كنيسة مار الياس بطينا - المصيطبة

تقع كنيسة مار الياس في منطقة المصيطبة وهي واحدة من أقدم المناطق في بيروت، حدودها ما بين فردان والرملة البيضاء وراس بيروت. تقع على مرتفع عالٍ، وبسبب ارتفاعها هذا سُمّيت "المصيطبة"، والاسم مشتقّ من كلمة مسطبة ومعناه المكان المرتفع. وقد تحوّلت هذه الأخيرة في عهد المماليك إلى ترسانة عسكرية...ومن أشهر أحيائها "حيّ العمارة"، الذي مازال موجودًا حتى اليوم، حيث كانت تُصنّع السفن والزوارق، وتُرسَل عبر ممرات خاصّة من المصيطبة نحو مرفأ بيروت. وبسبب موقعها المميّز، بنى فيها الأمراء المماليك وأعوانهم من كبار الضبّاط ونخبة من أبناء الجوار العمارات والقصور، نذكر منهم رجل الاستقلال صائب سلام، ومن قصورها نذكر قصر آل سلام، قصر آل بيهم، قصر آل الطيّارة، قصر آل عليوان، قصر آل العريس... وقد أسّست فيها الطائفة الأورثوذكسيّة مدرسة في العام 1868 حملت اسم "مدرسة المصيطبة والمزرعة".

 

ورغم أن المدرسة تحت رعاية الكنيسة الأرثوذكسية، إلّا أنّها ترحّب بجميع التلامذة "من كلّ الطوائف"، وتقود رسالة وطنية. وقد لعب كلّ من الدير دورًا مجتمعيًا مهمًا في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات باستضافة لاجئين فلسطينيين في أرضٍ تخصهما معروف باسم مخيّم «مار إلياس».

 ومنذ خمسينيات القرن الماضي أقيمت مدرسة مكان الدير تُعرف باسم مدرسة مار إلياس بطينا مرتبطة بـ أبرشية بيروت للروم الأرثوذكس، دخلت المدرسة مؤخراً ضمن شبكة تعليمية باسمGlobal education  ما يُعدّ نقلة نوعية من حيث التطوير والتحديث...

يعلو مدخل المدرسة لوحة حيث نقرأ:

بنى وكلاءُ هذا الوقف دارًا    تخلّدُ ذكرَهم ... سنينا

فإنّهم بكدّ شيّدوها                لإيليا شفيع المؤمنين

بعهد الخبرغفرائيل تمّت        فأضحت بعده اثرا مبينا

فيا من زارها يمّم مقاما         لصاحبها بناه الاقدمونا

وصلّ مؤرخا واهتف بورع    تشفّع يا نبيّ الله فينا

                        سنة 1900    

 

وكان المكان يُعرف سابقاً بدير النبي إلياس بطينا الّذي يعود بناؤه إلى القرن التاسع عشر، وننقل عن الباحث جان مخايل صدقة في كتابه العذراء مريم في لبنان – الجزء الثامن، حيث يقول بأنَّ الدير قد بني من الطين ومن هنا اسمه، وأنّ جزءًا من المدرسة يعود بأقل تقدير إلى القرن الثالث عشر. أمّا عن الرسوم الجدارية في الكنيسة فيقول خبر، نقلاً عن جريدة النهار الصادرة بتاريخ 27 حزيران 2007 ما مفاده أنّه "استعدادًا للاحتفاء بعيد شفيعها في 20 تمّوز المقبل، أراد القيّمون على كنيسة مار الياس بطينا في المصيطبة إجراء بعض التحسينات عليها. وفيما كان يتمّ تنظيف سقف الهيكل، ظهرت طبقة من الألوان والاشكال، فأُوقفت الأعمال على الفور، واتّصل كاهن الرعية الأب جيراسيموس عطايا بمديرة متحف الجامعة الأمريكية الدكتورة ليلى بدر، التي استدعت رئيس فريق المرممين الذي يعمل في دير كفتون في الشمال، البولوني كريستوف خيميلفسكي للكشف على الموقع، واتخاذ الإجراءات اللازمة بناء عليه"، فأفاد الأخير أنّه تبيّن وجود 5 طبقات تغطّي سقف الهيكل المحفور في الصخر وتحوي، خصوصًا الأولى منها، رسومًا جداريّة يُعتقد بأنها تعود إلى القرون الوسطى أي نحو القرنين الثاني عشر والثالث عشر ميلاديّ".

