القرن الثاني ق.م. لغاية القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين... وفقاً للمعالم الظاهرَة للعَيان. وفي القرون الوسطى، وعلى الأقلّ بدءاً من القرن الحادي عشر الميلادي، إشتهرت يانوح كمقرٍّ قديم للبطريركية المارونية. ويَذكر البطريرك إسطفان الدويهي إن دير مار جرجس الازرق أصبح مقرّاً للبطريركية المارونية ابتداءً من العام 939. ويعود تاريخ بناء أول كنيسة في يانوح الى أوآخر القرن الخامس الميلادي، وكانت تَتَألف من ثلاثة أروقة ذات أعمدة،  وبيت للعماد  في الجهة الجنوبية، وحَنِيَّة ناتئة بشكلٍ نصف دائري، وقد رُصفت أرضيَّتها بالبلاط. وفي ما بعد شَهِدَت الكنيسة تَغيُّراتٍ جَذرية، فَتَحوَّلت الى كنيسة ذات ركائز مبنيَّة وتَوِسَّعت نحو الشرق. ومُحاولة إعادة تكوين المَعبد التي جرت عام 2000 أظهرت وجود واجهة بأربعة أعمدة، في حين أن دراسةً سابقة جرت عام 1938 كانت قد أظهرت واجهةً بعامودين. ويَمتاز مَعبد يانوح بإنسجام طرازه، وتَنَاسُق أبعاده، وإحتوائه على عدة خاصيّاتٍ "رومانية" وقِلّة المعالم "الشرقية" فيه...

 

الأبواب-النوافذ على جانبَي المعبد يُمكن مُقارنتها، لجهة إستخدامها العَمَليّ، بالنوافذ الجانبية الموجودة في عددٍ من معابد الشرق الأدنى. والى الجنوب من المعبد الكبير تبدو بقايا مبنىً صغير من الحجر الكلسي مائل الى اللون الازرق.. يُدْخَل اليه بواسطة دَرَج، وهو يَتَصِف بِمُميّزات المعابد ويُعْرَف بإسم "المعبد الصغير"، مِمّا يُساهم في إدخال موقع يانوح في فئة المواقع الدينية الريفية ذات المَعبَدَين أو أكثر، والتي كانت عَديدة في الجبال اللبنانية وفي الشرق الأدنى إبّان الحقبة الرومانية.

 

وجنوبيّ المَوقَع تبدو آثار بازيليك ذي ركائز ودعائم، وهي تتألف من ثلاثة أجنحة تنتهي بحنايا، أرضها مرصوفة بالبلاط، وهي تعود الى الحقبة البيزنطية الأولى. أمّا بناء الممرّ المؤدّي الى صَحن الكنيسة فقد يكون عائداً الى القُرون الوسطى.

 

كذلك يَعود تاريخ بناء الكنيسة الصغيرة الكائنة شمال المَوقع الى القرون الوسطى (القرنين الثاني عشر والثالث عشر)، وهي تَتألف من جِناحٍ واحد، ولها حَنِيَّة بارزة لجِهة الشرق.

 

ويقول الأستاذ مارون عبود في هذا الصدد في الصفحة 29 من كِتابه "صقر لبنان" ما يأتي:

 

"فالبطاركة الأوَّلون، من البَطرَك الرابع حتى الحادي والعشرين، كان مَقرُّهم في دير سَيّدة يانوح، وكانوا يعيشون عيشة تَقَشُف ونِسك، لا يعنيهم من شؤون الطائفة أكثر مما يعني أعيانها من تدبير الشؤون المدنية... ثُم إنتقل الكرسي البطريركي من يانوح الى مَيفوق وجِوارها حين جَلا عنها الشيخ حُبيش جد الحُبيشيين، حُماة البطريركية في يانوح، وأقام في غزير".

 

كذلك نُضيف ما قاله الدكتور لويس لورته، عَميد مَعهد الطُب في ليون بفرنسا، في الصفحة 261 من كتابه سوريا اليوم"، الذي تَرجَمه الى العربية الأستاذ كرم البستاني، وهو ما يلي:

""كان في يانوح مَعبد "المْغَيرة" أي المغارة الصغيرة، ويقال أنه كان فيها معبد إلَهة الصيد (ديانا) وحُّوِّل الى دير سيّدة يانوح. وكان لِزَمنٍ كُرسيّاً لبطاركة الموارنة ومَدفون فيه أربعة منهم. وسبب إتخاذهم إيّاه كُرسياً إن تلك المنطقة كانت حِمىً لمشايخ الحُبيشيين حُلفاء الحَماديين، فلجأ اليه البطاركة إتّقاءً للاعتداءات. وهو اليوم شبه خِربة، ولا يزال فيه بقايا أبواب وأعمدة تَدُلُّ على عِتقه".

 

ولكن ليس المُهِمّ أن نَعرِف تاريخ بناء هذا المَعبَد وأصله قبل المسيحية، بل ما يَهُمُّنا أن نَعرِفَه هو هل كان هو مقرَّ البطاركة الموارنة عندما إنتقلوا الى يانوح أم كانت كنيسة سيّدة يانوح هي هذا المقرّ؟

 

إستناداً الى كتاب جورج عساكر الذي نوَّهنا به فإن الصَرِح البطريركيَّ في يانوح كان مؤلفاً من أربعة أقسام هي:

 

كنيسة مار جرجس الأزرق (وهي حالياً تُعتبر من المعالم الأثرية والسياحية لكونها ما تزال تضُّمُ أجزاء من المعبد الروماني) التي تعود الى العهد البيزنطي، سُمّيَتْ كذلك لأن لون حجارتها يميل الى الزرقة، وفيها صُلبان بقرنين وأربع أذرع تنويهاً بعقيدة الطبيعتين في المسيح، او بالفضيلتين: الكلمة والروح القدس، او بالقدرتين: رئيس الملائكة ميخائيل، وجبرائيل، لمُرافقتهما أنفس الموتى.

 

كنيسة سيّدة يانوح قد شُيِّدت على إسم العذراء مريم، وهي ذات مداخل وحَنِيَّة نصف دائرية وأروقة، ومزيَّنة بالصُلبان والنقوش. ويقال أنها تعود الى الحقبة الصليبية، وآنذاك ناهز عدد سُكان يانوح 3500 شخص، وبلغ عدد الكنائس فيها 35.

