مغارة الراهب - الهرمل

إن هذه اللَمحَة التاريخية عن مغارة الراهب، لا تَتَناول المَراكِز البطريركية المارونية الدائمة والعابرة على مدى التاريخ، إنما بصورة إستثنائية، كان لا بُدَّ أن تُذكر، كونها كانت مُنطلقاً لإنتشار المارونية في لبنان عن طريق رُهبانه.. مع غيرهم من المُبشّرين الذين وفدوا الى لبنان لاجئين إليه من شمال سوريا على أثر الإضطهادات التي لَحِقتهم هناك، فكان هذا الإنتشار للطائفة في لبنان مُمَهِداً لإنشاء بطريركية لها، تنقّلت ما بين عِدَة أديار، إكتسبت من جرّاء ذلك صِفَة الأديار البطريركية.

هذا الموقع هو "مغارة الراهب"، القائمة بجوار منبع نهر العاصي في منطقة الهرمل (وكلمة "الهرمل" تعني "طيب الله" او "حمى الله")، والتي لم تَكُن لها في البدء، في العِرف العام، أية صفة دينية، بل كانت تُعتَبر مغارة طبيعية كسائر المغاور في لبنان التي تكوَّنت بفعل عوامل الطبيعة ولا أثر فيها ليد الإنسان. ولكنَّ إسَماً آخر كانت تتداوله الالسنة هو "قصر البُناة" لَفَت مع الإسم الأول إنتباه الباحثين بِحَيث دَفَعاهم الى تَقَصّي مَنشأهما ولماذا أُطلق هذا الإسم على هذه المغارة. فتبيَن من بعض المصادر التاريخية أن المقصود بالبُناة هم المُهندسون والمِعماريون الرومان الذين كانوا يعمَلون في ذلك المِكان لحفَر قنوات من أجل جرّ مياه  النهر الى مملكة تدمر وبناء قاموع الهرمل ، فحفروا الصخر هناك على ثلاثة مُستويات ليستريحوا داخله بعد إنتهائهم من العمل، وذلك نحو سنة 200 قبل الميلاد. 

أما إسم مغارة الراهب فلكونها إستُعملت في القرن السادس من جانب نُسّاك ورهبان موارنة هربوا من ديرهم في سوريا بعد أن قُتل منهم حوالي 350 راهباَ وتبعثرت محتويات ديرهم. فأجروا توسيعاً لها وأصبحت ديراً للصلاة والعبادة، وهذا ما ألقى الضوء على العلاقة التاريخية، التي كانت مَجهولة، ما بين هذا الأثر وأوائل عهد الطائفة المارونية.

تَرتَفِع المغارة حوالى مئة متر عن الضفة الشرقية لنهر العاصي، وهي بِمُحاذاة نبع عين الزرقاء حيث ينبع العاصي، وتُشرف على مُنحدر شديد ينتهي في أسفل الوادي. أضيفت إلى المغارة، التي يُحصّنها موقعها الطبيعي، عدَّة غُرف تتدرَّج على ثلاث طبقات ذات جُدران مَبنيّة من الطين، ولها نوافذ وقماريات.

هذه المعلومات كانت مثاراً لكلام كثير قيل حول هذا المقرّ الذي تحوَّل مركزاً دينياً مسيحياً، لأن كل المعالم الوثنية التي كانت قائمة قبل انتشار الدين المسيحيّ في تلك الأرجاء قد تحوَّلت مسيحيةً وأقام فيها المسيحيون. وهكذا فإن المسيحيين، بعد الرومان، هم الذين أقاموا في هذه المغارة – القلعة وحوَّلوها ديراً، وقد ظلّت في يد المسيحيين طوال القرون الوسطى. ولَعَلَّ ذلك إستمرَّ من حين أن شغلها تلامذة مار مارون، ولا نَعرِف بَعد ذلك كيف أصبحت مُلكاً لإحدى عشائر المنطقة كما تُفيد بذلك السِجِلاّت العقارية. ولكنَّ، لأسبابٍ سياسيةٍ وأمنيَّة بعد قيام الإنتداب الفرنسيّ على سوريا ولبنان، نَزَحَت العشيرة المذكورة من تلك المنطقة الى داخل سوريا، وعندها سَلَّمَت سُلُطات الإنتداب موقع المغارة الى المراجع الدينية.. حَيثُ كانت قد أُنشئت مطرانية مارونية باسم "أبرشية بعلبك"، فأصبحت المغارة ومُحيطها في عِهدتها. وظلَّ الأمر كذلك حتى العام 1934، إذ كانت العشيرة المالكة الأراضي عقارياً كما ذكرنا قد عادت الى موطنها، فأقامت احدى نسائها دعوى قضائية لإسترداد هذه الأراضي، فبقيت هذه الدعوى متأرجحةً في القضاء مدة 23 سنة حتى العام 1957 حين صدرالحُكم فيها لصالح العشيرة.

