كنيسة سيدة الشير -إهمج

تقع بلدة إهمج  في أعالي قضاء جبيل، وتُشكل الغابات والأحراج أكثر من 70% من مساحتها.  يبلغ متوسِّط ارتفاع البلدة عن سطح البحر 1250 مترًا  أما أقصاه فيصل، عند قرنتي العالية والنمرود، إلى 1956 و1919 مترًا لكلٍ منهما، وجنوبهما قرنة حفرون حيث يبلغ فيها الارتفاع عن سطح البحر  1798 م، وتتميز هذه القمة بشكلها الهرمي مع وجود بقايا قلعة أثرية قديمة تعود إلى عصور تاريخية قديمة... تبعد إهمج عن بيروت حوالي57  كلم  وعن مركز القضاء جبيل حوالي 20 كلم. يتمّ الوصول إليها عبر طريق دير مار مارون عنّايا حيث ضريح مار شربل ومن ثمَّ يتم الإلتفاف يمينًا وصولًا إلى البلدة....

يَذكُر أنيس فريحة في كتابه "معجم أسماء المدن والقرى اللّبنانيّة" أنّ وزن كلمة إهمج السامي هو إفعِل ولكن ليس للجذر همج أو مهج (على القلب) من اثر في السريانية أو العبرية. بينما يقول آخرون بأن التسمية تتأرجح بين جذرين لغويين قديمين من اللغات السامية، وهما:

 

الأصل السرياني: يعود إلى تحريف كلمة سريانية تعني "رأس الوادي". ويُرجّح المؤرخون هذا التفسير نظراً لموقع البلدة الجغرافي المرتفع والمشرف مباشرة على وادي نهر الفيدار، إضافة إلى أن أسماء معظم الأحياء المحيطة بها هي سريانية الأصل (مثل "شرياتا" و"شخنايا").

أو الأصل الآرامي: يعود إلى جذر يعني "المستترة" أو "الخفية". ويرتبط هذا المعنى بطبيعة البلدة التاريخية، حيث كانت تحجبها وتخفيها عن العيون غاباتها الكثيفة والأحراج المحيطة بها من كل جانب وسط الجبال...

كنائسها سيدة الشير الرعائية موضوع  بحثنا، مار سابا شرقي سيّدة الشير، ومار جرجس بكرتا والقديسة صوفيا في عين الدير… ولعلّ أحدث دليل على قدم المسيحية في إهمج، الكنيسة التي اكتشفت آثارها مؤخراً في جوار كنيسة مار سابا، والتي يردّ علماء الآثار تاريخها إلى الحقبة البيزنطية.  

على أن تاريخ البلدة القديم يعود إلى أيام الفينيقيين والرومان وقد استفاد الأقدمون من الأخشاب المتوفرة في غابات البلدة، كما جعل الرومان طريقهم تمرّ في وسط غابات إهمج، وذلك في عهد الأمبراطورين دومسيسيان وأدريان، كما تدلّ بعض النقوش الموجودة على صخور داخل غابة العذر، وإنّ معالم هذه الطريق الرومانية ما تزال موجودة ...وتوجد على بعض الصخور في غابة العذر كتابات رومانية تعود في غالبيتها إلى أيام الأمبراطور أدريانوس تتضمّن تحذيراً من قطع الأشجار الدائمة الإخضرار: الأرز، اللزّاب، الشوح والسنديان، تجدر الإشارة بأنَّ الإمبراطور الرّومانيّ أدريانوس كان أوّل من اهتمَّ بتِلك الثّروة الحرجيّة في القرن الثّاني الميلاديّ.

وننقل من كتاب "إهمج في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين"، للباحثة سهيلا جورج أبي يونس معاني أسماء الأحياء في إهمج :

برسيسا: لفظة سريانية الأصل ربما تكون اسماً لأحد الآلهة لأن غالبية أسماء العلم لم تبق على أصلها لما دخلها من تحريف وتبديل وتغيير

مرجبونا: لفظة سريانية مركبة من كلمتين ( مراغ أبون) أي مرج الأب

حيّون: ربما تكون محرّفة من إسم أحد الآلهة الفينيقيين (حمّون)

العريبات: جمع عريبة، مصغّرة، وهي ما ارتفع من الأرض قليلاً

الحرازمين: لفظة عربية، جمع حرزمانة، أرضها ذات تربة غنية بالمعادن

حقلة الحايا: هي لفظة سريانية الأصل من (حايو) مهناها (الحياة)، ولقبت بالحياة لوجود عين ماء فيها

بكرتا: لفظة سريانية معناها (خبز التقديس) ويعتقد أنها كانت مكاناً لتقدمة الضحايا والقرابين في العهد القديم