 

كابيلاّ البطريرك.

 

المُلحقات، اي مَقَرّ السَكن والإستقبال، وغُرف المؤونة، والأقبية وغيرها.

وعليه فإن الكنيستين معاً: مار جرجس الازرق وسيّدة يانوح.. يشتمل عليهما الصرح البطريركيّ.

 

يُذكَر أن كنيسة سَيّدة يانوح بَقيت في خراب حتى العام 2016 عندما إتخذ البطريرك الماروني بشارة الراعي قراراً بإعادة ترميمها الذي إنتهى في العام التالي. يُلفت النظر أن إعادة الترميم هذه لم تَشمُل سوى بناء كنيسة صغيرة قياساً الى ما كانت عليه الكنيسة القديمة.

 

وفي رأي آخر أن كنيسة سيّدة يانوح تَرقى الى الجيل السادس او السابع، أنشأها البطريرك جبرائيل او خليفته يوحنا الثاني المعروف بمارون ايضاً، أمّا هندستها فهي صورة طبق الأصل عن هندسة الكنائس المارونية في سوريا، وكانت كُرسيّاً لبطاركة الموارنة منذ الجيل الثامن حتى سنة 1120م. وقد خاطب الباباوات، ببراءاتهم، المقيمين في سيّدة يانوح والقائمين عليها، وهذا نموذج عمّا جاء في هذه البراءات: "إننا نُثَبِّت كراسي المطارنة والأساقفة... ونأمرهم بالخضوع لكُرسيّ سيّدة يانوح، كنيستك ايها الأخ البطريرك المتولّي رئاستها من الله تعالى، وأن يطيعوا لك ولخلفائك".

 

البابا اينوشنسيوس الثالث

لاتران، 1215 من التجسُّد الربّاني

 

 

ومنذ العام 1999 تتابع بعثة أركيولوجية، تَحتَ إشراف جامعة القديس يوسف، أعمال البحث والتنقيب في الجزء الأعلى من وادي نهر ابراهيم ودراسة موقع يانوح.

 

ومؤخراً عُثر في يانوح على عددٍ من قطع العملة القديمة التي تعود الى عصورٍ مُختلفة، وعلى العديد من الحليّ والعقود والخواتم والسلاسل والفخّاريات التي لم يُحافَظ عليها مع الأسف، ولو حُفظت لكانت من الدلائل التي تعين على معرفة أوسع لتاريخ البلدة وتاريخ الطائفة المارونية في تلك الناحية على مدى عددٍ من العهود.

 

امّا بطاركة يانوح فقد أقاموا فيها حوالي خمسماية سنة إمتدَّت ما بين 750م و1277 م. وهذه الحقبة التاريخية تَقَع ضُمن المرحلة المُتوسطة من تاريخ لبنان والمُمتدّة من الفتح الاسلامي سنة 635 الى الفتح العُثماني سنة 1516، وهي من أصعب الفترات التاريخية بالنسبة للكتابة عنها بسبب قلّة المصادر والمراجع. ويضاف الى هذه الصعوبة صُعُوبة أشدّ منها وهي الكتابة عن سِلسِلة البطاركة الموارنة الأنطاكيين في هذه الفترة بالذات، اي منذ نشأة البطريركية المارونية حوالي سنة 685 في القرن السابع وحتى نهاية العصور الوسطى، لأن المؤرخين القدماء والحديثين ما زالوا مُختلفين حول وَضع هذه السِلسِلة إذ لا تُسْعِفُهْم في ذلك مراجع مدوَّنة ثابتة، خصوصاً وأن معظم التاريخ الماروني مُستقى لغاية الآن من مرجعين وحيدين هما زَجَليات إبن القلاعي ومؤلفات البطريرك اسطفان الدويهي. ويرى الأب بولس صفير، حافِظ المَكتَبَة البطريركية سابقاً، بعد بَحثِه وتدقيقه، إن سلاسل الدويهي والسِمعاني والعنيسي هي أقرب الى المستندات التاريخية، مُستنداً الى ان الدويهي إستقى معلوماته من مراجع إكيدة وثابتة، حتى أن آباء المَجمَع اللبناني المُنعقد في دير سيّدة اللويزة سنة 1736 ثَبَّتوا مُعظَم سِلسِلة الدويهي وسَلكوا على آثاره في ذِكر أسماء البطاركة الأولين والسنين التي تبوّأوا فيها كُرسيّ انطاكية. ومع كل هذا فَلَم يَتَمَكَن الدويهي من الوصول الى أسماء جميع البطاركة، لأن بعض الكُتب والمخطوطات الشرقية التي لا تزال مَحفوظَة في مكتبتَي الفاتيكان وفلورنسا لم تكن، كما يبدو، في مُتَناول يَدِه، في حين تَوَصَّل السِمعاني والعُنيسي الى هذه الأسماء من المَصدَرَين المَذكورَين، لَكِن فاتَتهُما أيضاً بعض الأسماء التي تَفَرَّدَ الدويهي بذكرها إستناداً الى ما ذكرنا. لذلك فإن الأب صفير وَضَع سِلسِلة تَجمَع ما بين سَلاسِل هؤلاء الثلاثة، فَطَعَّم سِلسِلة الدويهي بما فاته وجاء به السِمعاني والعنيسي، كما  طَعَّم سِلسِلتيهما بما تخلوان منه ويتوفر عند الدويهي، فيكون عندنا سِلسِلة هي أقرب ما يكون الى الكمال للبطاركة الذين تولّوا كرسيّ سيّدة يانوح وجعلوها مقرّاً لهم على مدى حقِبة طويلة.

 

هذه الحَقَبَة يُقَسِمُها مؤلف كتاب "يانوح، مقرّ البطاركة الموارنة" الى مرحلتين:

 

المرحلة الأولى تمتدّ ما بين 750م و1120م ، والمرحلة الثانية تذهب من 1120م الى 1277م.

