كنيسة سيّدة الحَبَشية - غزير


 يُطرَح السؤال حول سَبَب تَسمية كنيسة السيّدة العذراء في بَلدَة غزير بإسم "السيّدة الحبشية"، إذ إن ذلك أدَّى الى رأيين مُتعارضين بين أن تكون هذه التسمية نسبةً الى بلاد الحَبَشة أو نسبةً الى عائلة آل حبيش في غزير، التي قيل أنها هي التي بَنَتها وقال آخرون إنها رَمَّمتها، وإنها على كل حال، كان لها يد فيها أو يد عليها. ففي مُراجَعَتِنا النُصوص المؤرِّخة لهذه الكنيسة وَجدنا في كتاب "تاريخ الموارنة الديني والسياسي والحضاري" للأب بطرس ضو أنه "سنة 1640 إستَحَصَل آل حبيش على فرمان من السُلطان العُثماني لِتَرميم كنيسة السيّدة في غزير، وشيَّدوا بِموجب هذا الفَرمان كنيسة السيّدة المَدعوَّة الآن "الحبشية" وكرَّسها البطريرك إسطفان الدويهي في 13 آذار سنة 1863".

 

  كما وَجَدنا في "مُختَصَر تاريخ غزير" الذي وَضَعه السيّد حبيب مرعي أنه  سنة 1640 حَصَل آل حبيش على إذنٍ بترميم كنيسة السيّدة الحبشية التي كانت قائمة نحو سنة 1446 أي قبل سبعين سنة من عودة المسيحيين الى كسروان، ويتابع قائلاً: "تُنسَب هذه الكنيسة الى الرُهبان الأحباش اللبنانيين الذين ترهبَّوا في النبك (سوريا) في دير مار موسى الحبشي، علماً بأن هؤلاء الرهبان اللبنانيين قد غَطّوا الأديرة والكنائس قبل قُدوم الموارنة الى كسروان، وهم الذين أورثوا الرهبانية اللبنانية المارونية دير مار موسى الحبشي في المتن، مَحلة الدوّار على طريق ضهور الشوير. 

 

فهو لم يَجزُم برأيٍ شخصيّ ٍ له حَول الجِهة البانية لِلكنيسة، بل قال إنها "تُنْسَب" الى الرهبان الأحباش اللبنانيين، كما أشار الى ان آل حبيش رَمَّموها ولم يَقُل أنهم بنَوها، ولكن ما لم نَفهَمه هو ذِكره "الرهبان الأحباش اللبنانيين"، فما يعني بذلك؟ هل أنهم أحباش في الأصل تَلَبنَنوا بفعل إقامتهم الطويلة في لبنان، أم إنهم رهبان لبنانيون نَسَباً ولكنهم سُمّوا أحباشاً لكونهم دانوا بمذهب الأحباش القائل بالطبيعة الواحدة في المسيح؟

 

أمّا كتاب "تاريخ غزير" للأستاذ أنطوان خويري ففيه أنه تَتَعَدَّد الروايات حول حقيقة إسم هذه الكنيسة. ففي حين يَروي البعض بأن مشايخ آل حبيش قد بنوا هذه الكنيسة في أوآئل القرن السادس عشر على إسم السيّدة مريم العذراء ودعوها "السيّدة الحُبَيّشِية"، يقول البعضُ الآخر بأن رهباناً حَبَشيّين من أصحاب المشيئة الواحدة قد جاءوا من الحَبشة الى لبنان في أواسط القرن الخامس عشر وسكنوا غزير، وبنَوا فيها كنيسة فوق أنقاض هيكلٍ قديم كان يقع في أعالي البلدة للجهة الجنوبية الشرقية، ورفعوا فوق مذبحها صورةً لمريم العذراء حَمَلوها معهم من بلادهم الحبشة، وهي تَتَميَّز بلونٍ يَغلِبُ عليه السواد، ثم تَبِعَهم أحد المطارنة، فَسَكَن مَعَهُم لمُدةٍ من الزمن، وبعدها إنتقلوا الى قضاء المتن حيث بنَوا ديراً على إسم مار موسى.

