دير سيّدة الناطور - أنفة الكورة

يَقَع دَير سَيّدة الناطور في مَنطقة قِلحات، قضاء الكورة، بِمُحاذاة الشاطىء بَين أنفة والقَلمون، قِبالة دَيريّ سَيّدة النورية جُنوباً وسَيّدة البلمند شمالاً، تُحيطه مَلّاحات وإشجار زَيتون، في مَساحتة 800 ألف مُربَّع تقريباً، تَملُكها أبرَشية طرابلس والكورَة وتوابِعِها للروم الأرثوذوكس
 
وِفقَ الوَثائِق، فَفي القَرن السادِس، كان يوجَد في المَحَلَّة المذكورة كنيسةٌ بيزنطيّة، تَهَدَّمت من جَرّاء زِلزال، وفيما بعد، أقيمَ دَيراً مَكانِها في الحَقَبَة الصَليبية، من قبل الرهبان السيستيريين، ومن بَعدِهم، إستُكمِل بناؤه على مراحل عِدَّة. فهو مؤلَّفٌ من طابقين يَضُمّان الكنيسة والعلّايات بالإضافة الى الأقبية. خَضَع لعِدَّة عَمليات تَرميم خِلال القُرون الماضية، وأثناء الحَرب العالمية الأولى، تَهَدَّم القِسم الشَمالي منه من جَرّاء قَصفٍ بَحريّ من قِبل قوات الحُلَفاء. وبَعدَ الحَرب العالَمية الأولى، هَجَر الرُهبان الدَير، فَعَمَدَت المُطرانية المُشرِفة عليه، الى إيواء بَعضاً من أهالي الجِوار، حَيثُ إستَثمَروا في الأراضي الزراعية المُحيطة به. ويُروى أنَّه في أربعينيات القَرن الماضي، سَكَن الدَير مواطِن روسيّ يُدعى ألِكسي دوستوفسكي، ويُنسَب اليه إنشاء أول دولاب هواء يَعمَل على البَطارية لتَشغيل المَلّاحات، مُساعداً الأهالي لإستخراج المِلح البَحري
 
بقيَ الدَيرعلى حالِه، حَتى العام 1973، تاريخ مَجيء الأخت كاترين الجَمَل، إبنة المينا – طرابلس. مَكَثَت فيه، حتى وفاتِها في العام 2019، ولم تُغادِره إلّا في العام 1976، حين سافَرَت الى فرنسا لمُدة ثلاث سنوات، بعد أن هوجِم الدَير وحُرِق، وعُبِثَ بِمُحتوياته... وبَعدَ عَودتها من فرنسا، أعادَت الروح الى الدَير، وذلك بمُباشرتها بأعمال التَرميم من مَردودَها الخاص (عُرِف عنها بأنها كانت خيّاطة ماهِرة)، بالإضافة الى التَبَرُّعات، بِمواكِبِة المُهندس المَعماري جورج ساسين عاونه المهندس ديب ديب...أُنجِزَت مُعظَم الأعمال في العام 2013. وبالنسبَة لكَنيسة الدَير، فهي مَبنية وِفقَ النَمَط المِعماريَ المَحليّ، ذو سوقٍ واحِد مع عقدٍ سَريريّ، وقِبَّة حَديثة، مُستوحاة من قِبَّة سيّدة البَلَمَند

 