 

لماذا حَدَّدَ المَرحلة الأولى ما بين التاريخين اعلاه؟، لأن أولى سنوات هذه المرحلة جَعَلَت من يانوح المقرّ الثاني للبطاركة الموارنة في لبنان بَعدَ مَقَرِّهم الأول في دير مار يوحنا مارون كفرحي، أما سنة 1120 فلأنها السنة التي ترك فيها البطاركة يانوح لأول مرة الى مقرٍّ جديد هو ميفوق، بعد إقامة طويلة مُتواصِلة في يانوح دامت 370 سنة.

 

والبطاركة الذين أقاموا في هذا المقرّ خلال هذه المرحلة هم:

 

يوحنا مارون الثاني، أول بطريرك سَكَن يانوح، ولكن لم يَذكُر المؤرخون مُدَة ترؤس هذا البطريرك لمقام البطريركية ولا سنة وفاته، بل ذكروا أنه "لما قارب الموت جَمَع جميع كهنة جبل لبنان وأقام لهم بطركاً بَدَله يُدعى يوحنا من قرية دملصا من عمل جبيل".

يوحنا الدملصاوي، ترأس بعد يوحنا مارون، وجعله السِمعاني البطريرك السابع والستين بعد مار بطرس والخامس بعد يوحنا مارون الأول، وأنه في عَهدِه التأم مَجمَع نيقية الثاني ضُدّ بِدعة مُحاربي الأيقونات (787) ولم يَتَمَكَّن هذا البطريرك من حضوره.

 

غريغوريوس الأول، السادس بعد يوحنا مارون

إسطفانوس، السابع بعد يوحنا مارون

مُرقس

إوسابيوس، ذكره الدويهي، وسَمّاه السِمعاني "حَوشب"، وقال إن فوتيوس تغلّب في عهده على إغناطيوس بطريرك القسطنطينية

يوحنا الرابع، ذكره الدويهي في سِلسِلته، وأضاف السِمعاني "أنه في عهده تفاقم الخلاف بين الكنيستين الشرقية والغربية بسبب اغتصاب فوتيوس السدًّة البطريركية ، فعُقد المجمع القسطنطيني في السنة 869، ولم يتمكن بطاركة الشرق من حضوره، فأرسلوا قصّاداً من قِبَلهم

يشوع الأول، الذي استغرب الدويهي، في ما يتعلق به ، وجود بطريرك ماروني باسم يشوع، لأن الموارنة لم يسمّوا يشوع "حرمةً لمن فدانا بموته"، الا أنه عاد فأوضح أن أسمه عيسى، الذي يعني بالسريانية يشوع

داوود، ذكره الدويهي في سِلسِلته وكذلك السِمعاني

غريغوريوس الثاني، وفي عهده كانت بلاد الشام في أسوأ حال بسبب إنحطاط دولة العباسيين

توافيليكتوس، ومعناه "حارس الله"، ذكره الدويهي، ودعاه السِمعاني "حبيب"

يشوع الثاني، عُرِّب اسمه الى عيسى

دوميطيوس، عُرِّبَ  "ضوميط"، وفي عهده ظهر المذهب التوحيدي الفاطمي عام 1017

إسحق

يوحنا الخامس ( سِيم في الخمسينات الأُوَل بعد الالف)

سمعان الأول،  الذي يُدعى شمعون الأول ( سيم في الخمسينات الأخيرة بعد الألف)

 

وهؤلاء البطاركة ذكرهم جميع المؤرخين، وأكّدوا انهم أقاموا في جبل لبنان، في كُرسيّ سيّدة يانوح

 

وبعد هذا البطريرك سمعان، السادس عشر في يانوح، ينتقل السِمعاني والعنيسي الى يوسف الجِرجِسي، بينما يتفرَّد الدويهي بذِكر أربعة بطاركة آخرين هم إرميا ويوحنا وشمعون الثاني وشمعون الثالث، فيبلغ العدد مَعَهُم عشرين، ويقول :" هؤلاء الأربعة هم بلا شك موارنة، وتولّوا الكُرسيّ الأنطاكي بعد مجيء الإفرنج الى بلاد الشام، لأن أخبارهم، والسِجِلات البابوية المُرسَلة اليهم، هي الآن مَصونة عندنا". وقد تَفَرَّد الدويهي بذكرهم "إستناداً الى كتاب قديم جداً يَتَضَمَّن الرِتَب لِخِدمة القِداس، وفي قرب أواخر هذا الكتاب مَكتوبةٌ الخدمة التي يقرأها الشَمّاس عندما يَذكر الكُرسيّ الانطاكي". (الدويهي – السِلسِلة).

 

اما البطريرك الحادي والعشرون، والذي يُشكّل آخر البطاركة الذين أقاموا في يانوح في هذه المرحلة الأولى، فهو يوسف الجِرجِسي (1110-1120)، ويقول الدويهي، نقلاً عن إبن القِلاعي، أن البَطرَك يوسف الجِرجِسي هذا كان قاطناً في قرية يانوح، وأنه قَبِل التاج والعصا من صاحِب الكُرسيّ الروماني  مع دِرع التثبيت.

 

ويلتقي السِمعاني مع الدويهي "في أن هذا البطريرك كان سنة 1110 مُقيماً في يانوح، وأنه أرسل الى الحبر الأعظم رسالة أعرب فيها عن شديد تعَلُّقِه بالسِدّة الرسولية، فَحَظيَ منه بجوابٍ مؤرَّخ في السنة 1119"، وهذا الجواب "شَهِد الدويهي بأنه كان في أيامه محفوظاً  في دير سيّدة قنّوبين".

 

وكان الجِرجِسي رجلاً عالماً وغيوراً على العقيدة المارونية، "وفي عَهدِه كان الموارنة أحراراً في إدارة شؤونهم الداخلية الروحية والزمنية برئاسة بطريركهم. وقد حافظ الصليبيون على إمتيازات البطريرك الماروني وإحترموه، اذ رأوا فيه رئيساً دينياً وسياسياً لأمّتهِ ومُمَثلاً لوحدتها الوطنية".