وحدث، بعد أن رَسَت مُلكية هذه الأراضي حيث موقع المغارة للعشيرة المذكورة، إنتقلت مُلكيتها الى إحدى الشخصيات المارونية المتنية، وكان الدافع الى هذا الإنتقال، كما قال وريث المالك الجديد من بعده، هو صيانة هذا الموقع، والابقاء على طابعه المارونيّ. ولكنَّ دواعيَ أخرى، بيئية ، أوجبت إستملاك الدولة لهذه الأراضي من أجل إقامة سدّ تحويلي على نهر العاصي لحِماية مياهه من التلوُّث، إذ كان والمغارة مَسرَحاً للرعاة ومواشيهم وعِرضةً لجميع انواع العبث ورمي النفايات والمُخلَّفات، مع ما يُضيفه على ذلك زوّار هذه المناطق والمارّون فيها مِمّا ينافي قواعِد النظافة وسلامة البيئة ويُشكّل ضرراً على الصحة وعلى المزروعات.

فكان الإستملاك مَوضِع مُراجعات من ورثة المالك لإسترجاعها، ومَوضِع مراجعات، في الوقت نفسه، من أبرشية بعلبك المارونية لإسترجاع موقع المغارة بصفتها ذات وضعٍ خاص جداً يوجب الحفاظ على وجهها الدينيّ وعدم شمولها بهذا الإستملاك.هذه المساعي كانت مَحَطّ إهتمام المطارنة الذين تعاقبوا على أبرشيّة بعلبك للموارنة منذ أن وَضَعت الدولة يدها عليها، وإنّما حالت موانع قانونية دون إسترداد مِلكية العقار من الدولة، لكون الدولة لا تستطيع مراعاة إعتبارات لاعلاقة لها بمسؤوليتها.. والتنازل لهذا الغرض عن أجزاء مما إستملكته من أجل المصلحة العامة. غير ان الدولة أبدت تفهُّماً للوضع الخاص الذي لهذه المغارة، والذي يوجب إستثناءها من جميع الإعتبارات والدواعي، فتكلَّلت هذه المساعي بالنجاح بعد جهود جاهدة، إنما عن طريق التوصل الى حلٍّ هو إشغال الأبرشية للعقار الذي تقع فيه المغارة على سبيل الإيجار، وذلك ببدل إيجار سنويٍّ رمزيّ، لتظل محافظةً على هويتها الأصلية كمزارٍ مقدَّس، وصَرح من الصُروح العريقة التي تُفاخر بها الطائفة المارونية. أمّا في العام  2014 فقد تَمَّت مُقايضة عقارية بين الدولة اللبنانية وأبرشية بعلبك المارونية تَمَّت بِموجَبها إعادة مُلكية المغارة وجوارها إلى هذه الأبرشية  وذلك في إطار مرسومٍ شرعيٍ.

 

وقد تكرَّس حق الطائفة المارونية بهذا الرمز التاريخيّ، وبأن هذا الحق يسمو على المقتضيات الدنيوية، بالزيارة  التي قام بها اليه غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في الثامن عشر من ايلول عام 2011، إذ لو لم يكن هذا المقام ذا دلالةٍ خاصة وعلاقة حميمة بالطائفة المارونية تعود الى عهد مُمعِن في القِدَم ومُمتَد الى أغوار التاريخ المارونيّ لما كان غبطته قد خصَّه بهذه الإلتفاتة التي توَّجت الجهود والمساعي التي أدَّت الى إسترداده للطائفة عملياً وواقعياً ولو أنه لم يُسجَّل على الصحيفة العقارية بإسم مرجع من مراجعها، إذ أنه أول بطريرك ماروني يزور تلك المنطقة التي لم تطأها من قبل قدم ايّ سلفٍ من أسلافه.

 

وبمناسبة عيد مار مارون 2019 أقيم قداس إلهي داخل المغارة ​، وذلك لأول مرة منذ أكثر من ألف عام، ترأسه أمين السر العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأب ميشال ابو طقة، في حضور رجال دين وفاعليات ​البقاع الشمالي. وإعتبر أبو طقة ان "القداس اليوم هو نقطة للتلاقي بين سائر الديانات السماوية ولترسيخ القيم الإلهية"، منوها "بإحتضان أهل المنطقة بِمُختلف دياناتهم لهذا الدير المُقَدَّس". يُشار الى ان المغارة شهدت أخيراً عمليات ترميم وتأهيل وإستقبل المئات من اللبنانيين الذي قدموا اليه من مختلف المناطق.