الأ ب الناسك داريو إسكوبار

كان الأب الكولومبي داريو إسكوبار (1934-2026)  Father Dario Escobar يعيش حياة رفاهية في مدينة ميديلين Medellín شمال غرب كولومبيا، وهي ثاني أكبر مدينة في البلاد، حيث وُلِد في 7 تموز 1934 وسط عائلة ميسورة، وقد عُرف بثقافته الواسعة إذ كان أستاذاً جامعياً واختصاصياً في علم النفس، يتقن الإسبانية لغته الأم إضافة إلى الإنكليزية والفرنسية. لكنّ حياته تبدّلت جذرياً بعدما تعرّف، خلال زيارة لدير تابع للرهبنة اللبنانية المارونية في أميركا، إلى لبنان والوادي المقدّس وحياة النُسّاك فيه على يد راهب لبناني، فهبت الدعوة في داخله إلى حياة الصلاة والتجرّد.

فترك الجاه والراحة، وجاء إلى لبنان سنة 1993، حيث تنقّل بين عدد من الأديرة التابعة للرهبنة اللبنانية المارونية، منها دير كفيفان، ودير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة طاميش حيث أعلن نذوره الأبدية سنة 1997، إضافة إلى دير مار مارون عنايا المتأثر فيه بسيرة القديس مار شربل، ودير جنين.

ثم انتهى به المطاف حبيساً في محبسة سيدة حوقا، غارقًا في عزلة روحية، حيث عاش سنوات طويلة في الصمت والصلاة والتأمل، مكتفياً بالقليل من الطعام والعمل اليدوي والزراعي والعيش البسيط. وكان يقضي معظم أوقاته في الصلاة وقراءة الكتاب المقدس والتأمل بعيداً عن ضجيج العالم، وكان ينام ساعات قليلة على فراشٍ على الأرض وحجرٍ كوسادة...

وفي سنواته الأخيرة، انتقل إلى محبسة مار بولا في وادي قزحيا، حيث تابع حياة النسك والصلاة حتى وفاته في 19 أيار 2026 عن عمر ناهز الثانية والتسعين...

وقال قبل دخوله المحبسة:

 المال لم يجلب لي السعادة، بل على العكس، كان يسبّب لي الهموم، فقرّرت أن أترك كل شيء وألبّي نداء الله.

ومن تأملاته التي تركت أثراً عميقاً في نفوس زوّاره ومحبيه:

 من يذق طعم هذه الحياة لن يرغب في حياة أخرى.

كما كان يؤكد دائمًا:

هنا، أبلغ سلاماً داخلياً لن أتخلى عنه ولو مقابل أكبر الثروات.

وقد شكّل الأب داريو مثالاً حيّاً على التجرّد الكامل والثقة بالله، إذ اختار العزلة والصلاة بدل الشهرة والمال، فصار حضوره الروحي علامة رجاء وسلام لكل من كان يلتقيه في محبسته في الوادي المقدّس، عُرف ببساطته وروحه الفكاهية أحيانًا مع الزوار والحجاج الذين كانوا يقصدونه من لبنان والخارج. وكان يُعتبر من آخر النُساك المسيحيين الذين ما زالوا يعيشون هذا النمط التقليدي من العزلة والصلاة في الشرق.

Video