كنيسة مار سركيس وباخوس - غبالة

 

غبالِة هي قَرية كِسروانية تقَع في أعالي فتوح – كِسروان، تَرتَفِع عن َسطح البَحر ما بين 700 و1100م. تَبعُد عن العاصِمَة  بيروت 40 كلم، وعن مَدينة جونية مَركَز القَضاء 20 كلم.  يحِدُّها شَمالا بَلدَتيّ العَذرا وجورَة بِدران، وشَرقاً بَلدة نَهر الذِهب، وجُنوباً بَلدة جورَة التِرمُس، وغَرباً بَلدَتيّ الحصَين وغِدراس.

 

يَقول الدُكتور أنيس فريحَة، في كِتابه "مُعجَم أسماء المُدُن والقُرى اللبنانية" أن كَلِمة غبالِة     "Gbulta" تَعني الطين... وهذا الإسم مُشتَق من السِريانية، وهو يَعني التُربَة التي كان تُستَعمَل في صِناعة الفَخّار، والمَعروف بأنَّ غبالِة كانت غَنيّة بِهَذه التُربة...

 

من أقدَم كنائِس غبالِة والمَنطَقَة، هي كَنيسة القِدّيسين سَركيس وباخوس، فَهي تَعود الى القرن السادِس. يَقول عَنها الأب الدُكتور يوحَنّا صادِر: "أنَّ هذه الكَنيسة من أقدَم كنائِس فتوح كِسروان، كَونَها مَبنيَّة على أنقاضِ مَعبدٍ فينيقيّ، وقد بُني قِسماً مِنها من بقايا حِجارَة هذا الهَيكل". ويُتابِع ويقول: " يِتَخَيّل لي بَعد دِراساتٍ عَديدَة عن هذه الكَنيسة، تَبيَّنَ أن هذا المَعبَد كان في الأصل هَيكلاً وَثنياً صَغير الحَجِم. وبَعدَ إهتداء الأهالي، جاء عاموديٌ مَجهول الإسم، (الراهب العاموديّ، هو من أتباع  مار سِمعان العاموديّ يَنصُب له عاموداً بالقرب من هيكلِ وثنيّ يَؤُمَّه المُصلّون، فَيُبَشِّرَهُم بالمَسيح ويُعَمِّدَهُم...ثم يُحَوِّل الهَيكَل الوَثني الى مَعبَدٍ يُصَلّي فيه مع المؤمنين)، فَوَقَف على عامودٍ ما تَزال قِطعَتان مِنه باقيتان في جِوار الكنيسة، فَبَدأ يُعَمِّد الناس ويُصلّي مَعَهُم، وهنالك دَلائِل أخرى حَدَّدَها عُلماء الآثار تُثَبِّت ذلك..."

 

وبَعدَ خَراب كِسروان في أوآئل القَرن الثالِت عَشَر على يَد المَماليك، هَجَر المَسيحيون المَنطقة وغَدت فارِغَة من وجودِهِم حَتَّى العام  1516، تاريخ هَزيمَة المَماليك على يدِ العُثمانيين، الذين مَنَحوا أُمراء بَني عَسّاف، الحُكمَ على كِسروان، فَنَقَلوا مَقَرَّهم إلى غزير، وإستَقَرّوا في ما كان يُعرَف بسَرايا العَسّافيين، ناحِية دير مار فرنسيس حالياً. أرسى العَسّافيون عِلاقات مَتينَة مع المَوارِنة، بإعتِبارِهم لا يُشَكِّلون خَطراً على سُلطَتِهم مِثل خُصومِهم المُسلمين، فَشَجَّعوهُم لِلعَودَة. ويقول في هذا الصَدَد البَطريرك إسطفان الدويهي (1670-1704): "...وكذلك النَصارى جاؤوا من بِلاد طَرابلس، فَسَكن أهالي المِجدِل في عَرمون، وأهالي يانوح في كفورالفتوح...والشَيخ حبَيش بِن موسى بِن عبدالله من يانوح في غزير، وكذلك خَرَجَ من جاج الشِدياق سَركيس بِن الخازِن سنة 1545، وجاء الى بَلّونِة، وبَيت الجمَيِّل الى قاطِع بيت شَباب..."

 

وفي تِلك الفَترَة، أيّ في أوآئل القرن السادس عشر، شَعَر المَسيحييون بالطمأنينَة، بَعدَ تَشجيعِهِم من قِبَل العسّافيين لبِناء الكنائِس ومُعاوَدَة نَشاطِهم الديني... فَكانَت كَنيسة مار سَركيس وباخوس – غبالِة المُتواضِعة، من الكنائِس الأولى في المَنطقَة... وفي أوآخِر القَرن الثامِن عَشَر، أجمَعَ أهالي البَلدَة على تَجديد وتَوسيع الكَنيسة، فَأوكَلوا مُهِمَّة البِناء لِلمُعَلِّم عَبد الأحَد الغِدراسي مِن بَلدَة غِدراس المُجاورَة. تعلو الكنيسة قّبَةً لجَرَس مِن صِنِع فارِس نَفّاع وإخوانه من بيت شَباب.