ومن الأعمال المُمَيَّزَة التي أضيفَت الى الكنيسة بعد التَرميم التي قامت به الأخت كاترين، كانَت الجِداريات التي غَطَّت جُدرانِها، قأضفَت عليها رَونقاً فنيّاً فريداً. فكانَت الأخت كاترين قد أوكلَت مُهِمَّة رَسم الجِداريات الى راهب روسيّ يُدعى أمبرواز، وجان وانطوان، راهبان فرنسيان من دَير يوحنا الدِمشقي الارثوذوكسي، فَقاموا بالرَسم على مَراحِل، بين عامي 1997 و1999، وإعتمدوا في طريقة الرَسم، النَمَط الأيقوني البيزنطي، لناحية الوجوه والألوان، كذلك إعتُمِدَ مَنهج التوزيع الأرثوذوكسي للأيقونات، بِحيثُ خُصِّصَ القِسم العُلوي للسَيّد المسيح، فَتروي الأيقونات مراحل حَياته، من ميلاده الى آلامِه وصَلبِه وقيامَتِه...وفي وَسَط السَقف أيقونة زرقاءُ تُشير الى صُعودِه الى السماء. وفي القِسم السُفلي تَروي الأيقونات، سيرة السَيّدة العذراء مُنذ البِشارة حتى وفاتها. وداخل الهَيكَل، أيقونات آباء الكنيسة، الذين كَتَبوا القَداديس الإلهية، غريغوريوس اللاهوتي، وباسيليوس الكبير، ويوحنا ذهبي الفَمّ. وعلي يَسار الهَيكل، أيقونَة تَعود الى القَرن الثامِن عَشَر، يَبدو فيها صَيّادين ضِمنَ مَركَبٍ في بحرٍ هائِج، يَطلِبون شَفاعَة العَذراء ويَسوع، وهذه الأيقونة هي شَفيعة البَحّارة والصَيّادين. أمّا الكِتابات بِجانِب الأيقونات، فهي من عَمل خَطّاطٍ طَرابلسيّ، لا يُجيد، لا القراءة ولا والكتابة، لكِّن نَفّذَ الخَط بِطَريقة الرَسم


كذلك أنشأت الأخت كاترين مَزار الشاغورة بين عامي  1995 و2000، لِحِفظ أيقونات الدَير القديمة التي تَعود الى القرن الثامن عشر، والتي تَنتَمي الى المَدرسة الحَلَبية، وأيقونة سَيّدة الرُقاد التي تَعود الى القرن السادِس عشر، ولحِفظِ قِطَعٍ من إيقونوستاز الكنيسة القديم، الذي يَعود الى القرن التاسِع عشر، وبيت القربان القديم

 

الكنيسة مُكَرَّسَة لِدخول السَيّدة الى الهَيكل، ويُحتَفَل بالعيد  في 21 تشرين الثاني من كُل عام، كذلك يَؤم الدَير، جُمهور المؤمنين في الخامس عشر من شهر آب، بمناسبة عيد إنتقال السَيّدة العذراء

 

وبالعَودَة الى إسم "الناطور"، يَتَداوَل الأهالي والأخت كاترين، رِوايةً عَن أن رَجلاً ثَرياً سَكَن في مَغارةٍ في المَحَلَّة للتَكفير عن خَطاياه، فَرَمَى مُفتاح المَكان الذي يُخفي فيه ثروته في البَحر، ورَبَط العُثور عليه مُجَدَداً بِغُفران الله لخَطياه. وبِرُغم العُثور على المفتاح من قبل أحد الصَيّادين، وإعادته له، عَمَد الى توزيع ثروته على الفقراء وأبقى على حَياتِه النَسكية في الكَهف... رُبَّما تَعود تَسمية الدَير بالناطور، نسبةً  إلى الفترة الطَويلة التي قَضاها الرجل في الدَير منتظراً رحمة الله

 

وفي شهر آذار 2019، رَحَلَت الأخت كاترين الى جِوار رَبِّها، ودُفِنَت بِجوار الدَير، وفي نفسها غَصَّة. تِلك الغَصَّة أورَدَتَها في وَصيّتها الأخيرة: "خَبّروا أن الراهبة ضُد المَشروع  السياحي، وتَشكو الله من وقَّع عَليه، وتُصَلّي لِئلّا يُنجَز..."  هذا لأنها كانَت وأهالي الجِوار ضُد إقامة مَشروع "ناطور"، الذي هو مُصَمَّم لبِناء مُنتَجَع سِياحي في الأراضي التابِعَة للدَير والمُحيطة به، فيُحاصِر بِذلك المِعلَم الديني ويَقضي على مَلّاحات البَلدة المشهورة بالذِهب الأبيض
 

 
يُذكَر أن الدَير كان في التاريخ المُعاصِر، مَقراً لكلٍ من العُثمانيين خِلال الحَرب العالمية الأولي، وللقوات الأسترالية خِلال الحَرب العالمية الثانية، ومَركزاً للميليشيات إبّان حوادث 1976، ومن ثُمَّ قوات الرَدع العَربية، وبَعدَها الجَيش اللبناني. وكانت السَيّدة فيروز قد أحيَت فيه تَرانيم الجُمعة الحَزينة في العام 2013