 

كذلك عمل الجِرجِسي على نشر الدين المسيحي في بلاد الشرق، ديناً يُجاهر به أبناؤه ويدقّون الاجراس للدعوة الى الصلاة والقداس الالهي، وهو الذي في عهده إستعمل الموارنة النواقيس بدلاً من آلات الخشب. وقد إستمرّ في رئاسة كنيسته الى العام 1120، لأنه "سنة 1119 كان لا يزال بعدُ حيّاً" كما يقول الخورأسقُف يوسف داغر في مؤلفه "بطاركة الموارنة", أما سنة ومكان وفاته فلم يذكرهما الدويهي، بل أورد أن "سنة 1121 كان الجالس على الكُرسيّ بطرس" ، مِمَّا يعني أن الجِرجِسي توفي سنة 1120. وحسب داغر فإن هذا البطريرك توفي سنة 1120 في دير سيّدة يانوح ودُفن فيه. ويُذكر أنه في أيامه جرت الحملات الصليبية الأولى، ولما سَقَطَت بيروت في أيدي الصليبين بنوا فيها كاتدرائية مار يوحنا التي غَدَت بعد سَيطرة المُسلمين على المدينة الجامع العُمريّ الكبير. وبموت الجِرجِسي تنتهي المرحلة الأولى من إقامة البطاركة الموارنة في يانوح، وتكون المدة التي اقاموها فيها ثلاثماية وسبعين سنة مُتواصلة دون إنقطاع، وقد بلغ عددهم أثناءها واحداً وعشرين بطريركاً".

 

بعد هذه الإقامة إنتقل البطاركة الى ميفوق حسب جميع المؤرخين، ثم الى لِحفد، ثم الى دير سيّدة هابيل، ثم عادوا بعدها الى يانوح سنة 1200م اي بعد غياب دام ثمانين سنة.

 

وهنا، أي منذ سنة 1200، تبدأ المرحلة الثانية، وهي تَمتَدّ ما بين سنة 1200م و1277م، أي 77 سنة ولكن مُتقطعة. أما سنة 1277 فكانت السنة التي ترك فيها البطاركة الموارنة يانوح نهائياً ولم يعودوا اليها مطلقاً. فمَن هم بطاركة هذه المرحلة وكم بلغ عددهم؟

 

 

 

البطريرك الثاني والعشرون في يانوح: إرميا العمشيتي (1199-1230)

 

ثَمَة وجهات نظر مُختلفة حول تاريخ إقامته بطريركاً. ففي إعتقادٍ، أن بدء ولايته كان في العام 1183، وفي إعتقادٍ آخر أنه في العام 1198، والبعض يُضيف سنةً وغيره سنتين على بدء هذه الولاية، فيقول الرأي الأول أنها بدأت في العام 1199، والرأي الثاني أنها كانت سنة 1200، ثم يقفز بدء هذه الولاية عند آخرين الى العام 1209، ولكنَّ الجميع يتَّفقون على أن نهايتها كانت في العام 1230م.

 

وأصحاب أهَمّ هذه الآراء هم: المُطران يوسف الدبس، وهو يعتبر أن ولاية هذا البطريرك بدأت في العام 1183، أي بعدَ حصول الوفاق بين الفريقين المختلفَين من الموارنة بسنةٍ واحدة أو بِبِضعة أشهر. غير أن الصليبي يَجعَل إقامَتَهُ بطريركاً سنة 1198. والمُطران بطرس ديب يقول، في كتابه بالفرنسية "تاريخ الكنيسة المارونية"، إن تاريخ إقامته بطريركاً هو سنة 1199م.

 

ويذكر الخورأسقُف يوسف داغر"أن إرميا أإنتُخب بطريركاً في دير سيّدة يانوح سنة 1200"، مُستنداً في ذلك الى "أن البابا اينوشنسيوس الثالث ( 1198-1216) أرسل في عهد العمشيتي مُعتمَداً من قِبَله الى أنحاء المَشرق هو الكاردينال بطرس، قسّيس كنيسة القديس مرشلس، وأنه على يد هذا القاصِد جَدَّد البطريرك والأساقفة يَمين الطاعة للحبرالأعظم، وهذا القاصد عاد الى رومية سنة 1204 كما هو مذكور في سِجِلاّت الفاتيكان"، فالبطريرك إرميا العمشيتي إذاً لم يُنتخَب سنة 1209 كما ورد عند الدويهي وفي المجمع اللبناني. هذا البطريرك وُلِد ونشأ في مَسقَط رأسه عَمشيت، ويُقال أنه من عائلة عُبيد ، ولمّا شبَّ نَزَع الى الحياة النُسكية، فَشاد في المَحل المَعروف بدير مار زخيا، قَلالي وَمَحابس وإستحبس هناك مدةً، ثم ما لبث أن إنتقل الى دير السيّدة في ميفوق. ولكن لم تَطُل مُدَة تَنَسُّكه وإستحباسه، فقد أجمع الرأي على تسقيف هذا الراهب عملاً بعادة إتخاذ أمراء الكنيسة من جماعة الرهبان. فلم يَكَد الكُرسيّ الإنطاكي يخلو من راعيه البَطرَك بطرس اللحفدي او الرابع ( لم تحدد سنة تنصيبه-1199) حتى إجتمع الاساقفة وأعيان الشعب في دير سيّدة إيليج وأنتخبوا إرميا بطركاً في السنة عينها 1199، فإنتقل، بعد إنتخابه، من ميفوق الى دير سيّدة يانوح. وقد ذهب الى رومه بنفسه وحضر المجمع اللاتراني الذي إنعقد في أيام البابا اينوشنسيوس الثالث ( 1198-1216). وذهابه الى روما كان بناءً على دعوة شخصية وجَّهها البابا اليه بتاريخ 13 نيسان سنة 1213، ولا يزال نص هذه الدعوة محفوظاً في خزانة كتابة أسرار الكُرسيّ الرسولي في السِجِل الخاص بالبابا المذكور. وهو أول بطريرك سافر إلى روما، وكان ذلك في العام 1215، وحَضَر المَجمَع الذي تَقَرَّرَ فيه إيفاد حملة صليبية جديدة لإسترجاع الأراضي المقدسة.

