تقع بلدة شيخان ضمن منطقة تُعرف باسم قرنة الروم، في شمال غربي قضاء جبيل. وتُعدّ شيخان إحدى القرى السبع التي يتكوّن منها هذا التجمّع، وهي: "شيخان، الريحانة، جدّايل، المنصف، بخعاز، البربارة، وغرزوز". ترتفع بلدة شيخان عن سطح البحر بنحو 275 مترًا، وتبعد حوالي 47 كيلومترًا عن العاصمة بيروت، ونحو11 كيلومترًاعن مركز قضاء جبيل..
جاء في كتاب "العمارة البازيليكية في لبنان في العصور الوسطى أصولها وتصنيفها" لـ خولا عمنوئيل الخوري أنّ "كنيسة مار تقلا تقع على ربوة صغيرة في بلدة شيخان شمال مدينة جبيل وترتفع 300 م عن سطح البحر..."
وقد ورد في كتاب "معجم اسماء المدن والقرى اللبنانية" لـ "أنيس فريحة" أنّ أصل كلمة شيخان هي من شيح وهو النبت والشجيرات الصغيرة، وفي الآرامية جذره siah ومعناه القول والكلام والتأمّل وجذر shah ذوّب وصهر، وأصل كلمة الشياح تحمل تفسيرين: الأوّل مصدره كلمة shewah وتعني نبت وأفرخ ونما، فيكون معنى الاسم النبت الحسن والزرع الجيد. والثاني من shah وتعني ساخ أي ذوّب وصهر المعادن.
وتذكر الخوري بأنّ الكنيسة تتألّف من طابق واحد وهي مقسّمة إلى 3 أقسام هي عبارة عن صحن وسطي وآخرين جانبين، وعلى الأرض نجد بقايا حجارة مقصوبة يبدو أنها كانت تشكل حاجز أيقونات هدم كان يفصل الحنية عن باقي الكنيسة. ويقال بأن "الايقونوسطاس كان من الحجر ولكنّه فكّ دون معرفة السبب وكان يمتد على طول الصحن الوسطي والصحن الشمالي وفيه بابان، ومعروف أنّ الايقونوسطاس لم يظهر في الشرق قبل القرن السابع عشر، ما يعني أنّ ايقونسطاس كنيسة مار تقلا يعود إلى فترة متأخّرة. هو يرتفع مسافة 30سنتم ويبعد عن الحنية الرئيسية مسافة متر واحد. ينتهي الصحن الوسطي بحنية وسطية وحيدة وهي على شكل نصف دائري." فالحنية مُكوَّرة من الداخل ضمن كتلة مُكعّبة من الخارج.
"في الحائط الشرقي يعلو الحنية عقد سريري مفتوح، فيما تخترق طاقة مستطيلة أخرى قوقعة الحنية التي بنيت من حجارة كلسية صغيرة ومتوسطة فيما نجد بقايا قوس قد يعود لمعبد وثني سابق في الافريز الفاصل بين حائط الحنية وقوقعتها...نجد داخل الحنية مذبحًا مؤلفًا من حجر مستطيل يحمل حجرًا مربّعًا... سُقف الصحن الرئيس بالعقود المصالبة بينما سقفت الصحون الجانبية بالعقد السريري الضيق ونلاحظ وجود ملاط التلييس في معظم هذه السقوف وتقسم الكنيسة إلى ثلاث صحون وستة خلجان بصفّين من ركائز قد تعود لمعبد وثني أقيمت الكنيسة على أنقاضه..."
"الكنيسة ذات شكل مكعّب وسطحها مسطّح خالٍ من أية ارتفاعات، يتصل بها لناحية الشرق بناء مستطيل يضمّ الحنية وحائط الصحن الجانبي الجنوبي...أما في شمال الواجهة الشرقية فيوجد درج نصفي يؤدي إلى السقف...حجارة الواجهة الغربية كبيرة بعضها يحمل فرزات...هناك باب ذو اسكفية كبيرة وفي إطاره الجنوبي نجد جذع عمود قد تكون بقايا لمعبد وثني...للكنيسة بابان، الأول وسط الحائط الغربي أطره مبنية من الحجارة الكبيرة والمتوسطة المقصوبة...والثاني هو في الحائط الجنوبي للكنيسة بحيث تشكل أسكفيته حجرًا كبيرًا مقصوبًا...وفي حين تخلو الكنيسة من أية نافذة، نجد عددًا من الطاقات في كل جدرانها...على أسكفية الباب الجنوبي نجد صليبًا داخل دائرة وبجانبه صليبًا آخر، كما انتشرت نقوش الصلبان ذوات الشوكتين (bicornes) على حيطان الكنيسة وأعمدتها. في الإطار الشمالي الداخلي للباب الغربي نجد حجرًا عليه كتابة سريانية...وفوق الإفريز في حائط الحنية نجد بقايا من الرسوم... طول الكنيسة 10،20م وعرضها 5،75م لكنها غير متوازنة الطول، اتجاه حنيتها للشرق...الجانب الجنوبي-الشرقي يمتد مسافة المترين عن الجانب الشمالي-الشرقي، كما أنّ الحائظ الجنوبي للكنيسة غير مستقيم..."