عروسات: يعود أصل التسمية إلى قصة شعبية: يروى أن حادثاً خطيراً وقع في مزرعة بكرتا التي جلب أهلها عروساً من مزرعة الرويس ففي الوقت الذي وصل فيه أهل العريس إلى حقل يفصل بين المزرعتين، ظهرت شقيقة العريس فجأة بين الجموع وزغردت بطريقة هجت فيها أهل العروس فما كادت أن تنتهي من هجائها، حتى أثارت الخواطر غضباً واشتبك القتال بين الفريقين فتلوثت الأرض بالدماء وعندما شاهد العروسان ما حصل بسببهما، انتحرا في المكان نفسه الذي دعي إذّاك “عروسات” تحريف “عروسان” بإبدال النون تاء ودعي المكان الذي دفن فيه العروسان “عربة مارينا” نسبةً لإسم العروس

الشاوية: لفظة سريانية معناها “الأرض المعتدلة”، وقد رجّح أنيس فريحة في معجمه أنها Shawita المساواة والإعتدال والشيء الممهّد المنبسط، أو من Shawye بالسريانية أيضاً وهي الأرض المنبسطة البطحاء الممهّدة المسوّاة وقد تكون تحريف Shewye العصي والهراوات ومقابض الفأس أو المطرقة وخلافه

المعادن: تربة غنية بالمعادن وخاصة بالحديد، حفرت فيها منذ القديم مسابك لا زالت آثارها ظاهرة حتى اليوم

عين الدير: اسم لمحل فيه عين ماء نسبةً لدير بالقرب منه، ولم تزل بقاياه حتى الآن

شرياتا: كلمة سريانية تأويلها الأرض الحديثة

شخنايا: لفظة سريانية معناها “محلّ السكن”

العويني: في عامية لبنان “الغصن الجديد” وقد يكون الإسم المصغّر عين تقع شمالي غربي

إهمج على ارتفاع نحو مئتي متر عن البلدة

دعيت كنيسة سيدة الشير الرعائية العجائبية بهذا الإسم نسبةً إلى المكان الذي أقيمت عليه وهو شير صخري يبلغ ارتفاعه حوالي خمسين متراً. ففي سنة 1617 بنيت الكنيسة على انقاض معبد قديم وكانت مسقوفة بالأخشاب والتراب. وبعد عودة الأهالي إلى إهمج أعيد بناء الكنيسة بعد إحراقها سنة 1676.

بدأ العمل على توسيع الكنيسة الحالية سنة 1900، واستمرّت أعمال البناء حتى عام 1920، وقد أدّت ظروف الحرب إلى تأخير إنجازها. تتجه الكنيسة نحو الشرق، وتتميّز بتصميم ذي سوق واحدة معقودة، وقد استُخدم في بنائها الحجر الكلسيّ الأصفر، ما أكسبها طابعًا معماريًا مميزًا.

للـكنيسة ثلاثة مداخل؛ يقع المدخل الرئيسي في الجهة الشمالية، فيما يقع مدخلان آخران في الجهتين الغربية والجنوبية. وتزيّن نوافذها العشر رسومات من الزجاج الملوّن (Vitraux)، كما تتوزّع الصلبان على نوافذها وأجزائها المعمارية. أمّا قبة الجرس الحالية، فقد شُيّدت سنة 1968 بعد أن تهدّمت القبة القديمة إثر صاعقة. ويعلو القبة صليب بارز، بينما يزيّن الجدار الشمالي للكنيسة تمثالٌ للسيدة العذراء يضفي إلى المكان بعدًا روحيًا مميزًا.

وفي العام 1984 تمّ كشط الجدران الداخلية، لإظهار حجر العقد...

 

 تعلو المذبح لوحة زيّتية لسيّدة الشير نقرأ في أسفلها باللغتين العربية والفرنسية:

"تقدمة من نجيب رشيد الخوري سنة 1864".

اللوحة غنية بالرموز الروحية واللاهوتية المستوحاة من التقليد المسيحي المشرقي، وفيها تظهر السيدة العذراء في الوسط مرتدية ثوبًا أحمر (اللون الأحمر يجسّد إنسانيتها ومحبتها) وعباءة زرقاء (الأزرق يرمز إلى السماء والقداسة)، وتحيط برأسها هالة النور المقدسة، وهي تحتضن الطفل يسوع وهو أيضًا محاط بهالة فوق رأسه، ولكنّه ينظرإلى الكتاب الذي يحمله أحد الملائكة، وكأن المشهد يصوّر المسيح المعلّم حامل رسالة الخلاص.