 

ويتابع أنطوان خويري قائلاً: "ويروي بَعضَهم الآخر أن رهباناً لبنانيين كانوا قد ترهَّبوا في دير مار موسى الحَبَشي في منطقة النبك بسوريا.. عادوا الى لبنان في سنة 1446 حاملين مَعَهم صورةً لمريم العذراء ذات وجهٍ يميل الى السواد من رَسِم أحد الرهبان الحَبَشيين، وتوجَّهوا الى بلدة غزير حيث حلّوا فيها لمدةٍ من الزمن وبنَوا هناك كنيسةً على إسم "السيّدة الحَبَشِيَة"، وبعد سنواتٍ إنتقل هؤلاء الرهبان من غزير الى المتن، وبنَوا ديراً على إسم مار موسى الحَبَشي، أصبح في ما بعد من عداد أديرة الرهبانية اللبنانية المارونية.

 

غير أن الأب لويس شيخو اليسوعي يقول إن هذه الكنيسة قد بناها آل حبيش، وكان الموارنة يأتونها من كل حَدبٍ وصَوب، ويوَقِفون لها الأوقاف ويقدّمون النُذور، حتى إضطُرَّ آل حبيش الى توسيعها، فأرسلوا الى الإستانة يطلبون فرماناً من الباب العالي لبناء كنيسة في أعالي البلدة، وجعلوها على إسم السيّدة المعروفة بـ "الحُبَيّشِية"، وقد كَرَّسها البطريرك إسطفان الدويهي سنة 1683.

 

ولكنَّ لهذا الكلام للأب شيخو نصّاً آخر جاء في مجلة "المشرق" عدد 1، السنة ٣ (١٩٠٠) ص 214، تحت عنوان "ملحق" يوضح الأمر أكثر من السابق إذ يقول: "زاد نُفوذ الشيوخ من بني حبيش، وأنزلهم الامير منصور البرج الذي إبتناه الأمير عسّاف، وكان هو كبَّرَه وزيَّنَه فجعله كقصرٍ له، ثم قدَّم بني حبيش وإستعملهم في مهمّاته، وإتخذ مِنهم يوسف وسليمان حبيش لتدبير أموره فخوَّلهما رتبة كاخية".

 

ويتابع الأب شيخو قائلاً: "وفي أيام بني سَيفا خَسِرت غزير شيئاً من رَونقِها الذي أصابته في أيام الأمير منصور. وكان لآل حبيش التَقَدُّم على نصارى البلدة، يسكنون البُرجَ السابق ذكره، وكان الامراء المَعنيّون إهدوهم إياه بعد إنقراض الامراء العسّافيين، وفي وسط هذا البرج أقام آل حبيش معبداً صغيراً جعلوا فيه صورة العذراء مريم. ويتناقل الأهالي أن الأمر أُوحيَ إليهم بِمُعجِزةٍ خاصة إذ ظهرت أنوار عجيبة فوق البُرج مُدَّة ليالٍ عديدة، فأخذ نصارى البلدة يجتمعون في هذا المقام للصلاة ويُكرّمون الصورة إكراماً خصوصياً. ومُذ ذاك إشتهرت في لبنان العبادة لسيّدة الأبراج، فكان الموارنة يأتونها من كل صوب ويوقفون عليها الأوقاف وينذرون النذور، حتى إضطرَّ آل حبيش الى توسيع أفنائها، ثم أرسلوا الى الأستانة وطلبوا فرماناً من الباب العالي لإبتناء كنيسة كبرى في أعلى البلدة، فَصَدَرَت الإرادة السَّنية تأذُن لهم بذلك، فَبَنوا الكنيسة الرَعويَّة وجعلوها ايضاً على إسم السيّدة.

 

فيُفهم من هذا الكلام ان المَعبد الذي أقيم في وسط البرج وأقيمت فيه صورة العذراء مريم هو الذي دُعيَ بـ "سيّدة الأبراج"، ولا خلاف فيه على أنه من إبتناء آل حبيش، ولكنَّ قوله: "بنوا الكنيسة الرعويَّة وجعلوها ايضاً على إسم السيّدة" فيفيد بما لا يقبل الجَدل أن المقصود منه هو كنيسة السيّدة الحُبَيشية التي هي الكنيسة الرعويَّة، وحسب كلامه ان آل حبيش هم الذين بنَوها ايضاً.

