دير سيّدة البَلَمَند - قلحات

كلمة البَلَمَند مُشتَقَّة من الكلمة الفرنسيّة "بِلمون"، وهو إسم أطلقَه الرُهبان السيسترسيّون، في القَرن الثاني عَشَر، على أوّل دير لهم في المَشرِق، شَيَّدوه على تلّةٍ يبلغُ إرتفاعها ثلاثمائة متر عن سَطح البحر، تُطلُّ على السَهل الساحليّ، وتبعد سِتّة عَشر كيلومترًا عن طرابلس، وثمانين كيلومترًا شمال بيروت.   

منذ العام 1603، غدا هذا المَوقَع مركزًا لدير أرثوذكسيّ مُكرَّساً للعذراء مَريم وللقِدّيس جاورجيوس. وما يزال مكان صَلاة وتأمّل، ومنذُ العام 1970 أصبح البَلَمَند مُجمّعاً يتَكَوَّن من مؤسّسات دينيّة وتربويّة تَشمُل ثانويّة سَيّدة البَلَمَند، فَمَعهَد القدّيس يوحنّا الدِمشقيّ اللاهوتيّ، ثمّ جامِعَة البَلَمَند التي تأسَّسَت في العام 1988، والتي أصبَح المَعهَد اللاهوتيّ جزءًا منها.

تَدُلّنا طبيعة المَوقع على أنّ ديرًا بيزنطيًّا قديمًا كان قائمًا هناك على الأرجح. لكن من المؤكّد أنّ الرهبان السيسترسيّين، القادمين من فرنسا، أسّسوا دير سيدة البِلمون في العام 1157، كأوّل وأهَمّ مؤسَّسَة من مؤسَّسات سيسترسيّة عدّة أنشأوها في المشرق.

تَكشِف أبنية الدير التي شُيّدت بين الأعوام 1157 و1169، عن مُستوًى عالٍ من الرفاه، إستمرَّ حتّى أواخر القرن الثالث عشر. ورُغمَ أنّ ما من وثيقة قد بَقيت لتُسجَّل مراحِل حياة الدير السيسترسيّ، إلاّ أنّه بالإمكان إدراك مَدى أهمّيته عِبرَ حَجم الأراضي الزراعيّة التابعة له. فقد كان السيسترسيّون مَعروفين بإجتهادهم في العمل الزراعيّ، الذي يُستدَلّ عليه من تَعَدُّد الأقبية والمخازِن والإسطبلات الموجودة في دير البِلمون.

لقد حال تَهديم المَماليك إمارات الصَليبيّين وحُصونهِم دون إستمرار إزدهار البَلَمَند. فآخر ذِكر للدَير في الوثائِق السيسترسيّة، يعود إلى العام 1287. إذ إستولى المَماليك على طرابلس، في العام 1289، وإقترفوا المَذابح بِحقّ السُكّان المَحلّيّين...

القرون الثلاثة التي تَفصُل بين نِهاية عَهد البِلمون وإعادة تأسيس الرُهبان الأرثوذكس للدير، غير مَذكورة بِشكلٍ وافٍ في الوثائق. إلاّ أنّ البحوث في عِلم الآثار، التي أُجريت مُنذ العام 1964، لَم تَكشف عن وجود الخَزَف أو بقايا أخرى من العَصر المَملوكيّ، ما يدلُّ على أنّ الدير كان مَهجورًا بالكامِل في تِلك الحَقبة. من جهة أخرى، تُشير مَخطوطة أرثوذكسيّة من العام 1492 إلى أنّ بَعضَ النُسّاك سَكنوا المَوقَع في تِلك الفترة، ولَكِنَّ على الأرجَح لوَقتٍ مَحدود.