ويقول الباحث ليفون نورديغيان عن تلك الكنيسة في الإصدار رقم 62-2009 Melanges de l’université Saint Joseph "إنها كنيسة صغيرة ذات ثلاثة أروقة، يفصل بينها صفّان من الأعمدة الأثرية المُعاد استخدامها. ولا يزال بالإمكان رؤية التاج الدوريّ فوق أحد هذه الأعمدة في الجهة الشمالية الشرقية. أمّا العمود الذي يقابله من الجنوب، فيحمل نقشًا يونانيًا شديد التآكل، محفورًا على لوحة بارزة قليلًا Tabula ، ومن الصعب تصوّر أنّه قد أفلت من ملاحظة Ernest Renan ويُفترض أنّ هذا العالِم لم يزر الكنيسة شخصيًا، بل اعتمد على معلومات نقلها إليه مراسلوه.
ونلاحظ أيضًا، أمام قائم الحنية، دعامة حجرية قديمة ذات مقطع مستطيل وشكل مميّز، منتفخة في ثلثيها ومتوّجة بانحناءة. وهي مزوّدة بإطار زخرفي بارز قليلًا (تابولا أنساتا Tabula Ansata) لكنه خالٍ من الكتابة.
أما كورنيش الحنية البارز، فيتكوّن من حجارة مزخرفة مأخوذة من قوس قديم.
إنها عناصر أثرية قديمة، تعود إلى العصر الروماني أو إلى بدايات العصر البيزنطي. ومن بين القطع الأثرية المعاد استخدامها والمتناثرة Spolia erratiques ، نذكر أيضًا تاج عمود كورنثي صغيرًا ذو صف واحد من أوراق الأقنثا. وهو تقليد مصنوع من حجر محلي لنموذج أصلي من الرخام البروكونيسي، من نوع شائع نسبيًا في فلسطين والأردن، ويمكن تأريخه إلى القرن الرابع. وعلى سطح التثبيت العلوي لتاج العمود، نُحت صليب داخل دائرة، وهو بطبيعة الحال ينتمي إلى إعادة استخدام متأخرة، دون أن يكون بالإمكان تحديد تاريخها بدقة.
من أين جاءت هذه الكتل الأثرية الكثيرة؟ من الصعب معرفة ذلك، لكنها بالتأكيد ليست من التلة الصخرية التي تقوم عليها كنيسة مار تقلا، حيث لا يُرى أي أثر قديم. فالصخر يظهر مباشرة تحت جدران الكنيسة.
وقد تكون هذه العناصر قد نُقلت من القرية، حيث تم الإبلاغ عن اكتشاف عرضي لبقايا أثرية. وفي وضعها الحالي، تُعدّ كنيسة مار تقلا في شيخان كنيسة صغيرة من العصور الوسطى مبنية باستخدام عناصر أثرية معاد توظيفها. وهذه العناصر تعود في معظمها إلى العصر الروماني، بينما يمثّل العصر البيزنطي المبكر تاج عمود واحد فقط، وهو أيضًا عنصر منقول.
ويمكن ملاحظة بعض آثار الرسوم في تجويف الحنية، والتي قد تعود إلى العصور الوسطى (القرنان الثاني عشر والثالث عشر).
بالعودة إلى الكتابة السريانية (الإسترنجيلي Estrangelo) المحفورة على أحد حجارة التي تشكّل القائم الشمالي لباب الجهة الغربية كناية عن نقش صغيرمؤلّف من سطرين:
الكلمة الأولى من النقش هي على الأرجح MORI «موري» (سيدي أو مولاي)، إذ إن MOR «مور» تعني السيد أو القديس، وحرف «ي» يُستخدم للدلالة على «خاصتي» أو «لي». أمّا السطر الثاني فمن الصعب قراءته، لكنه قد يبدأ بحرف "س" وينتهي بحرف " ر".
وهذا الحجر وطبقًا لوضعيته في القائم تنطبق عليه صفة ال spolia.