 

وخلال وجوده في روما يُروى عنه إن المحادثات التي أجراها هناك تناولت الحملة الصليببية المقرَّرة وما يستطيع البطريرك الماروني أن يقدّمه لرجالها من مساعدات، كما جرى درس خطط الدفاع عن الإيمان الكاثوليكي في الشرق. ويروي إبن القلاعي أن هذا البطريرك لمّا كان في روما يُقَدِّس في حضور البابا اينوشنسيوس الثالث ( 1198-1216) وإنتهى الى رفعه القُربان بَقِيَت الشَّيلة مُعَلَّقة في الهواء فوق رأسه، فَذُهل البابا من قداسة هذا البطريرك.. وأمر بِنَقشِ صورة تِذكارية لهذه الآية على جِدار كاتدرائية القديس بطرس.

 

وقبل عودته من روما وَردَته رسالة من البابا إينوشنسيوس الثالث ( 1198-1216) يَطلب منه فيها: أن يعترف به حبراً على الكنيسة الجامعة ونائباً للسيّد المسيح، وأن يَعتَرِف بأمومة الكنيسة الرومانية له ولكنيسته، ويؤمن إيمانها وبإنبثاق الروح القدس من الآب والإبن، ويستدعي الثالوث الأقدس مرةً واحدة عند العماد بالتغطيس، وأن يكون للأساقفة وحدهم حق مَنح سِرّ التَثبيت، وأن يوجِب على كل مؤمن أن يعترف لكاهنه الخاص أقلَّه مرةً واحدة في السنة ويتناول في السنة ثلاث مرات، وأن لا يَستعمِل في القداس أواني زجاجية أو فخّارية أو خشبية بل ذهبية أو فِضِّية.

 

وقد شَكَّل هذا السَفَر التباساً على مُجمل المؤرخين في أول الأمر، لأنهم إستندوا جميعهم الى زجلية إبن القلاعي التي وَرَد فيها أن أمير جبيل، الذي هالته حروب كِسروان، راسل البَطرَك وأحضره اليه، وأقنعه بأن يذهب الى رومة بنفسه ويقدّم الطاعة للبابا ويَستغفِر لشَعبِه ويأتيه بالبَركات. وحقيقة الأمر أن إبن القلاعي خَلَط ما بين البطريرك إرميا العمشيتي (1190-1230) والبطريرك إرميا الدملصاوي (1282-1297) ناسِباً الى الأول سبب سَفَر الثاني، وهذا الإلتباس أزاله الأب طوبيا العنيسي بنشره نَص الدعوة التي وجَّهها البابا اينوشنسيوس الثالث ( 1198-1216) الى العَمشيتي، أما غاية الدعوة الى عقد مَجمع لاتران، فكانت إعداد حملة صليبية لإسترجاع الاراضي المُقدسة وإجراء اصلاحات عامة في الكنيسة.

 

وعاد إرميا من روما، فَوَصل الى طرابلس في شهر آذار1215، ومنها صَعِدَ الى مَقَرّ البطريركية في يانوح، حيث تَمكَّن، "بفضل العلاقة المُباشرة التي قامت بينه وبين الحبر الأعظم، من ضَبط الكنيسة المارونية في إتحادها مع رومية مدةَ حياته". (عن كمال الصليبي).

 

وفي السنة التالية، 1216، "إستلم البراءة البابوية الموجَّهة اليه من البابا اينوشنسيوس الثالث (1198-1216)، وهي مؤرخة في 2 كانون الآخر سنة 1215، وقد كُتب على أسفلها لجهة اليمين ثلاثة أسطر مفادها: "سنة 1215، من البابا إينوشنسيوس  الثالث  (1198-1216) الى البَطرَك إرميا". وقد ورد في براءة البابا إينوشنسيوس الثّالث (1198-1216) هذه إلى البطريرك إرميا العمشيتي سنة 1215 ميلاديّة أن دير قزحيّا هو أوّل كُرسيّ أسقفيّ لأساقفة الموارنة .

 

وأهمّ ما جاء في هذه البراءة عن يانوح هو ذكر كنيسة سيّدة يانوح بصفة أنها مَقَرّ البطريركية، والأمر لكراسي المطارنة والأساقفة بالخضوع لها، وذلك بالعبارة الآتية: "إننا نُثَبِّت كراسي المطارنة والاساقفة بسُلطاننا الرَسوليّ، ونأمُرَهُم بالخُضوع لكُرسيّ سيّدة يانوح، كنيستك أيها الأخ البطريرك المتولّي رئاستها من الله تعالى، وأن يطيعوا لك ولخلفائك". وهناك عِّدة نُصوص تُشير الى رسالة البابا إينوشنت الثالث ( 1198-1216) الى البطريرك إرميا العمشيتي عام 1215، كما هناك ايضاً رسالة من البابا الكسندر الرابع (١٢٥٤-١٢٦١) الى البطريرك شمعون عام 1256، وقد ورد فيهما ذكر المقرّ البطريركي في يانوح.

 

وأخيراً توفّي البطريرك إرميا العمشيتي سنة 1230 في ميفوق، حسب ما ذكر الدويهي وإبن القلاعي، بعد أن عاش بعد رجوعه من رومة خمسة عشر عاماً، فجاء تاريخ وفاته عند هذا الاخير هكذا:

 

"ألف ومايتَين وتلاتين عامْ إرميا تْنَيَّح ونامْفي ميفوق قبره أَعْلَمْ"

 

أما البطريرك يوحنا بطرس الجاجي (1239-1245)، الذي جاء على إثر الشاماتي، فقد إنتُخب في دير سيّدة إيليج وأقام فيه لفترة، ومن ثم إنتقل الى دير سيّدة يانوح، وعاد من بعد الى إيليج، ليعود ويموت ويُدفَن في يانوح، اما نشرة "سيّدة إيليج" فتقول أنه إنتُخب ومات في إيليج.