يرِد أوّل ذِكر لِلَفظ "بَلَمَند" في الإحصاء العُثمانيّ لسورية، الذي أجري في العام 1521، بعد مرور خَمس سنوات على الفَتح العُثمانيّ. وهو مَذكور كمَزرعة تابِعَة للأراضي التي يملُكُها أحد موظّفي الدولة العُثمانيّة. وبهذه الصِفَة ذاتها تَمَّت الإشارة إلى البَلَمَند مرّة أخرى في الإحصاء العُثمانيّ الثاني، العام 1571، لِكَونه تابعاً لقلعة طرابلس. هاتان الإشارتان الرَسميّتان لا تأتيان على ذكر الدير بحدّ ذاته، لكنّ المَخطوطات المَنسوخَة في البَلَمَند في العامين 1598 و1599 تُشير إلى وجود رُهبانيّ مَحدود، وربّما غير رَسميّ في نهاية القرن.

حَدَث التَرميم الرَسميّ لدير البَلَمَند في العام 1603. فالصفحة الأولى من سِجلّ الدَير المُدَوّن في العام 1610 تُفيد بأنّ الدير السيسترسيّ رُمّم على يد رهبان أرثوذكسيّين بعد أن أُهمِل على مدى 330 سنة، إثر إتّفاق تَمَّ بين الرئاسة الكنسيّة الأرثوذكسيّة والأعيان والرُهبان وسُكّان مَنطَقَة الكورة. فالمُبادَرة قام بِها يواكيم متروبوليت طرابلس (1539-1604)، مع موافقة الموظّفين الرَسميّين المُسلمين وسليمان اليازجي المَسيحيّ، أمين سرّ والي طرابلس العُثمانيّ. كان الدير مَهجورًا ولم يَكُن يَملُك أيّ أرض زراعيّة؛ لكنّ العِقار الزراعيّ المُحيط به تحوَّل رسميًّا إلى وقف للدير. في ذلك الوقت، إنتقل الأب مَكاريوس الديراني، الذي كان قبل ذلك رئيس دير كفتون، من أميون إلى البَلَمَند ومعه حوالي إثني عشر راهبًا. فزرعوا كُروم العِنَب والتوت والزيتون وإبتاعوا قطيعًا من الماعز وبعض البقر. وبحلول العام 1610، تاريخ تَدوين السِجّل المَذكور آنفًا، كانت الحياة الرهبانيّة قد إستتبّت في الدير وإستمرّت بالإزدهار على نحو غير مُنقطع. كان البَلَمَند مَحظوظًا لإجتيازه مرحلة النِزاع والإقتتال الذي شَبّ في صفوف العَشائِر والفَصائِل والمَذاهب اللبنانيّة من دون أن يلحق به أيّ ضرر، وذلك طوال مرحلة الحُكم العُثمانيّ. في الواقع، تَحَوَّل الدير إلى مَركز مَحلّيّ مُهمّ إشتهر بإستضافة المُهجّرين والزوّار على إختلاف أجناسهم وإنتماءاتهم.

ومنذ تاريخ قديم، كانت للبَلَمَند عِلاقات جيّدة مع الدَولة والكنيسة الروسيّة. ففي العام 1651، كَتَب رُهبان البَلَمَند إلى القَيصر ألكسي، طالبين منه إرسال المَعونة الماليّة لهم. وعيّن الراهب سابا مَسؤولاً عن جَمع المُساهمات من روسيا، فأمر القَيصر والبطريرك نيكون جميع موظّفي الحُدود بتسهيل مرور الأرشمندريت سابا، كما قدّم له الأحصِنَة والحرُّاس ومنع فَرض الضرائب عليه.

بعد رحيل الإنضماميّين في بدء عشرينيات القرن الثامن عشر، تَقَلَّص عدد الرهبان إلى ثلاثين. فَقَد فَرَضت عليهم الدولة العُثمانيّة ضرائب كبيرة. وتَذكُر المَصادر الروسيّة أنّ البَلَمَند، إثر بدء الثورة اليونانيّة في العام 1821، تَعرّض إلى التَخريب والإنتقام وهُجر لفترة من الزمن دامت حتّى العام 1830، تاريخ مجيء الرئيس أثناسيوس الذي قام بإعادة إحياء الدير.