وبالعودة إلى الباحث إرنست رينان Ernest Renan، فقد ذكرها إثر زيارته إلى لبنان عام 1860-1861 في كتابه Mission de Phénicieالذي تمّ نشره عام 1864، إذ كتب " في شيخان كنيسة أورثوذوكسية في حالة خراب، تُظهر تاج عمود دوريّ نقيّ نسبيًا. وعلى الباب، بقايا نقش يبدو سريانيًا."
وتؤكّد الباحثة May Davie في كتابها الكنائس الأرثوذكسية في قرنة الروم (بلاد جبيل) الصادر عام 2012 وجود كتابة يونانية داخل الكنيسة على أحد الأعمدة، وتذكر أنّ "العمود المركزي الجنوبي يحوي لوحة بارزة عليها كتابة يونانية غير واضحة، لكن يمكن تقدير وجود الاسم السامي "أبودا" من دون تأكيد ذلك. وتشير إلى أنّه يمكننا أن "نتبيّن الحقبة الرومانية عبر بعض الأخجار التي أعيد استعمالها في العديد من أقسام المبنى. نلاحظ وجود حجر ذي شكل شبه هرمي موضوع عند أوّل الحنية..يحوي تحت زخرفة التاج صفيحة مجنّحة..ترقى أيضًا إلى العصر ذاته الأعمدة والتيجان ذات الشكل الدوري. هذه التيجان تكشف في أسفلها عن حلية تاج مرسومة بتداخل ثىث حلقات صغيرة."
وتذكر أيضًا أنّ "الكنيسة شبه مستطيلة (9،75 x 8،30 م)، يقسم الداخل إلى ثلاثة أروقة بواسطة صفّين من الدعامات أربع منها تتكوّن من قواعد أعمدة قديمة العهد قطرها متران..حائط صدر الكنيسة يضمّ حنية مركزيّة نصف دائرية وغرفة صغيرة يشكلها الحائط الجنوبي للكنيسة والجهة الجنوبية الدائرية من الحنية..وتحمل الحنية المركزية إفريزًا مؤلّفًا من قطع حجرية أعيد استخدامها في البناء..المائدة وسط الحنية مؤلفة من دعامة حجرية مستطيلة (إرتفاعها 65 م بقياس 0،35 x 0،50 م) وعليها حجرًا أوسع (0،75 x 0،65 م) على نمط طاولة وحفر على الجهة الغربية من الدعامة صليب مشطور.." وتضيف بأنّ "الحقبة البيزنطيّة فيها تظهر عبر تاج عمود صغير، كورنثيّ الشكل، استقدم من مبنى صغير على شكل مظلّة. ورقتا شوك نحتتا على جهتين متقابلتين من التاج، أمّا الجهتان الأخريان فتتميّزان بطابع أملس..هناك صليب محفور داخل دائرة على سطح التاج ما يشير إلى أنّه حفر في المرحلة التي أعيد فيها استعمال هذا التاج... يرجّح أنّ حجارة العقد التي تؤلّف إفريز الحنية تعود أيضًا إلى الحقبة البيزنطية الأولى. عند تفكيك الأيقونسطاس، تبيّن وجود حجرين أعيد استعمالهما: أحدهما عتبة باب، والآخر يحمل الكثير من التفسّخات الهندسيّة المستطيلة التي يصعب تحديدها. تشير حفريات عديدة في الصخور المحيطة بالكنيسة إلى وجود أثر لمنشآت قديمة، كمعصرة أو خزانات. يحتفظ السكان باسم مكان كان يعرف بمقبرة اليهود، التي كانت ضمن ثلاثة شقوق في الصخر ما عادت موجودة اليوم."
أمّا فوزي سابا فيذكر في كتاب حول مدينة جبيل وقرى الجرد وجود بئر قرب كنيسة القديسة تقلا في شيخان، وفي داخل هذه البئر عمود يتجاوز بمقدار متر مستوى الخرزة. ويشير إلى الشبه بين هذا العمود وذاك الموجود في كنيسة القديسة تقلا. لا نجد اليوم أيّ أثر من هذا كلّه في القرية. ولاحظ المؤلّف أيضًا عددًا مهمًّا من القبور في الصخور حول الكنيسة، ويفترض أنها فينيقية أو رومانيّة..واحتوت هذه المدافن فوانيس من الفخار ومدامع زجاجية. ويذكر كذلك أجزاء أعمدة وموائد منتشرة في أرجاء القرية.
كما غالبية الكنائس القديمة فكنيسة مار تقلا في شيخان ترقى على الأقل إلى العهد الرومانيّ والعهد البيزنطيّ ... ومن الضروريّ الإشارة إلى أنّ الآثار الرومانية - البيزنطية التي أعيد استعمالها في كنيسة القديسة تقلا ليست في مكانها الأصلي، (Spolia). ويجوز التساؤل من أين أتت هذه الآثار…