 

ولكنَّ هناك مخطوطاً موجوداً في مكتبة "أوكسفورد" في بريطانيا كما ورد في "تاريخ الموارنة الديني والسياسي والحضاري" للأب بطرس ضو، يَتَضَمَّن نصّاً يُشير الى وجود كنيسة على إسم السيّدة مريم العذراء في غزير يعود الى سنة 1446، وقد جاء في هذا النص حرفياً الآتي: "كتاب شرح المزامير. كَمُلَ هذا الكتاب المزامير للنبي داود، صلاته تكون معنا، آمّين. وكان الفراغ منه سنة ألف وسبعماية وسبعة وخمسون يونانية 1757 (1446 ميلادية)، في الشهر المبارك، تمَّ يوم الثلاثاء على يد الخاطي سركيس باسْمِ كاهنٍ من قرية لحفت (لحفد)، وكُتب في قرية غزير على سطح الستّ السيّدة، وهو بِرَسم الأب القسيس يونان من قرية سمر (سمار) جبيل".

 

ويُعلِّق أنطوان خويري على هذا النص قائلاً: "يأتي هذا المخطوط ليُشير الى وجود كنيسة سيّدة الحَبَشية قبل مجيء آل حبيش الى غزير بتِسعٍ وسِتّين سنة، إذ إن الشيخ حبيش بن موسى إنتقل من يانوح الى غزير في العام 1516 مع مجيء الأمراء العَسّافيين إليها وتولّيهم الحكم فيها. وفي السنة الماضية 2006 جاء الى غزير مُطران من الحَبَشة وزار الكنيسة المذكورة، ولدى رؤيته صورة مريم العذراء هتف فرِحاً: هذه الصورة هي سيّدة الحبشة وشفيعتنا.

 

وفي هذا السياق نورِد نبذةً بقلم عبدالله ميخائيل رعد جاءت في مجلة "المشرق" عدد ١٧، السنة 6 (١٩٠٣)، ص 793-794، يقول فيها، بعد أن يُشير الى أن الأحباش يَبنون كنائسهم حسب هندسةٍ غريبة لم يألف المسيحيون في العالم كلّه رؤية معابد على شكلها: "والأحباش يصوّرون السيّد المسيح والقديسة العذراء وبقيَّة القدّيسين سود الوجوه"، وهذا ما ينطبق على صورة العذراء الموجودة في كنيسة السيّدة الحَبَشية في غزير.

 

وهنا لا بد لنا من الإشارة الى حقيقة تاريخية، وهي أنه، بعد سَيطرة المُسلمين على الأراضي المُقدَّسة، حيث أصبحت المعالم المسيحية فيها ممتنعة على زيارة مسيحيّي العالم لها، ومنهم مسيحيو اثيوبيا، أقام هؤلاء في منطقة لاليليبا في الحَبشة موضعاً عُرف بـ "القدس السوداء" حيث إبتنوا مَعالِم دينية مُستوحاة من الأراضي المقدَّسة إذ نجد فيها "نهر الاردن" و"جبل ثابور" و"بيت لحم" بالإضافة الى عدَّة معالم أخرى ذات صِلة بالقُدس ... حيث غدا الأحباش يمارسون فيها عاداتهم الدينية بديلاً عن شبيهاتها الأصلية في الاراضي المقدسة

 

 

 

وقد وَرَد في عدد مجلة

 La Revue de l’histoire des religions

الصادر عام 1956، المجلَّد 156، الرقم1، الصفحة 66،

 