 

شَهِدَت الكنيسة إزدِهاراً حتى العام 1832، لِحين شَنّ إبراهيم باشا المَصري، حَملَةً عَسكَريةً على كسِروان. هذا الأخير هو الإبن الأكبر لمُحَمّد علي باشا، حاكِم مِصر في عَهد الإمبراطورية العُثمانية، وكان قَد لُقِّبَ بنابوليون الشَرق، وهو الذي هَزَم الأتراك وفَتَح بِلاد الشام. وعن حَملته العَسكَرية، يَنقُل الأستاذ فرَنسيس الخوري يوسف حداد، في كِتابه "تاريخ الفتوح، غبالِة وجِوارِها – 1997"، عن ما وَثّقَه الأمير حَيدر الشَهابي عن تِلك الواقِعَة،  فَكتب: "أمّا إبراهيم باشا، فلمّأ بَلَغَه تَصَلُّب الكِسروانيين تِجاه حَملَته، هاجَمَهُم في مَنطقة وَطى الجَوز وأنهى تَمَرُّدِهم... فَنَهَب وأحرق عَسكَرَهُ القُرى، وفَرَّ سُكان القُرى الجَبَلية الى السواحِل، وتهيأ العسكر العُثمانيّ للهَرَب بَحراً، وكانت مُدَّة الحَرب على الكِسروانيين 20 يوماً".

 

 

ومن الذِكرَيات السَيّئَة التي تَرَكَها جُنود إبراهيم باشا، بالإضافَة الى عَمليات القَتل والخَراب، دُخولهم كنيسة القِدّيسين سَركيس وباخوس شَفيعيّ بَلدة غبالِة، والعَبث بِمُحتوياتِها، حتى أنّهُم لَم يَتَوانوا عن ضَرب لَوحَة زَيّتية بالسَيف، تَعود للقِدّيسين المَذكورين، وقد أصيبَت بِمِزقَين كبيرَين... يُذكر أن اللَوحَة هي من عَمَل الرَسّام الخوري موسى ديب الدلبتاني في العام 1793. ونقرأ في أسفَلِها العِبارَة التالية: "إعتنى بِعَمَل هذِه الصورَة بو مَنصور جرجس كامل، تَكون شَفيعَتَه وللمُتَشَوّتفين (للمُتَوفيين) مِنها وفيها دنيا وآخِرَة، 1793 مَسيحيَة". يُذكَر أنَّ الخوري موسى ديب (1730-1826)، كان رئيس دَير سَيّدة الحَقلِة في دلبتا، عُرِفَ عَنه بأنَّه رَسّاماً بارعاً، لَكَّنَ أعمالِه إنحَصَرَت في الرُسوم الكَنسيّة، كذلك عَلَّمَ الرَسم لإبن شَقيقِه كِنعان ديب، وتُعَّدّ لَوحاتِه من أقدَم اللَوحات المؤرَّخَة في لبنان، كتِلكَ المَوجودَة في كَنيسة غبالِه، ولَوحَة البطريرك ميخائيل فاضِل (1793-1795) المؤرَّخَة عام 1795.

 

رُمِّمَت اللَوحَة مِن قِبَل إبن البَلدَة الدُكتور عِصام خَيرالله، وأعادَ لها رَونَقِها، وأبقى على آثار تَمزيقِها للعَيان، لتَبقَ دَليلاً لأعمالِهم الوَحشية...

  

بالعَودة الى القدّيسين سَركيس وباخوس، فقد كانا من عِداد الجَيش الروماني زَمن الإمبراطور غاليريوس مَكسيميانوس، ومن ﺃﺧلَص ﺍﻟﺠُﻨﻮﺩ للإمبراطورية، وكانا قد إﻧﺘﺼﺮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺤَﺮﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺷَﻨّﻬﺎ ﺍﻟﺮﻭﻣﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔُﺮﺱ عام 297، ﻓﺠَﻌﻠﻬﻤﺎ الإمبراطور ﻣﻦ النبلاء.