 

 

 

) البطريرك الثالث والعشرون في يانوح: سمعان أو شمعون (1245 -1277

 

جاء في المجمع اللبناني أنه قبل البطريرك سمعان او شمعون تولّى الكُرسيّ البطريركي يوحنا الجاجي، وأنه قد أقام في يانوح، غير أن الكتابة السريانية التي وردت في إنجيل رابولا (الذي سَيَرِد الحديثُ عنه لاحقاً في سِياق التَحدث عن البطريرك يوحنا (1151-1154) في أثناء الكلام عن دير مار الياس لحفد) حَسَمَت الموضوع مُثبتةً إقامته في ميفوق. لذلك لن نَذكره مع البطاركة الذين أقاموا في يانوح والبالغ عددهم ثلاثة وعشرين بطريركاً، بل سَنُتابع، بعد إرميا، مع البطريرك سمعان أو شمعون.

 

يذكر الدويهي " أن شمعون ذكره الياس، من معاد، قائلاً في خاتمة الحاش الذي نسخه بخط إسطرنجلي سنة 1245 م: " كان النجاز منه (من الحاش) في أيام ساداتنا البَطرَك شمعون صاحب الكُرسيّ المَمدوح مدينة الله إنطاكية، والمُطران سِمعان بجبل لبنان، سنة 1556 لليونان، وبعد ذلك بعشر سنوات ورده الى دير يانوح مكتوب من البابا إسكندر الرابع (١٢٥٤-١٢٦١) شبه ذلك الذي أرسله البابا اينوشنسيوس الثالث (1198-1216) الى البطريرك إرميا.

 

وقد عَرِفَت المنطقة في عهد هذا البطريرك حالة من الجور والظُلم والفُقر، وبعد تولّيه بوقتٍ قليل، اي سنة 1246 م، وعلى أثر إنعقاد مجمع ليون الاول، كلَّف البابا إينوشنسيوس الرابع (١٢٤٣-1254) الأخ لورنسيوس من قِبَله لزيارة الكنائس الشرقية بخصوص بعض القضايا، فحمل هذا القاصد الى رؤساء هذه الكنائس الرسالة المؤرخة في 9 آب 1246 والتي خصَّ البطريرك سمعان بنسخة منها.. سِلَّمَه إياها القاصد المذكور.

 

وقد روى مؤرخون كثيرون، ومنهم مؤرخو الإفرنج، أنه " في 14 ايار سنة 1250، لما بلغ القديس لويس التاسع ملك فرنسا الى عكا، أرسل اليه نصارى لبنان الموارنة مالاً ورجالاً، ونزل كثير منهم من الجبال لمشاهدة ملك فرنسا كما نزل أجدادهم من قبل لمُشاهدة الصليبيين الأولين.

 

فالموارنة يُسَمّون الملك لويس "سيف العالم، وإبن الشريعة والإنجيل". وقد بَعَث إليه أمير لبنان، تحت إمرة ابنه، 25 ألفاً من الجنود يحملون اليه المؤن والهدايا، فوجَّه القديس لويس الى الموارنة تلك الرسالة الشهيرة:

 

لويس ملك فرنسا

الى أمير الموارنة بجبل لبنان، والى البطريرك وأساقفة الطائفة المذكورة

 

"إن قلبنا امتلأ فرحاً لما رأينا ولدكم سِمعان قد أتى مع 25 ألفاً حاملاً الينا شهادة حاسَّتكم الحبّية ومقدِّماً لنا الهدايا الفاخرة. وبالحقيقة أن مَحَبَّتنا الخالصة التي إبتدأنا أن نَستَشعِرُها نحو أمة الموارنة أيامَ حلولنا في قبرس حيث هم مقيمون.. قد تضاعفت اليوم بزيادة. ونحن موقنون بأن الأمة التي قامت تحت إسم القديس مارون هي قِسمٌ من الأمة الفرنسية، لأن محبتها للفرنسيين تُشبه مَحَبَة الفرنسيين بعضهم للبعض. وعليه فيجب من قبيل العَدل أن تَتَمتَّعوا أنتم وجميع الموارنة بنفس الحماية التي يتمتَّع بها الفرنسيون من جانبنا، وإن تُقبَلوا في الوظائف كما هم يُقْبَلون. ولذلك فإننا نَستَحثك، أيها الامير الرفيع الشأن، على أن تسعى كل السعي في ما يعود على أهل لبنان بالسعادة، وأن تُعنى بإقامة أشراف من أكثر الناس أهليةً لديك كما هو جارٍ في فرنسة. وأنتم أيها السيّد البطريرك والسادات الأساقفة وجمهور الإكليروس وعامة الشعب الماروني وأميركم العظيم، إننا رأينا بكامل السرور تَعَلُّقكم الثابت بالدين الكاثوليكي وإحترامكم لرئيس الكنيسة خليفة القديس بطرس برومة، فَنَحُثكم على المُحافظة على هذا الإحترام، وأن تبقوا دائماً غير مُتزعزعين بهذا الإيمان.

أمّا نحن، وجميع مَن يخلفوننا على عرش فرنسة، فَنَعِد بأن نُوليكم أنتم وجميع شَعبِكُم حمايتنا الخاصة كما نوليها للفرنسيين بعينهم، ونسعى في كل وقت في ما يكون آيلاً لسعادتكم".

 

وفي سنة 1255م كاتب البَطرَك سمعان البابا ألكسندر الرابع (١٢٥٤-١٢٦١)  مباركاً له في ارتقائه للرئاسة المُقدَّسة، وحلف له بالخضوع والطاعة، وسأله أن يرسل له دِرع إكتمال الرئاسة. فأرسل له الدِرع المُقدَّس ومكتوباً جميلاً (اي البراءة)"، وهي تُشبِه البراءة الموجَهَة الى البَطريرك إرميا وبالقياس ذاته ايضاً، وقد عُلِّق على أسفلها بثلاثة أسطر ما مفاده:

 

سنة 1255 ربّانية

من بابا اسكندر الرابع

الى بطرك الموارنة

 

لم يذكر المؤرخون هذا البطريرك، غير أن الدويهي ذكر "أنه سنة 1277 كان لا يزال بعدُ حياً، إلا إن هذا التحديد ما وجدنا له خَبراً ولا عَلِمنا مَن خَلَفَهُ".

وبإنتهاء العام 1277 تنتهي المرحلة الثانية من إقامة البطاركة في يانوح، فمع البطريرك سمعان المذكور تركها البطاركة الموارنة للمرة الاخيرة .