وتحت عنوان "رَسمة أثيوبية في كنيسة بيت لحم (الإفريقية) "، إن في هذه الكنيسة، الى الجهة اليُمنى، سِتارة عليها أربعة رسوم مع كتاباتٍ دينية، أما الجهة اليسرى ففيها سِتارة رُسمت عليها صورة الله الآب جالساً على عرشٍ ومحاطاً بأربع بهائم، والعذراء جالسةً على سرير وحاملةً الطفل على ذراعها الأيسر(أنظر الصورة في أسفل المقال) ، وفي الأسفل الرسل "الثلاثة عشر" جلوساً في صفّ ٍ واحدٍ، وقد أصبحوا ثلاثة عشر بسبب وجود القديس بولس الى جانب القديس بطرس (أنظر الصورة في أسفل المقال). والعذراء في هذه الصورة، بوجهها المستدير والمائل الى السواد، تشبه تماماً صورتها في كنيسة غزير (أنظر الصورة في أسفل المقال). والشَبَه نَفسَه قائم بين الصورتين في شخص الطفل الذي يبدو متجاوزاً سنَّ الطفولة الأولى الى ما بعدها، وهو لا يبدو كذلك في الصور المُعتمَدة في الكنائس الكاثوليكية ومنها الكنائس المارونية، بل هو ما عُرفت به الكنائس لدى الطوائف الأرثوذكسية الشرقية التي يظهر فيها يسوع مُتخطياً سِنَّ الطفولة الأولى الى ما بعدها، مِمَا هو دليل إضافيّ على أن الصورة المُستوحاة منها صورة السيّدة الحَبَشية في كنيسة غزير، التي هي بريشة الفنان حبيب سرور، هي فعلاً أثيوبية. 

 

وقد أُدرجت "أورشليم الافريقية" في عداد التراث العالمي للأونسكو، وهي كائنة في تضاريس منطقة أمهرة في شمال البلاد، وعلى مَرّ الأجيال ظَلَّت مكان عبادة رئيسيّ لمَسيحييّ أثيوبيا الأرثوذكسيين وغيرهم من أبناء عقيدتهم.

 

   وقد كَتَبَت رئيسة إتحاد استعادة ودراسة جداريات القرون الوسطى في لبنان، المؤرِّخَة راي جبر معوض عن موضوع تواجد الرهبان الأحباش في لبنان، في مقالٍ لها بنشرة "لبنان الجَوفي" التي تَصدُرها الجمعية اللبنانية للأبحاث الجوفية، العدد الخامس، آﺬار 1998، تقول: ان البطريرك أسطفان الدويهي (1670 – 1704) أشار عِدَة مرّات بإختصار الى وجود رهبان أحباش في جبل لبنان قبل العام 1488. كما ﺬكرهم منـﺬ ﺬلك الحين حتى يومنا عدد من المؤرخين اللبنانيين دون تعليق على هـﺬه الظاهرة او محاولة أعطاء تفسير لها وزاد تأكيداً على وجودهم فعلاً في لبنان في ﺬلك العهد النقش الـﺬي إكتشفته، في العام 1995، الجمعية اللبنانية للأبحاث الجوفية في إحدى مغاور وادي قاديشا في شمال لبنان . فلماﺬا جاء هؤلاء الرهبان الى بلادنا البعيدة جداً عن مَوطنهم وكم ظلوا هنا؟ وهل كان لحضورهم بيننا غاية مُعينة أم أن مرورهم في أرضنا كان عابراً وليس ﺬا أهمية؟

 

هناك ثلاثة مَصادر للمَعلومات حَولهم، أولها التواريخ المارونية التقليدية التي تَستنِد الى السيرة التي كتبها الدويهي عنهم، وثانيها مُدوّنتان قصيرتان باللغة العربية وُجدتا على مخطوطة أثيوبية تعود الى القرن الخامس عشر تحوي مزامير وموجودة في مكتبة برلين، ثم نقش اثريّ في مغارة مار آسيا، التي جُعلت ديراً والكائنة تحت بلدة حصرون في الوادي المقدَّس. رواية الدويهي لا نَعرِف مَصدَر مَعلوماته بشأنها، وهي تَقتَصر على ﺬِكر أنه في العام 1488 عَلِم مطران إهدن الماروني يعقوب (1473 – 1513) بأن الرهبان الأحباش المقيمين في دير مار يعقوب هم "هراطقة" وأنه نتيجة لـﺬلك فرض عليهم مطراناً لديرهم، فَرَفضوا هـﺬه الوصاية عليهم وهجروا ديرهم هـﺬا مُنتقلين الى دير مار جرجس الواقع في خراج قرية الحدث في وادي قنّوبين، ثم، على إثر مواجهات مُسلّحة، غادر هؤلاء الرهبان لبنان نهائيا ليستقروا في دير مار موسى الحبشي في بلدة النبك بسوريا. أمّا أن وجودهم في هـﺬه الديار كان في القرن الخامس عشر، فيَشهد عليه النقش الـﺬي ﺬكرنا العثور عليه من قِبل الجمعية اللبنانية للأبحاث الجوفية في مغارة بوادي قاديشا إﺬ أنه مؤرَّخ في القرن الخامس عشر. وتُفيد المعلومات ان سكن هؤلاء الرهبان في لبنان كان في ثلاثة أديار على الأقل هي: دير مار يعقوب الحَبشي في إهدن، ودير مار جرجس الحَبشي الواقع تحت قرية حدشيت، ودير مار آسيا تحت بلدة حصرون. ولا نَعلم ما إﺬا كانوا قد أقاموا في هـﺬه الأديار الثلاثة في زمنٍ واحد أم إنهم سكنوها على التوالي والبراهين الجلية التي أوردتها الكاتبة المُشار اليها أعلاه عن تواجد الرهبان الأحباش في لبنان خلال القرن الخامس عشر تزكيها حِجَة قوية بِكَوْن الأحباش قد بنوا كنيسة غزير في هذه الحقبة.

