الجسر الروماني - غزير المعاملتين

بينما كان الفاتِحون المَغول يَجعَلون الأرضَ التي يَستولون عَليها أو يَمُرّون فيها خراباً، كان الفاتحون الرومان، على العَكس، أهلَ عُمرانٍ حتى في البُلدان التي قاوَمَتهُم ولم تَخضَع لَهم إلا بالقوة. والتاريخ يُخبرنا كيف حاولوا جاهدين توفير هَيكل أورشليم وابقاءه سالماً حين ثار العِبرانيّون على حُكمِهم، ولم يَهدِموه في ما بعد إلا إضطراراً حين لم يَعُد هناك من مفرّ ٍ لذلك. وهذه قَلعَة بَعلَبَكّ التي كانت بدايتها فينيقية زاد الرومان عليها الهياكل التي حَمَلَت أسماء آلهَتِهم كَهَيكَل باخوس وهَيكَل جوبيتر.

 

فكان من آثارهم في لبنان أيضاً، لا بل من بقايا هذه الآثار، الجِسر الذي بَنوه في المَحَلَّة المُسمّاة اليوم بإسم "المعاملتين" شماليَّ مدينة جونية، وهو أحد الجسور التي أقاموها لرَبط المُدن بين بَعضِها لتيسير سُبُل التِجارة وإتاحة مرور الجيوش، فإرتفعت هذه الجسور فوق مجاري الأنهر بهندسةٍ مُتقَنَة تَجمَع حُسنَ المَظهر الى الصلابة والمَتانة، يَشهَدُ عليها ما بقي منها الى يومنا، وهي، بالإضافة الى جِسر غزير، جِسر جبيل بين المدينة ومَدافِنِها القديمة.

 

ويَذكر واكيم بو لحدو في كِتابه "جونية – صور من الذاكرة" إن هذا الجِسر بُني في الحَقَبة الرومانية .. كجزءٍ مُسهِّل لطريق أنطونياني روماني، إذ باشر الرومان بِبِنائه بعد إستيلائهم على الشرق، وهو مؤلَّف من حجارة منحوتة كُتَلاً لتُشَكِّل عقداً وحيداً له مقوَّساً يَصِل مَداه الى إثنَي عشر متراً. وكان هذا الجِسر، في زمن الصليبيين، يُحاذي الحدود القائمة ما بين كونتية طرابلس ومَملَكَة أورشليم اللاتينية. ثم في زمن المماليك (القرن الثالث عشر الى السادس عشر) أصبح جِسراً يفصِل ما بين مُقاطعتين: مُقاطعة طرابلس ومُقاطعة صيدا. وكان يُمكِن عبور هذا الجسر بإجراء مُعاملة مُزدوجة، ومن هنا جاء إسم "المعاملتين". وإبان حقبة الممليك، كانت مُعاملة طرابلس، تتألف من المُقاطعات الآتية: الزاوية، جبة بشري، الكورة، القويطع، بلاد البترون، بلاد جبيل، جِبَّة المنيطرة والفتوح، وأمّا مُعاملة صيدا فكانت تَشتمِل على: كسروان، القاطع، المتن، الغرب، الشحار، إقليم الخروب، المناصف، الجرود، العراقيب، الشوفين، إقليم جزين، إقليم الريحان، زحلة وقسم من البقاع الشرقي.

 

وقد رُمِّم هذا الجِسر للمرة الأولى على عهد الفرنسيين في زَمَن إنتدابهم على لبنان في العام 1925، ثم أُعيدَ تَرميمَه في زَمَن الإستقلال عام 1950.. حين أُدخِلَ الإسمنت المُسلَّح على بنائه، وتمَّ تلبيس بعض أجزائه. وقد صُنِّف مَعْلَماً أثرياً على لائحة الجَرد العام مرَّتين: الأولى في زَمَن الانتداب الفرنسي عام 1937، والثانية في عهد الإستقلال عام 1972. وللتوضيح، يَدخُل قانوناً مبنى تُراثي في لائحة الجرد العام للأبنية الأثرية في لبنان مرة واحدة. أمّا إعادة إدخاله مَرَّة ثانية في العام 1972، كان لإضافة تعليمات بُغية حمايته بشكل أفضل نظراً لأهميته المُمَيزة.