في ﻋﻴﺪ ﺍﻷﺻﻨﺎﻡ بمَدﻳﻨﺔ ﺃﻗﻔﻮﺳﻄﻴﺎ بِبلاد ﺳﻮﺭﻳﺎ، ﺩَﻋﺎﻫُﻤﺎ ﺍﻟﻤَﻠﻚ للإﺷﺘﺮﺍﻙ ﻓﻲ ﺍلإﺣﺘﻔﺎﻝ، فَتَمَنَّعا بِسَبَب ﺩﻳﺎﻧَﺘِﻬِﻤﺎ المَيسحية التي ﺗُﺤﻈِّﺮ ﻋَﻠﻴﻬِﻤﺎ ﺗَﻘﺪﻳﻢ ﺍﻟﺬََباﺋِﺢ للأصنام... ﻓﻐَﻀِﺐ ﺍﻟﻤَﻠﻚ، ﻭﺃﻣَﺮ ﺑِﻨَزﻉ ﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺸَّﺮَﻑ ﻋَﻨﻬُﻤﺎ، ﻭأﻟﺒَﺳَﻬُﻤﺎ ﺛﻴﺎﺑﺎً ﻧِﺴﺎﺋﻴﺔ ﻟﻠﻬﺰﺀ ﻭﺍﻟﺴُﺨﺮﻳﺔ مِنهما. ﻓَﺼَﺒِِﺮﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻫﺎﻧﺔ ﺑﺈﻳﻤﺎﻥ ﺭﺍﺳِﺦ، ﻭﺻَﺮّﺣﺎ: "ﺇﻥَّ ﻟﻨﺎ ﻣَﻠِﻜﺎً ﺃﺯﻟﻴﺎً، ﻫﻮ ﺍﻟﻤَﺴﻴﺢ إﺑﻦ ﺍﻟﻠﻪ، ﺇﻳﺎﻩ ﻧَﻌﺒُﺪ، ﻭﻟﻪ ﻭَﺣﺪَﻩ ﻧُﻘﺮِّﺏ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﺫَﺑﻴﺤﺔ ﻣُﻘﺪَّﺳﺔ حَيّة". ﻋِﻨﺪﺋﺬ ﺃﻣَﺮ ﺍﻟﻤَﻠﻚ ﺑﺄﻥ ﻳُﺴﺎﻗﺎ ﺍﻟﻰ أنطيوخوس ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ، مُنذ ﻋﻬﺪٍ ﻗﺮﻳﺐ، مَرؤوسِهم، وذلك بِقَصدِ إهانتهما.


ﻭﻛﺎﻥ (ﺳَﻴﺮﺟﻴﻮﺱ) أيّ سَركيس في السابِق، يُعامِل أنطيوخوس بالحُسنى، فَعَمَد هذا الأخيرالى تَمَلُّقِهِما، لكِن دون جَدوى، فاثار غَيظَه، فأمَر بِجَلد باخوس حَتّى المَوت، ﺃﻣﺎ ﺳَﻴﺮﺟﻴﻮﺱ ﻓﺄﻋﺎﺩﻭﻩ ﺍﻟﻰ ﺍﻟﺴِﺠﻦ ﺭﻳﺜﻤﺎ ﻳُﻨﻈَﺮ ﺑﺄﻣﺮِﻩ، ﻓَﻈَﻬﺮ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺗِﻠﻚ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ ﺭَﻓﻴﻘﻪ ﺍﻟﺸَﻬﻴﺪ ﺑﺎﺧﻮس ﻳُﻌﺰّﻳﻪ ﻭﻳُﺸَﺠِﻌَﻪ. ولِمَزيدٍ من الضَغط عليه، ﺃﺧﺮَﺟَﻪ أنطيوخوس ﻣﻦ ﺍﻟﺴِﺠﻦ ﻭﺃﻣﺮ ﺑﺄﻥ ﻳُﺴﺎﻕ  سَيراً على الأقدام، بَعدَ ﺃﻥ  ﻮضِعَت ﻣَﺴﺎﻣﻴﺮ ﻣُﺴَﻨَﻨَّﺔ ﻓﻲ ﺣِﺬﺍﺋﻪ، ﻓَﺴﺎﺭ مَسافةً طويلة، ﻭﺍﻟﺪِﻣﺎﺀ ﺗَﺴﻴﻞ ﻣﻦ ﺭِﺟﻠﻴﻪ ﻭﻫﻮ ﺻﺎﺑﺮ، ﻓإغتاظ أنطيوخوس، ﻭﺃﻣﺮ بِقَطع رأسه بالسَيف، هكذا كان، فَنالَ إﻛﻠﻴﻞ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﺳﻨﺔ 307. لُقِّبا ب "الشَهيدين العَظيمين" و"أعظَم شُهداء الشرق".

 

تَمَّ بِناء العديد من الكنائس والأديرة على إسم سَركيس وباخوس، سِيّما في العِراق وسوريا ولبنان... ويُذكَر أنَّه في لبنان، يوجد ما يزيد عن 75 كنيسة تَحمِل إسم مار سَركيس وباخوس، ويُحتَفَل بعيدهم  في 7 تشرين الأول من كُل عام