دير مار سركيس وباخوس - إهدن

يَقَع دَير مار سَركيس وباخوس في إهدن، على كَتِف المِرداشيّة، في مَحلَّة "الضَّهر"، بالقُرب من نَبعٍ للمياه، مَعروف بنَبع مار سَركيس - رأس النهر، ويُدعى كذلك، لأنه يَقع في جِوار النَبع التي تَجري مياهه في وادي قِزحيا

 

لا توجَد أيّة وثيقة تُشير الى تاريخ بِناء الدَّير، لَكِنَّ من المُرَجَّح وِفقَ الأبحاث، أن يَكون قد شُيِّدَ في مُنتصف القَرن الثامِن، على أنقاضِ مَعبدٍ كِنعانيّ لإله الزَّرع. يَقول عَن الدّير البطريرك إسطفان الدويهي (1670-1704)، الذي كان له نشاطاً مُلفِتاً فيه: "... لمّا كان تاريخ سنة ألف وستماية وتسعين للمسيح، كان تجديد دير مار سَركيس – رأس النهر، وذلك أنّ العمارة القديمة كانت على قناطر من التحتي والعلي، وبعدما تزعزعت رَمّمها إبن عمنا المطران بولس المرحوم مرتين، وبعد منه سكن في الدير إبن أخينا الخوري ميخائيل، ورمّم قناطره في زمانه...فَوضَعنا يدنا عليه وأرجعناه الى ما كان أولاً..."       اً

 

أول كنيسة في الدّير، بُنيَت في العام 730 على إسم القدّيسين سَركيس وباخوس، وشُيِّدَت على صَخرةٍ، لِما لها من رَمزية، مُذكِّرَةً بقول السَيّد المسيح: "أنتَ هُو بُطرُس، أَي الصَّخرَة، وعلى هذِه الصَّخرَة سَأَبنِي بِيعَتِي، وأَبوَابُ الجَحِيم لَن تَقوى عَلَيها". الكَنيسة مَعقودَة ومُتواضِعَة، ومِن الآثار الطيّبة التي شَهِدتها تلك الكنيسة، هو أنّه في 25 آذار 1656، يوم عيد  البِشارة، تَمَّت رِسامَة البطريرك إسطفان الدويهي إبن إهدن، كاهناً

 

أمّا الكنيسة الثانية، فقد شُيِّدَت في العام 1128، في زَمن الصَليبيين، على إسم السَيّدة العذراء، مُلاصقة للكنيسة الأولى، مع فتحات بينهما، إنَّما مُستواها الأرضي أدنى. طريقة بِنائها كانت مُتطَوِّرة عن الكنيسة الأولى، من حَيث فنّ العَمارة والجَمال... والمُلفِت أن قاعدة مَذبحها الحَجَرية، تَعود الى زَمَن الكِنعانيين، وكانت تُستَعمَل لتَقديم الذَبائح وِفقَ الأب حنّا صادر

 

في الأول من شهر أيلول عام 1739، أوقَف الدويّهيون بِموجَب وثيقة، الدّير للرَهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة، بعد أن كانَت عائلة الدويهي هي التي تَهتَم بالدير، حيثُ نقرأ: "... وجه تحرير الأحرف هو أنّنا سلّمنا ديرنا مار سَركيس- رأس النهر في قرية إهدن، وجميع ما يملك من أثاث وأملاك، ومن عامر ودواثر وكل شيء من الوقاف الباينة... وصار الوضع بأسره للرهبانيّة المَذكورَة...". فَعَمَدَ الأنطونيّون الى بناء كنيسة كبيرة، مؤلفة من سِتة عقود مُصَلَّبة، ومن بَعدها، تمَّ بناء ديرٍ فوقها، شُيِّدَ على عِدَّة مراحل، وخَضَع لعَمَليات تَرميم، كانت آخرها في القَرن الماضي. هذا الدير كان كُرسيًا لمُطرانيّة إهدن المارونيّة منذ العام 1473 إلى أن تَسلّمته الرَهبنة الأنطونيّة

 

يَذكُرالأب بطرس بَركات في كِتابه "تاريخ إهدن، إن الحَبيس الفرنسي فرانسوا دي شستويل، سَكَن الدير بِرفقَة  المُطران الياس الإهدني من العام 1638 الى 1643،  قَبلَ أن يَنتَقِل الى دَير مار ليشَع في وادي قَنّوبين، حَيثُ عاش حَبيساً ومات ودُفِنَ في الدير. كذلك إستَقبل الرَحّالة النمساوي المونسنيور ميسلن عام 1848، ويوسف بك كرم أثناء مطاردته من قبل الجيش العُثماني، في زمن المُتَصَرّف داوود باشا عام 1866، والبَطريرك الماروني أنطون عَريضة عام 1932

 

ويَلفُت النَظَر في جِوار الدير، شَجرة جَوز مُعَمِّرة، تجاوز عُمرِها الألف سنة، جِزعِها الذي يَزيدُ قَطرَه عن الثماني أمتار، يَضمُّ تمثالاً للسَيّدة العذراء

 

بالعَودة الى القدّيسين سَركيس وباخوس، فقد كانا من عِداد الجَيش الروماني زَمن الإمبراطور غاليريوس مَكسيميانوس، ومن ﺃﺧلَص ﺍﻟﺠُﻨﻮﺩ للإمبراطورية، وكانا قد إﻧﺘﺼﺮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺤَﺮﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺷَﻨّﻬﺎ ﺍﻟﺮﻭﻣﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔُﺮﺱ عام 297، ﻓﺠَﻌﻠﻬﻤﺎ الإمبراطور ﻣﻦ النبلاء