 

وقد عَثَر العلماء، في مُحاذاته، على حَجَرٍ كان يُستعمل لتَحديد المَسافات، وهو عِبارة عن عامودٍ يرتفع حوالي ثلاثة أمتار ويحمل الرقم 215، ويعود في الزمن الى عصر الأمبراطور ماركوس أوريليوس. وهذا الحَجَر كان الرومان يُطلقون عليه إسم "حَجَر الميل الذهبي" إذ كانوا يَستَخدِمونه في تَحديدِ جميع الطُرق المُمتدَّة من مُختلف مدن الأمبراطورية الى روما، ومن هنا جاءت المقولة التي ما زالت تُردَّد حتى اليوم: "كل الطرق تؤدي الى روما

  Tous les Chemins mènent à Rome 

بينما كان في صربا، قريباً من مَحَلَة الباطية، يُوجد الحَجَر رقم 218، مِمّا يَدلُّ على أن هذا الطريق الروماني، كان يَمرُّ في شير الباطية تَحتَ كنيسة مار جرجس القديمة، بإتجاه بيروت، وهو كان طريقاً ضَيّقاً ولَكِنَه مُحكَم الرَصف بالحجارة.

 

أمّا أنطوان خويري في كتابه "تاريخ غزير" فيقول إنه وُجِدَت بِقُرب الجِسر مغارتان، وَعَدَدٌ من النّواويس، والمَعاصِر القديمة، وأدوات من حِجارة صَوّانيّة وفخّاريّة ومعدنيّة...

 

المغارة الأولى تُدعى "مغارة الأسد" أو "مغارة آدم"، وهي تَقَع فَوقَ الخطّ السّاحلي للسِكّة الحديديّة، إكتشفها سنة 1833 عالما الآثار "BOTTA" و"REMY de Saint Etienne". وقد صُنِّفت في لائحة "Burkhalter’s List" للأماكن الأثريّة العائدة الى ما قبل التاريخ. وقد إعتبرها "Karge" كواحدة من المَحَطّات الشاطئيّة التي تعود الى العَصر الحَجريّ.

 

ويَعتبِر "Zumoffen"، إستناداً الى مجموعات من الأواني والأدوات الظرّانيّة والعِظام والفؤوس الحجريّة التي جَمَعَها الأب "De Moulin" من المغارة أنّ هذه الآثار هي من بقايا العَصر النّيوليتي. ولكنَّ المدخل الأصلي لهذه المغارة قد تهدّم عندما شُقَّت الطريق الساحلية ومُدّت السكّة الحديدية.

 

وأمّا المغارة الثانية فَتَقَع أيضاً بالقرب من جِسر الرّوماني، "وقد إكتشفها "Bovier Lapierre" سنة 1908 ووجد في داخلها مَجموعة أدوات حَجَرية ظِرّانيّة من أزاميل ومناشير وفؤوس وعِظام حيوانات، فَنَسبها الى العَصر الحَجريّ الأوسط. ثمّ إكتشف فيها أيضاً العالِم "Bergy" مَجموعاتٍ حَجَريّة رَدَّها الى العصر النّيوليتي الأوسط. وهذه المجموعات ما تزال مَحفوظة في مَتَحَف الجامعة اليسوعية في بيروت.

 

ويَعتَقِد بعض المؤرّخين بأن هاتَين المغارتَين كانتا مأهولتَين بالسُكّان لقُربِهِما من الشاطىء، بحيث كان من المُمكن الإحتماء فيهما من الحيوانات المُفتَرِسة، وحيث تجري المياه العذبة المارّة بقربهما تحت الجسر، ولوجود بعض النباتات وسهولة القيام بصيد الأسماك تأميناً للقوت والغذاء...

 

ويبلغ الطولُ المُتَبَقي لهذا الجسر 35 متراً، وتَنفَتِح قَنطَرَته على مدى 12 متراً. وقد شَيَّده بُناته الرومان كما ذُكِر آنفاً بالحجر الكِلسيّ، فكان داخله مشكَّلاً من خليطٍ من الحجارة والكلس المائيّ.

 

ويَصِف الدكتور لويس لورتيه  هذا الجِسر في كتابه "مُشاهدات في لبنان" بأنه "جِسر رومانيّ جميل مؤلَّف من قوس واحدة، وهو مبنيّ بحِجارةٍ ضَخمَة مَنحوتَة نحتاً رائعاً".

 

ولا بدَّ من الإشارة، الى ان الحروب المُختلفة التي عرفها لبنان على مَرّ العصور، وخصوصاً التي جرت في نهاية القرن العشرين، قد جَرَفَت عدداً غير قليل من الصُروح الأثرية القديمة. ولحُسن الصِدَف، نَذكُر أن الجِسّر الحديث الموازي للجِسر القديم والقائم على الطريق الدولية بيروت – طرابلس (أنظر الصورة) قد دُمِّر أثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان سنة 2006 بينما الجِسر الأثري بقي صامداً.

 

يُذكر أنه جَرَت مُحاولات من قِبَل بعض جمعيات المُجتمع المدني والمديرية العامة لللآثار لتأهيل هذا الجسر الأثري.