وفي أعلى اللوحة، يظهر رمز "المثلث وداخله العين"، وهو رمز لاهوتي تقليدي يشير إلى الثالوث الأقدس وعين الله التي ترى كل شيء وترعى الخليقة. تحيط بالسيدة العذراء مجموعة من الملائكة في الغمام وكأنّ السماء تشارك في تمجيد المسيح وأمه. ويظهر ملاكان في الأسفل أحدهما يرفع مخطوطة فارغة للتسجيل، والآخر، بالثوب الأخضر، يمسك بمخطوطة تحتوي على الكلمات السريانية، والفرنسية واللاتينية المتعلقة بفضيلة التواضع والطاعة الإلهية (HUMILITE + FIAT)، وكلاهما يظهران وكأنهما خادمان للمشهد السماوي، يقدمان النور أو كلمة الله.على الجانب الأيسر، تظهر شخصية تبدو كأنها تدون الكلمات أو الوصايا بإلهام مريمي، مما يعكس دور العذراء كـ "ملكة الرسل" ومعلمة ومرافقة للكنيسة الأولى.

باختصار، يمكن فهم اللوحة على أنها تمثّل مريم في المجد السماوي حاملةً المسيح، محاطةً بالملائكة، تحت عناية الثالوث الأقدس. وهي لا تقتصر على تمجيد مريم، بل تجعلها الطريق الذي يظهر من خلاله المسيح، كلمة الله وحكمته. واللافت أن الفنان لم يرسم مشهدًا واقعيًا من حياة مريم، بل أنشأ رؤية رمزية للسماء: السحب، الملائكة، الهالات، المثلث والعين، واللفائف المكتوبة كلها عناصر مقصودة لتوصيل تعليم ديني.

 تظهر على اللوحة كلمات باللاتينية والفرنسية:

"LASTE" هي على الأرجح اختصار للكلمة الفرنسية القديمة أو اللاتينية الدالة على "المسكنة أو التواضع الشديد"، وتأتي في سياق ترتيب الفضائل الروحية.

"HUMILITE" كلمة فرنسية واضحة تعني "التواضع".

"FIAT" كلمة لاتينية شهيرة جداً في التقليد المسيحي، وتعني "ليكن" أو "فليحدث. وهي مأخوذة مباشرة من الآية الإنجيلية لإعلان قبول السيدة العذراء لبشارة الملاك جبرائيل " Fiat mihi secundum verbum tuum " أو "ليكن لي كقولك" وتُستخدم تاريخياً للتعبير عن الطاعة المطلقة والتسليم الكامل لمشيئة الله.

 

ظهور ثلاث لغات مختلفة (اللاتينية، الفرنسية، والسريانية) في لوحة واحدة يُشير غالباً إلى الفن الرهباني المشرقي المشترك، حيث يكثر هذا النوع من الكتابات في الأديرة أو الكنائس التاريخية التي شهدت تبادلاً ثقافياً أو رعاية مشتركة (مثل الكنائس الكاثوليكية الشرقية كالكنيسة المارونية أو السريانية الكاثوليكية)، حيث دمج الفنانون اللغات الطقسية المحلية (السريانية) مع اللغات الثقافية العالمية آنذاك (اللاتينية والفرنسية). وقد تدلّ كذلك إلى تجسيد فضائل العذراء أو القديسين، فالمخطوطة تجمع ثلاثة مفاهيم مترابطة: التواضع الوجداني ← التواضع المسلكي ← طاعة الإرادة الإلهية المتمثلة في كلمة Fiat.

 

في الكنيسة لوحة جنائزية، نستدل من السطر الأخير فيها أنها وضعت كتذكار لرشيد الخوري أحد أعيان البلدة والذي توفي عام ١٩٠٠، تاريخ يؤكده حساب الجمل الذي أتى مجموعه مطابقًا للعام الذي يظهر في أسفل اللوحة. 

 

في حساب الجمل: فيّ ادفنوا اسفا يطول على رشيد الخوري

  • فيّ: ف(80) + ي(10) = 90
  • ادفنوا: ا(1) + د(4) + ف(80) + ن(50) + و(6) + ا(1) = 142
  • اسفا: ا(1) + س(60) + ف(80) + ا(1) = 142
  • يطول: ي(10) + ط(9) + و(6) + ل(30) = 55
  • على: ع(70) + ل(30) + ى(10) = 110
  • رشيد: ر(200) + ش(300) + ي(10) + د(4) = 514
  • الخوري: ا(1) + ل(30) + خ(600) + و(6) + ر(200) + ي(10) = 847

المجموع النهائي:  90 + 142 + 142 + 55 + 110 + 514 + 847 = 1900

 

من أبرز عجائب سيدة الشير أنها خلّصت خادم الرعية، وكان يومئذٍ وكيلاً للوقف بعد أن هوى عن سطحها. كما أنها أحيت طفلاً من الإخوان الشيعة بعد أن وضع أمام المذبح الكبير وكان قد فارق الحياة. وأيضًا أعادت العافية والصحة إلى أحد الشباب بعد أن وقعت يد الجرس الحديدية على رأسه في ليلة عيد انتقالها. كذلك خلَّصت 7  مساجين من أهالي إهمج من حكم الإعدام في سجن طرابلس..

 

نذكر أنّه يُحتفل بعيد سيدة الشير في ١٥ آب من كلّ عام.

Video

Location