 

في ﻋﻴﺪ ﺍﻷﺻﻨﺎﻡ بمَدﻳﻨﺔ ﺃﻗﻔﻮﺳﻄﻴﺎ بِبلاد ﺳﻮﺭﻳﺎ، ﺩَﻋﺎﻫُﻤﺎ ﺍﻟﻤَﻠﻚ للإﺷﺘﺮﺍﻙ ﻓﻲ ﺍلإﺣﺘﻔﺎﻝ، فَتَمَنَّعا بِسَبَب ﺩﻳﺎﻧَﺘِﻬِﻤﺎ المَيسحية التي ﺗُﺤﻈِّﺮ ﻋَﻠﻴﻬِﻤﺎ ﺗَﻘﺪﻳﻢ ﺍﻟﺬََباﺋِﺢ للأصنام... ﻓﻐَﻀِﺐ ﺍﻟﻤَﻠﻚ، ﻭﺃﻣَﺮ ﺑِﻨَزﻉ ﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺸَّﺮَﻑ ﻋَﻨﻬُﻤﺎ، ﻭأﻟﺒَﺳَﻬُﻤﺎ ﺛﻴﺎﺑﺎً ﻧِﺴﺎﺋﻴﺔ ﻟﻠﻬﺰﺀ ﻭﺍﻟﺴُﺨﺮﻳﺔ مِنهما. ﻓَﺼَﺒِِﺮﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻫﺎﻧﺔ ﺑﺈﻳﻤﺎﻥ ﺭﺍﺳِﺦ، ﻭﺻَﺮّﺣﺎ: "ﺇﻥَّ ﻟﻨﺎ ﻣَﻠِﻜﺎً ﺃﺯﻟﻴﺎً، ﻫﻮ ﺍﻟﻤَﺴﻴﺢ إﺑﻦ ﺍﻟﻠﻪ، ﺇﻳﺎﻩ ﻧَﻌﺒُﺪ، ﻭﻟﻪ ﻭَﺣﺪَﻩ ﻧُﻘﺮِّﺏ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﺫَﺑﻴﺤﺔ ﻣُﻘﺪَّﺳﺔ حَيّة". ﻋِﻨﺪﺋﺬ ﺃﻣَﺮ ﺍﻟﻤَﻠﻚ ﺑﺄﻥ ﻳُﺴﺎﻗﺎ ﺍﻟﻰ أنطيوخوس ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ، مُنذ ﻋﻬﺪٍ ﻗﺮﻳﺐ، مَرؤوسِهم، وذلك بِقَصدِ إهانتهما

 

ﻭﻛﺎﻥ (ﺳَﻴﺮﺟﻴﻮﺱ) أيّ سَركيس في السابِق، يُعامِل أنطيوخوس بالحُسنى، فَعَمَد هذا الأخيرالى تَمَلُّقِهِما، لكِن دون جَدوى، فاثار غَيظَه، فأمَر بِجَلد باخوس حَتّى المَوت، ﺃﻣﺎ ﺳَﻴﺮﺟﻴﻮﺱ ﻓﺄﻋﺎﺩﻭﻩ ﺍﻟﻰ ﺍﻟﺴِﺠﻦ ﺭﻳﺜﻤﺎ ﻳُﻨﻈَﺮ ﺑﺄﻣﺮِﻩ، ﻓَﻈَﻬَﺮ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺗِﻠﻚ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ ﺭَﻓﻴﻘﻪ ﺍﻟﺸَﻬﻴﺪ ﺑﺎﺧﻮس ﻳُﻌﺰّﻳﻪ ﻭﻳُﺸَﺠِﻌَﻪ. ولِمَزيدٍ من الضَغط عليه، ﺃﺧﺮَﺟَﻪ أنطيوخوس ﻣﻦ ﺍﻟﺴِﺠﻦ ﻭﺃﻣﺮ ﺑﺄﻥ ﻳُﺴﺎﻕ  سَيراً على الأقدام، بَعدَ ﺃﻥ  ﻮضِعَت ﻣَﺴﺎﻣﻴﺮ ﻣُﺴَﻨَﻨَّﺔ ﻓﻲ ﺣِﺬﺍﺋﻪ، ﻓَﺴﺎﺭ مَسافةً طويلة، ﻭﺍﻟﺪِﻣﺎﺀ ﺗَﺴﻴﻞ ﻣﻦ ﺭِﺟﻠﻴﻪ ﻭﻫﻮ ﺻﺎﺑﺮ، ﻓإغتاظ أنطيوخوس، ﻭﺃﻣﺮ بِقَطع رأسه بالسَيف، هكذا كان، فَنال إﻛﻠﻴﻞ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﺳﻨﺔ 307. لُقِّبا ب "الشَهيدين العَظيمين" و"أعظَم شُهداء الشرق".     ق

تَمَّ بِناء العديد من الكنائس والأديرة على إسم سَركيس وباخوس، سِيّما في العِراق وسوريا ولبنان... ويُذكَر أنَّه في لبنان، يوجد ما يزيد عن 75 كنيسة تَحمِل إسم مار سَركيس وباخوس، ويُحتَفَل بعيدهم  في 7 تشرين الأول من كُل عام