دير البَلَمَند، بِمبانيه المُنتشِرَة على مَساحة تُقارب خَمسة آلاف متر مُربّع، أشبَه بقريّة صَغيرة. ثَمَّة بابان قديمان في الجدارين الجنوبيّ والشرقيّ يؤدّيان إلى ساحة داخليّة مُربّعة الشكل، تَحدِّها من الشمال كنيسة السيّدة ومن الغرب كنيسة القدّيس جاورجيوس، ومن الجنوب والشرق قاعات كبيرة ومخازن مَقبّبة، وهناك دَرجان حَجَريّان يفضيان إلى الطابق العلويّ. يتبع مُخَطّط البناء النموذج الرُهبانيّ بشكل دقيق، فهو مُحكم الإغلاق والكنيسة تقع في أبعد مكان عن المدخل الرئيس للدير. ويقع الدير على تلّة مُرتفعة مُطلّة على طرابلس والساحل ما جَعَلَه يَشِذّ عن القاعدة على إتّبعها الرهبان السيسترسيّون، الذين بنوا أديارهم في الوديان الخصبة بعامّة. على الأرجح أنّ هذا المَوقَع الإستراتيجيّ للبَلَمَند، قد تمّ إختياره بهدف تأمين الحِماية ومُراقبة الطريق الساحليّة.

تُشكِّل كنيسة سيّدة البَلَمَند الواقعة في الطَرَف الشَماليّ لِلساحَة المُقفلة المِحوَر الرئيس للدير. فهي تَتألّف من صَحن رئيس واحد يُفضي في نهايته إلى هَيكَل كبير تَحوط به غُرفة كبيرة من كُلّ جهة. قِبّة الكنيسة الأسطوانيّة الشَكل تَرتكِز بكلّيّتها على الجدران الخارجيّة الضخمة، التي تَبلغ سَماكتها حوالى مِترين والخالية من أيّة زينة تمامًا، إلاّ من إفريز بسيط يمتدّ بمحاذاة قاعدة القبّة، ونافذَة كبيرة ورديّة الشكل تعلو المَدخل الغربيّ. ويَدلُّ حَجم الكنيسة على أنّ جَماعة رُهبانيّة كثيرة العدد كانت تُقيم في هذا الدير السيسترسيّ.

قِبّة الجَرَس هي المِعلَم الخارجيّ الأكثر روعة للدير. فهي مَبنيّة على الطِراز البروفنسيّ الغوطيّ، وهي الوحيدة في الشرق الأوسط التي تَعود إلى العَصر الوسيط. ترتفع هذه القبّة فوق القَوس النُصف دائريّ، شَكلُها مُربّع وكلّ حافةٍ من حَوافّها مُزيّنة بِفَتحة مُقَوّسَة.

إلى الشمال الشَرقيّ من الفَناء المُغلق تَقَع القاعة الكبرى التي بُنيت في القرن الثالث عشر، وهي بناء ضخم وصَلب تفوق مَساحته مَساحة الكنيسة. في القرن السابع عشر، حَلَّت مَكان القِبّة الأساسيّة قِبّة جديدة من طِراز مُشابه، ولكن على مستوى أدنى بحيث صارت النافذة الأنيقة الورديّة الشكل الواقعة في المدخل الغربيّ أقرب إلى القبّة.

قدّمت الحَقَبَة الأرثوذكسيّة إضافات مُهمّة إلى مَباني الدير وأثاثه. فقد إستَعمَل الرهبان الأرثوذكس حِجارة البناء والأعمدة والعناصر الزخرفيّة السيسترسيّة لتَشييد أقسام أخرى، فَحوّلوا قاعة الإجتماع الرئيسة إلى كنيسة القدّيس جاورجيوس، وجَمّلوا كنيسة السَيّدة بهيكلٍ جديد وإيقونسطاس خَشبيّ مَنحوت وإيقونات ثمينة وصُلبان مُزخرَفَة ومَرسومة، ولَوحات زَخرفيّة وبلاط من الرخام الأبيض.