 

بعد هذا التفصيل عن كنائس أثيوبيا وتواجد الرهبان الأحباش في لبنان نعود الى كنيسة غزير.. لنقرأ عند انطوان خويري أنها "تتميز ببنائها الجميل وهندستها الفنّية الرائعة، وبخاصةٍ سقفها العقد المكوَّن من ثلاثة مصالب (أنظر الصورة في أسفل المقال) يَفصِل بينها برواز حجريّ، والزنّار الذي يلفُّها وهو من الحجر الأسود. ويقول البعض ان هذا الزنّار تمَّ وَضعَه في الوقت الذي كان يجري فيه بناء الكنيسة، وذلك على أثر مرضٍ عُضال، قد يكون الطاعون، تَفَشَّى بين أبناء البلدة، فَعَمَدَ البنّاؤون، على عادة المؤمنين حينذاك، الى وضع هذا الزنّار لتُنَجّي العذراء البلدة من الوباء القاتل (أنظر الصورة في أسفل المقال).

 

 

وبعد الإطّلاع على الوضع الحاليّ للبناء نستدلُّ على ان الكنيسة الحاليَّة قد شُيِّدت على ثلاث مراحل: 

المرحلة الأولى، كما نُلاحظ، شَهِدَت بناء عقدَين مُتلاصقَين وهما حالياً يؤلّفان السكرستيّا ومدافن الكهنة... أما في المرحلة الثانية فقد أضيفت اليها الكنيسة الحاليَّة بإستثناء العَقد الأخير منها، الذي شُيِّد في المرحلة الثالثة من بناء هذه الكنيسة. ويُذكر ان هذه المراحل الثلاث تَظهُر معالمها بصورةٍ واضحة على الواجهة الشمالية من حيث إختلاف إستعمال الحجارة وكيفية وصلها ببعضها (أنظر الصورة في أسفل المقال).
 

وفي ثمانيات القرن الماضي، وبإشراف المديرية العامة للآثار، تَمَّت إزالة الزوائد التي كانت قد أضيفت اليها من مادة الإسمنت، ومنها البهو الخارجي ونصفية (متخّت) في الداخل. كما أزيلت المداخل الثلاثة للكنيسة التي كانت على طراز القناطر، وأستُبدلت بالأبواب ذات الشكل اللبناني التقليدي أي المُستطيل. وفي العام 2015 أعَدَّت فاتن بيرم، الطالبة في كلية الفنون الجميلة في جامعة الروح القدس في الكسليك دراسة أكاديمية عن الكنيسة وأوردت من ضِمنها المُخَطَط المِعماري العائد للكنيسة (أنظر الصورة في أسفل المقال).

 

(أنظر الصورة في أسفل المقال)ونُضيف على ذلك أنه على الحائط الشماليّ الخارجيّ للكنيسة يوجد مَنحوتةٌ باللغة العربية تؤرِّخ وفاة أحد المشايخ الحُبيشيين حيث يمكن قراءة ما يلي:

 

"مُراهقٌ حالماً تمَّ تنائ فَحَلَّ بآله الدهرَ النحيبُ

وتاق لرَبَّه عن فَرْطِ حُبٍّ تناهى وهوَ في هذا مُصيبُ

وهاج فؤادَهُ أرِّخ غراماً : "أتى مولاه يوحنّا الحبيبُ

سنة 1862".

