تُشكّل القرى والبلدات اللبنانية في قضاء جبيل نسيجاً تاريخياً وجغرافياً غنياً، وتبرز من بينها بلدة "بِجِّه" كنموذج للبلدات التي تجمع بين الميزة الجغرافية، العمق اللغوي التاريخي، والفرادة الدينية الأثرية. وعُرفت البلدة في العهد الفينيقي كـ "منطقة صيد"
تبعد بِجِّة عن العاصمة بيروت حوالي 55 كيلومتراً (وصولاً إلى وسطها)، ونحو 18 كيلومتراً عن مركز القضاء (مدينة جبيل التاريخية). ويتصل هذا الحيز الجغرافي بمحيطه عبر شبكة من المسارات التاريخية والحديثة؛ حيث يُمكن الوصول إليها إما عبر الطريق الساحلي القديم مروراً ببلدات (عمشيت، غرفين، حبالين، شامات، بيت حبّاق، وغلبون)، أو عبر المسار السريع من المدخل الشمالي لعمشيت صعوداً نحو حبالين وحاقل وصولاً إلى بجّة.
أما على الصعيد الاشتقاقي والتاريخي، فقد حظيَ اسم البلدة باهتمام المؤرخين واللغويين؛ حيث يشير الباحث أنيس فريحة في كتابه "معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية" إلى فرضيات عدة لأصل التسمية. فمنها ما يربط الاسم بالجذر (Bagge) بمعنى الحدائق والجنائن، أو (Bagga) الذي يفيد تفجّر المياه ومسيلها. وتذهب فرضيات أخرى نحو دلالات نباتية وآرامية مثل (Page) أو (Pagga) وتعني التين الفج أو الجمّيز والحصرم. وفي بُعدٍ ديموغرافي تاريخي، تبرز فرضية تربط البلدة بهجرة قوامها مجتمع مسيحي نزح من بلدة تحمل الاسم نفسه "بجّة" في منطقة حوران (سوريا)، لينقلوا اسم موطنهم القديم إلى مستقرهم الجديد في جبل لبنان. كما ويُعتقد تاريخياً أن بعض سكانها الأوائل نزحوا قديماً من بلدة يانوح الجبيلية...
تتجلى الهوية الروحية والأنثروبولوجية للبلدة في كثرة معالمها الدينية والأثرية، والتي تعكس تعاقب الحقب التاريخية؛ وتضم البلدة دير مار سابا (الذي يقف اليوم في حالة خراب شاهداً على الماضي)، إلى جانب منظومة من الكنائس المنتشرة في أحيائها؛ ككنيسة مار يوسف في الرويس، سيدة المزرعة في حي ضهر صريا، مار سركيس وباخوس في حي المحمرة، سيدة النجاة (وقف خاص)، سيدة الانتقال في جب الملح، بالإضافة إلى كنائس مار عبدا، مار الياس، والقديسة تريزيا.
ومن هذا المنطلق، يتركز هذا البحث على دراسة المعلم الديني والأثري الأقدم في البلدة، وهو "كنيسة سيّدة المزرعة"، بهدف تفكيك أبعادها التاريخية، المعمارية، والروحية، وتحديد مكانتها ضمن الإرث الثقافي للمنطقة.
فقد شيّد الأقدمون كنيسة على اسم السيّدة العذراء في المحلّة المعروفة بالمزرعة فدُعيت باسمها، بحسب ما ورد في كتاب "تاريخ بجّة وأسرها في لبنان وبلاد الاغتراب" للمؤلّف صقر ابن صعيب ابن جرجس، الملقّب بالأعرج. أمّا عمر الكنيسة فلا يزال مجهولًا، إذ لم يُعثر حتّى اليوم على أيّة وثيقة تحدّد تاريخًا لها، لكنّ طريقة البناء والأحاديث المتواترة تُرجّح أنّها بنيت في القرن الحادي عشر. وبفضل تبرّعات أهالي البلدة تمّ شقّ طريق إليها حتّى باتت مقصدًا للزّائرين. كما اهتمّت لجنة الوقف بترميم وتجميل السّاحة التي حول الكنيسة، فجعلت منها حديقة عامّة.
الكنيسة تقع تحديدًا في منطقة ضهر صريا، إحدى روابي البلدة الشمالية، وهي واحدة من أصل 11 كنيسة فيها، مبنية على ارتفاع 600 م ، تحيط بها أشجار السنديان، وجهتها نحو الشرق تنتهي بحنيّة مكوّرة نصف دائرية. مدخلها من الجهة الغربية يعلوه رِواق معقود، مع نافذة وحيدة في حائطها الشمالي وكوّة صغيرة فوق بابها الغربي، ويعلو مدخلها تمثال للسيّدة العذراء.
الكنيسة صغيرة الحجم، وقديمة العهد، وعقدها سريريّ، تتنتهي بحنيّة مكوّرة نصف دائرية مع قوسها، وضمنها إفريز حجري ناتئ. تتوسط الحنيّة صورة للقديسة حنِّة والدة العذراء مريم، وتحتها رسمة للعذراء.. يحيط بيمن الحنية ويسارها رسمان للسيدة العذراء محاطة بالملائكة، ومذبحها صخريّ يرتكز على عمود قديم أو محدلة...
يُلاحظ في جدرانها وأرجائها حجارة كبيرة وأعمدة وتيجان على الأغلب رومانية، إذ، وبحسب ما ورد في كتاب"تاريخ بجّة وأسرها في لبنان وبلاد الاغتراب"، هناك من يؤكّد بأنّ هذه الكنيسة جزء من دير قديم تهدّم، وقد تمّ العثور على آثار عدّة، عند شقّ الطريق إليها، من بقايا أدوات فخّاريّة، وحجر معصرة إلى مقابر وآبار.... وهنالك من يؤكد بأنَّ الكنيسة شُيّدت فوق أنقاض معبد فينيقي قديم، تحول لاحقاً إلى دير وبقايا أثرية رومانية ونواويس حجرية محفورة في الصخر تحيط بالموقع. يُذكر بأنّ منطقة ضهر صريا غنيّة بالنواويس والآثار...
تم ترّميم الكنيسة كما ذُكر آنفًا في القرن العشرين، وأُضيف إليها برج الجرس، وهو ملاصق لمبنى الكنيسة ومصنوع من الباطون، وتزدان حديقة الكنيسة بعد الدرج الرئيسي الذي يقود إليها (الكنيسة)، بتمثال يُجسِّد مريم العذراء وهي تحمل يسوع المسيح بالإضافة الى مذبحٍ صخري...