كما أضاف الرهبان ثلاثة أقسام جديدة إلى الدير هي الحناج الحلبيّ في العام 1652، والجناح البطريركيّ في العام 1711 والمدرسة في العام 1899.

المَخطوطات المائة والسَبع الموجودَة في مَركز القديس يوسف الدِمشقي لَترميم وحِفظ المَخطوطات والتابع لدير البَلَمَند هي إرث ثمين تَملِكَه البطريركيّة الأنطاكيّة. بدأ جَمع المَخطوطات مع إعادة تَرميم الدير، في العام 1603، وتَطَوّر بعدَ ذلك بِشكل مُستمِرّ رُغمَ فُقدان الكثير من المَخطوطات التي قُدّمت كهدايا والموجودة اليوم في مَكتبات الغرب. كما سُرِق عددٌ من المَخطوطات إبّان الحَرب الأهليّة اللبنانيّة ولَكِنَّها أعيدت إلى الدير في العام 1987، باستثناء الأناجيل المزخرفة الثلاثة. إثنان من هذه الأناجيل أنجَزَهُما يوسف المُصوِّر الذي كان يعيش في حَلب، أواخر القرن السابع عشر.

 كان دير البَلَمَند، في مُختلف مَراحِل وجوده على مَدى أربعمائة سَنة، مَركزًا للإيمان الأرثوذكسيّ في الشَرق الأدنى، وبهذا إكتسب تُراثًا ضَخمًا من الفَنّ الكَنَسيّ. فَكُلّ من كنيستيه مزوَّد بإيقونسطاس فَخم. الإيقونسطاس الموجود في كنيسة السيّدة مَصنوع من خَشب الجوز الداكن اللمَّاع، وقد حُفر في مقدونيا في أواخر القرن السابع عشر. وكنيسة القدّيس جاورجيوس تَملُك إيقونسطاسًا سوريّ الصنع من الرخام الأسود والأبيض.

ترتصف على الإيقونسطاس والجدران في كلا الكنيستين مجموعة من الإيقونات رُسِمَت بِمُعظَمِها في حَلب، بين آخر القرن الثامن عشر وبدء القرن التاسع عشر، وفي القُدس، في مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر. وتقدّم هذه الإيقونات عَرضًا رائعًا لتاريخ رَسم الإيقونات. المِثال الرائع على هذا التاريخ الغَنيّ، هو إيقونة العَذراء "المُرشدة إلى الطريق" العَجائبيّة، والتي رسمت في السنة 1318، ولكنّ عددًا كبيرًا من الخبراء يعتقد أنّها تعود إلى القرن العاشر، ورُبّما كانت أقدَم إيقونة في الشرق الأوسَط. هذه الأيقونة مَحفوظة اليوم إلى يسار الإيقونسطاس في كنيسة السيّدة، بعد ترميمها على يد ميخائيل الكريتيّ في بدء القرن التاسع عشر.

يتضمّن الإرث الفنّيّ للبَلَمَند أيضًا مَجموعة من الأدوات الليتورجيّة القَيّمة والجَميلة، من بينها أناجيل يونانيّة مَطبوعة مُجلّدة بأغلِفَة فِضّيّة مَحفورة؛ وكؤوس مُناولة من القرن الثامن عَشر عليها زَخرفات فِضّيّة ومُرَصَّعَة بالجواهِر؛ وصُلبان فِضّيّة أو ذهبيّة للتطواف؛ وسِتّة صُلبان خَشَبيّة أصغر حَجمًا مرصعة بالذهب أو الفضّة، على الأرجح أنّها صُنعت في جَبل آثوس في القرن الثامن عشر. لكنّ الأجمل من ذلك كلّه ثياب الكهنة المُحاكة من الساتان أو المُخمل، والمُطَرَّزَة بالفِضّة والذهب والحرير. وقد طُرّزت عليها بأناقة زخارف العربسات وبعض المشاهد والأشخاص.



المصدر: كتاب "أديار الكرسي الأنطاكي"، منشورات جامعة البَلَمَند، 2007.

https://youtu.be/0uJb8UlpS0w