 

وبالعودة الى سجل الوفيات في كنيسة السيّدة الحبشية العائد لتلك الفترة يتبيّن أن المُتوفّى في العام المشار اليه في اللوحة اعلاه من آل حبيش هو الشيخ أبراهيم طالب علوان حبيش. أمّا شجرة عائلة آل حبيش فَيَتَبَيّن مِنها أن الشيخ إبراهيم المَذكور كان مُتأهلاً وأباً لأولاد مِمّا ينفي عنه صِفة المُراهق التي وَرَدَت في مَطلع البيت الاول. ومن ناحية أخرى يتبيّن من شجرة هذه العائلة أنه، في الفترة ذاتها، كان هناك شخص منها يُدعى يوحنّا حبيش، وهو غير مُتأهل أو من دون أولاد، مِمّا يَنطَبِق على الشطر الثاني من البيت الاخير حيث نقرأ :

"الى مولاه يوحنّا الحبيبُ"، من هنا يسود الإعتقاد بأن المقصود من هذه اللوحة التذكارية، على ما يبدو، هو الشيخ يوحنّا مِلكان حبيش.

 

أما في الداخل، فعلى الحائط الجنوبيّ تبدو منحوتة تؤرّخ لوفاة الشيخ باز شديد حبيش يُمكن ان يُقرأ عليها ما يلي:

إنتقل بالوفاة الى جنة مولاه ...المرحوم الشيخ باز إبن الشيخ شديد حبيش سنة 1757.

ويُذكر ان الشيخ باز حبيش هذا كان من بين الأعيان الذين حضروا ووقَّعوا مُقَرَّرات المجمع اللبناني الذي عُقد في العام 1736.

 

 وعلى درج المذبح، في وسط الكنيسة، يوجد لوحة تؤرخ لوفاة الخوري أنطون حبيش حيث نقرأ عليها: هنا ضريح المرحوم الخوري انطون حبيش سنة 1814.

 

يُذكَر أن الكنيسة تَعَرَّضَت في العام 1905، في فترة بناء سرايا غزير، لإنتهاكاتٍ من غير المؤمنين الذين كانوا مُتَمَثلين بأعضاء العشيرة الماسونية، فنقرأ في نبذة لحبيب مرعي عنوانها "لبنان يحكي تاريخه – سراي غزير": "تَمادى الماسون في جَرأتِهم، فأنزلوا جَرَس كنيسة السيّدة الحَبَشية الرعائية، وأخذوا حِجارتها المُعدَّة لتوسيعها وإستعملوها لدَعِم بناء السراي من جِهته الغربية"، ذلك أن بناء سراي في غزير كان أيضاً مَثار إهتمامٍ من جانب بعض أهاليها. والجدير بالذكر ان هذا الجرس منقوشُ عليه بأنه من صُنِع نجيب نفّاع سنة 1909، ونجيب المذكور هو سليل عائلة من بيت شباب – المتن الشمالي، عُرِفت بصِناعة الاجراس النحاسية والأواني الفخّاريّة.

 

ومن الآثار الطيّبة التي شَهِدَتها هذه الكنيسة هي أنها كانت مَهد عِمادة أحد أبناء غزير خليل حدّاد، الذي عُرف في ما بعد بـ "أبونا يعقوب الكبّوشي". ويَدِلُّ سِجلّ العِماد في الكنيسة العائد لهذه الفترة، ص ١٦٣ (أنظر الصورة في أسفل المقال) ، على أنه إقتبل سِرَّ العِماد في الحادي والعشرين من شهر شباط ١٨٧٥ وحَمَل فيه إسم طنّوس.

 

وكان قد طوَّبه البابا بنديكتوس السادس عشر (٢٠٠٥-٢٠١٣) في 22 حزيران من العام ٢٠٠٨، على رجاء ان تَشفَع به السيّدة الحَبَشية ليكون قريباً في مصافّ القدّيسين.