 بناءً عليه باشر عالم الآثار البولوني Krysztof Chmielewsk من جامعة الفنون الجميلة في وارسو مع تلامذته و Anna Czajka من المختبر الوطني البولوني للمحافظة على مواد الأرشيف بالاعمال اللازمة بإشراف المديرية العامة للآثار بالأعمال اللازمة.

وعن كتيب اصدرته السفارة البولونية عن التعاون البولوني-اللبناني في مجال الموزاييك ورسومات العصور الوسطى بالتعاون مع جامعة وارسو والمركز البولوني لآثار البحر المتوسط  ننقل ما يلي:

"الكنيسة المكرَّسة للنبي إيليّا هي اليوم جزء من مدرسة تشغل مباني دير بُني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أمّا الهيكل الصغير (المذبح) للكنيسة الحالية فهو أقدم بكثير، إذ نُحت مباشرةً في الصخر. على أحد الجدران، حيث تساقطت طبقة الطلاء الخارجية، ظهرت ملامح تركيبٍ فنيٍّ كان مخفيًّا تحتها. وفي عام 2010، اكتشف المرمّمون لوحاتٍ جداريةً تعود إلى العصور الوسطى - كانت متضرّرة بشدّة، لكنها ذات قيمة تاريخية وأيقونوغرافية كبيرة:

تُظهر مشهدان على الجدار الشمالي النبيَّ إيليّا جالسًا أمام مغارة، ثم صعوده إلى السماء في مركبة نارية. وقد أكّد هذا التحديد وجودُ كتابةٍ يونانيةٍ محفوظةٍ جيدًا. أمّا على الجدار المقابل، فتُرى بقايا لوحةٍ متضرّرة تظهر فيها أجزاء من أشخاصٍ واقفين بهالاتٍ حول رؤوسهم"

 

كانت الكنيسة في الأصل مزارًا داخل مغارة منحوتة في الصخر، زُوِّدت بفتحات للتهوئة في سقفها، وما زال المذبح الحالي قائمًا ضمن التجويف الصخري القديم . ومع مرور الزمن، جرى توسيع هذا المقام وتحويله من مزار بسيط إلى الكنيسة الواسعة القائمة اليوم، فصار الجزء المحفور في الصخر هو هيكل الكنيسة الحالية.

 

يتميّز إيقونستاس الكنيسة بكونه مصنوعًا من الخشب، غنيًّا بالزخارف، ومن منشأ روسي، تعلوه أيقونات روسية قديمة ذات قيمة فنية... كما تحتضن الكنيسة أيقونة قديمة عجائبية للنبي الياس، يقصدها المؤمنون من مختلف الطوائف للتبرك وطلب شفاعته، وقد حملت المنطقة المحيطة بالكنيسة اسمه، فيما يتناقل أهلها روايات عديدة عن عجائبه.

 

من التحف الفنية الموجودة فيها:

  • إيقونوستاس مصنوع من الخشب المحفور.
  • أيقونة القديس يوحنا الحبيب، روسيّة الصنع.
  • أيقونات السيد المسيح والعذراء والنبي إيليّا، روسيّة الصنع، رُسمت في القرن العشرين.
  • أيقونة العذراء والطفل على يسار الباب الملوكي.
  • أيقونة والدة الاله جالسة على عرش .
  • أيقونة القديس جاورجيوس وغيرها...

 

وفي باحة الكنيسة شجرة جميزة  قديمة العهد، هذه الشجرة تُذكّر باللقاء بين يسوع وزكّا العشّار. إنجيل القدّيس لوقا (١٩، ١ - ١٠)

 

Video

Location