فيكون البطاركة قد أقاموا في يانوح، في المرحلتين، ما مجموعه أربعماية واثنتان وثلاثون سنة، منها ثلاثمائة وسبعون سنة متواصلة دون إنقطاع.

 

ولكنَّ هذا الثبات للبطاركة الموارنة في مقرّ ٍ واحد ما لبث أن تغيَّر مع مجيء الصليبيين الى الشرق وسيطرتهم على البلاد، فنرى البطاركة يتركون يانوح لأول مرة عام 1120 م، مع الجرجسي، الى ميفوق، وبعدها الى أديار اخرى عديدة في بلاد جبيل كالكَفر ولِحفِد وهابيل، ثم يعودون اليها سنة 1200م مع إرميا العمشيتي الذي عاد وتركها هو ايضاً سنة 1230 الى ميفوق، ثم يعودون اليها من جديد مع البطريرك سمعان سنة 1245 م ليتركوها نهائياً سنة 1277 م.

 

أسباب هذه التنقلات غير واضحة، ففي حين يَرُدُّها المَجمع اللبناني الى توافق أحوال الزمان والمكان، يعزوها الأب صفير "الى الحروب والفتن". وأغلب الظن أن الصليبيين كانوا وراء إنتقال البطاركة من يانوح .

 

وربما أغفل المؤرخون الموارنة ذِكر أسباب هذا الإنتقال لأن هذه الاسباب تتعلق بالصليبيين، خصوصاً وإن أول إنتقال حَصَل في عهد الجرجسي.. البطريرك الماروني في عهدهم.

ولأن التواريخ لم تورِد لنا ذِكر أيِّ خلافٍ بين الموارنة قبل قدوم هؤلاء، اي خلال الثلاثماية وسبعين سنة التي سبقتهم، فإننا نتساءل: ماذا كإن مَوقف الموارنة من الصليبيين؟

 

المعروف إن الموارنة مشوا أمام الصليبيين منذ الساعة الاولى لدخولهم الشَرق وكانوا فَرحين مَسرورين لِمَجيئهم. فقد أورد مؤرخهم "أن بأرض فينيقيا، بين قِمَم لبنان ومدينة جبيل، أناساً سِريان بلغ عددهم حوالي الأربعين ألفاً.. على قدرٍ كبير من الشجاعة والبراعة في الحرب والفروسية، وقد كانوا عوناً كبيراً جداً لجيوشنا في معاركهم ضد الاعداء".

 

هؤلاء السريان الموارنة "كان لهم عند الصليبيين المقام الأول بين جميع الطوائف المسيحية الأخرى، وإتحادهم الدائم بالكنيسة الكاثوليكية، أدّى بِهم الى التقرب أكثر فأكثر من الصليبيين الذين إعتبرهم الموارنة إخوةً لهم في الدين، والعلاقة الوثيقة بينهما وَصَلت الى حدود التلاحُم والتآخي، وكان روّادها البطاركة والاساقفة والشعب الماروني الذي كان يُقيم في المناطق التابعة لسنيورية جبيل وعلى رأسهم يوسف الجِرجِسي المقيم في يانوح بالذات.

 

غير أن هذا الموقف الماروني الإيجابي من الصليبيين، كما يرى بعض المؤرخين بالإستناد الى ما ورد في زجلية ابن القلاعي، لم يَكُن موقف جميع الموارنة، إذ كان لفريقٍ آخر منهم،"وهم أبناء العشائر في جبَّة بشرّي، وجرود البترون وجبيل"، موقف مُتَحَفِظ وصل بين فترةٍ وأخرى الى تحدّي الإفرنج والثورة عليهم، وذلك لأسباب عديدة أهمُّها:

 

لأن بعض تَسَلُّط الصليبيين الذين حاولوا إبتلاع فرادة الموارنة ومُميّزاتهم ككنيسة ومجتمع

الموارنة لم يأنسوا للتدابير الادارية التي إستحدثها أصحاب قومسية طرابلس لضبط أمور الجبل عن طريق التنظيم الاقطاعي.

 

إستكبار الفرنج على المسيحيين من ابناء البلاد.

 

أسلوب المُعاملة العنيفة الذي إستعمله الصليبيون ضُدَ المسلمين، في حين أن قسماً من الموارنة كان يميل الى الأسلوب السلميّ.

 

أمام هذين الموقفين يُطرح السؤال من جديد: ما هي حقيقة الخِلاف بين الموارنة أنفسهم من جِهة، وبينهم وبين الصليبيين من جهةٍ ثانية؟

 

يبدو أن خلافاً مُستحكماً وَقَع بين الموارنة في تلك الفترة (الصليبية) وإن حاول بعض المؤرخين تجاوزه او نَفيه بأساليب مُتعددة. فقد بَرَزَ هذا الخلاف في عَهد الجِرجِسي.. عندما أظهر مَيلاً كبيراً الى "الليتنة" في الطقوس والممارسات الدينية. فقد يكون هذا المَيل الى الليتنة قد قابله ميلٌ آخر ضِدَه.. شجَّعته التعاليم التي جاء يبثها في جبّة يانوح وجبَّة بشرّي وجرود البترون المُطران توما الكفرطابي سنة 1104، الذي يظهر أن مُعتَقَدَه كان مُخالفاً لمُعتقد الصليبيين والموارنة وبطريركهم... فهذا المَيل أصبح له مؤيدوه.. الذين راحوا يُعارِضون البطريرك. ويبدو أن أصحابه أصبحوا يُشكّلون فريقاً قويّاً تَوَصَّل الى شَقّ المُلك الى إثنين، حتى أن الفريق المُنشق تساهل في مرور بزواش التركي أمير حلب عبر مَمَرّات لبنان الجبلية وهو في طريقه من بعلبك الى طرابلس لقتل قومس طرابلس الصليبي، مِمّا جعل ردّة فعل إبنه ريموند قاسية تجاه هؤلاء الموارنة، إذ هاجمهم في جِبَّة بشرّي وأعدم الكثير من نسائهم وأطفالهم سنة 1137م.

 

وبعد الكفرطابي يَذكُر الدبس، نقلاً عن لكويان ، أنه قام إبن شعبان "وأخذ يَكتُب ويُعَلِّم الأحداث ويَبذُر الضِلال بين الموا رنة. وقام بعده إبن حسّان وأطغى أهل كفرياشيت. وكذلك إجتمع رؤساء الموارنة وأعيانهم وكثيرون من الشعب وجزموا على أن ينفصلوا عن شركة البطريرك، فلم يعودوا يؤدون له الطاعة ولا يقبلونه في البلاد، بل أنهم حَطّوه عن مقامه وإنتخبوا بطريركاُ آخر، فَحنق لذلك أصحاب البطريرك المعزول وقتلوا البطريرك الجديد. فتعاظم الخلاف والشغب بينهم، فتدارك أمرهم ايميكيس البطريرك الإنطاكي على اللاتين، وسكّن روعهم وأخمد جذوة غضبهم، وردّ المغويّين عن غيِّهم، فاتفقوا جميعاً على إنتخاب بطريرك صحيح المعتقد".

 

ويذكر الأب بطرس ضو "أن هذه الأحداث جاءت نتيجة لإنتقام الصليبيين بفظاظة من موارنة جِبّة بشرّي، وإنها كانت مقدمة خطيرة إنفجرت بين شطر كبير من الموارنة والفرنج، وبلغت ذروتها الدينية بعِصيان هذا الشطر على روما وعلى رأسه البطريرك لوقا البنهراني من جبة بشري، وبلغت ذروتها العسكرية بأخذ نور الدين المملوكي لجبة المنيطرة.. وعلى الأرجح بتسهيل ومعاونة من الشطر الماروني المذكور".

 

هذه البلبلة، وهذه الفتن، وَقَعَت في القرن الثاني عشر، وَظَهَرَت آثارها واضحةً في التاريخ الماروني حيث نجد فراغاً بلغ حوالي نصف قرن في تسلسل عدد وأسماء البطاركة الموارنة بين عامَي 1150 و1200، اي ما بين يوحنا اللحفدي وإرميا العمشيتي الذي عاد مجدّداً الى يانوح سنة 1200، وهي مقرّ البطريركية الشرعي، وإستطاع ضبط امور الموارنة وضبط إتحادهم مع رومية مدّةَ حياته.

 

يقول الدويهي في حديثه عن البطريرك يوحنا اللِحفدي الذي كان في هابيل سنة 1151: "إننا ما إهتدينا الى معرفة البطاركة الذين أقاموا في هابيل حتى نُثْبِت اسماءهم، أما إرميا فإنه جَلَس بعد هؤلاء سنة 1209 في يانوح". هذا بينما نرى الخورأسقُف يوسف داغر يَجعَل "بين يوحنا اللِحفدي سنة 1151 والعَمشيتي سنة 1209 بطريركاً واحداً بإسم بطرس". أما المجمع اللبناني فينتقل مباشرةً بعد اللِحفدي الى العمشيتي. والسِمعاني يذكر أنه أقام في هابيل. وبعد اللحفدي، سنة 1151، جلس بطرس، وبطرس، وبطرس الآخر ولوقا المُسمّى بطرس، وهذا ما يذكُرَه المُطران ديب أيضاً.

 

أما الدبس، نقلاً عن لكويان ، فيجعل "يوحنا اللحفدي البطريرك الثامن والعشرين"، ويضع  29، 30، 31 أرقاماً بيضاء لأنه لم يهتدِ الى أسماء ثلاثة بطاركة، ثم يذكر لوقا ايضاً قبل إرميا.

 

قلنا أن البطريرك إرميا العمشيتي إستطاع أن يضبط الكنيسة المارونية من جديد، ولكن يبدو أنه ما أن توفي هذا البطريرك حتى عاد الإنشقاق مُجَدداً.. بالغاً ذروته سنة 1282، تاريخ ترؤس الدملصاوي على الكنيسة المارونية، غير أن هذا البطريرك وُفِّق ايضاُ خلال ولايته الى القضاء على هذا الإنشقاق وتوحيد الصفوف قبل وفاته سنة 1297.

 

بعد هذا العرض نسأل: ماذا كان تأثير هذه الأحداث على إنتقال البطاركة من يانوح؟

 

إن يانوح، بإستمرارها مقرّاً بطريركياً طوال ثلاثماية وسبعين سنةً متواصلة دون إنقطاع، قد إكتسبت شهرةً كبيرة، إذ غدت تُمثّل مركز السلطة الدينية العليا والشرعية للموارنة؛ لهذا حاول الفريق المُنشَقّ الضَغط على هذا المركز للتأثير، وربما للسَيطرة عليه، ليَفقُد البطاركة دورهم ويُصادَر منهم القرار.

 

ويَظهُر إن قوة هذا الفريق المُنشقّ قد بَلَغَت مَبلغاً مُهمّاً، وكذلك عَدده، وإلاّ ما كان إستطاع السَيطرة على جميع المَناطق الجَبلية العالية والتأثير على البَطرَكية مع كُل مُساندة الصليبيين لها. ولوجود يانوح كَمركز أعلى للسُلطة في الجِهة الجنوبية لهذه الجِبال والجُرود (أي بشرّي والبترون وجبيل)، وكي لا تَسقط في أيدي المُنشقَّين فيُسَيطروا على قرار البطريركية فيها، كان البطاركة في أيام الفتن والقلاقل يُحيّدون رَمزَ هذه الُسلطة عن تلك الجبال .. وينزلون به الى بلاد جبيل الوسطى كميفوق ولِحفد وهابيل وغيرها، جاعلين من إديار هذه القرى مَقرّاً مؤقتاً لهم، وبعد أن يضبطوا الأمور ويقضوا على الخِلافات يعودون الى مركزهم الأصيل في يانوح. ولكنَّ يانوح لَقِيَت نهايتها تماماً بعد معارك وحروبٍ يطول شَرحها.. لأن الموارنة، في نظر المماليك، كانوا نجدةً للإفرنج، لذا أُحرقت البلدة ونُهبت بيوتها وصارت قاعاً صفصفاً، ولا تزال آثار الحريق باديةً على معظم كنائسها وبيوتها وكلّ حجرٍ فيها إلى اليوم.