كنيسة مار تاودوروس -  بحديدات

https://www.youtube.com/watch?v=03PIu92wNrk&list=PLtuhNwQjShoyTMR2EhMZ3N6pDOULJ2tT_&index=12

                                               

 بحديدات قريةٌ من القرى الصغيرة الإستثنائية المنتشرة في جبل لبنان. من الناحية الجغرافيَّة هي مركز اصطياف وإشتاء للعائلات والأقارب، وكانت قديمًا مركز مطرانية، لفترة وجيزة، على عهد البطريرك بشارة الراعي، عندما كان مطرانًا لأبرشية جبيل المارونية. فيها الكثير من الأجران والمعاصر القديمة التي تعكس صورة القرية التراثية، وهي ذات ثرواتٍ تاريخية ثمينة تشهد على ان القرون الماضية كانت ذات ذات قيمة حضارية، ما يزيد على غنى لبنان بين الدول الغنيَّة بتراثها الأثريّ والفنّيّ.

يقول الدكتور أنيس فريحة، في كتابه "معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية"، إستنادًا إلى الرحَّالة إرنست رينان في كتابه "رحلة إلى فينيقيا"، إن إسم بحديدات، آتٍ من "حديدات" التي هي إسم إلَهة سورية فينيقية، فيكون معنى إسمها "هيكل حديدات" على أساس ان الباء مقطوعة من "بت" أي "بيت". ويضيف فريحة إقتراحاً يُعتبَر الإسم آتياً من bet Hadtaté اي "محلة البيوت الجديدة".

صحيح أنّها قريةٌ صغيرة، إلّا أنها ذات إمتداداتٍ عبر لبنان لأنها من تلك "القرى الأُمّ" التي توزَّعت منها العائلات في نزوحها من الشمال الى الجنوب، فكان لها "إبنةُ" في عاليه هي قرية "دفون" المؤلَّفة بمعظمها من أبناء عائلة "أبي عاد" التي وفدت إليها من بحديدات كما يشهد على ذلك كتاب المحامي ميشال شبلي عن عمّه المطران بطرس شبلي أبي عاد إبن قرية دفون. ترتفع عن سطح البحر حوالي 550 متراً، وتبعد عن العاصمة بيروت 47 كيلومتراً، وتقوم فيها كنيسة أثرية على إسم القديس الشهيد مار تاودوروس الكبير التي تَحتفظ، على مجموعةً مزخرفة من الجداريات تصوّر تاريخ الخلاص الذي يتجلّى بعدَّة محاور بدأت الكنيسة الشرقية برسمها منذ بداية القرن الرابع ومطلع القرن الخامس، ورُسِمت في مار تاودوروس في القرن الثالث عشر. تحتلُّ رسوم العهد القديم قوس الحنيَّة لتُتَوَّج بيسوع الملك الضابط الكل وحوله الرسل. وفي شمال الناظر ينتصب الملاك جبرائيل، والى يمينه تستقرُّ ايقونة العذراء مريم وهي مُتشحة بالألوان.

 يعود بناء الكنيسة أقلّه للقرن العاشر، وهي ليست الوحيدةَ في القرية بل واحدة من أربع كنائس اثرية تعود جميعها الى القرون الوسطى وهي سيّدة البزاز، ومار نقولا (زخيا)،  ومار إسطفانوس الشهيد. وصف نورديغيان شكلها المعماري قائلًا: "يبلغ طولها حوالي 13 متراً وعرضها ثمانية أمتار دون حسبان حساب الرواق، وهي، بشكلٍ من الأشكال، المثال المحتذى للكابيلاّت الريفية الأُحادية الجناح. وجناحها مغطّى بقنطرة نصف أسطوانية مكسورة تنتهي بمحرابٍ نصف دائريّ مع صدرٍ مستقيم. أمّا الفتحات الصغيرة التي تعلو قوس النصر والباب الغربي فكانت المسارب الوحيدة للتهوئة.. لأن النافذة الشمالية أُضيفت في عهدٍ متأخّر". تضيف الدكتورة ندى حلو أن مشهد التضرع في الجدرانية موجود في كنيستين بلبنان... أما "تالّون موريس" فيقول، في "الحوليات التاريخية والأثرية لجامعة القديس يوسف"، أن كنيسة مار تاودوروس في بحديدات بلبنان هي ذات رسومٍ شهيرة.

وعلى بُعد ما يقارب العشرين متراً لجهة الجنوب الشرقي من كنيسة مار تاودوروس توجد كابيلَّتان مُهدَّمتان متلاصقتان، رُمِّمتا مؤخراّ. الكنيسة الغربية منهما، وهي على إسم مار نقولا، يمتدُّ أمامها رواق يأوي تحته الباب الغربي، وجناحها تُخيّم فوقه قنطرة نصف أسطوانية مكسورة كما جاء في الوصف اعلاه.

وفي مقالٍ للكاتبة نجاح بومُنصف في مجلة "الأسبوع العربي"، العدد 2187 تاريخ 7 تشرين الأول 2013 ذكرت ان هذه الكنيسة أُدرجت على لائحة الجَرد العام للمواقع الأثرية التاريخية منذ العام 1966، وهي تعود الى القرن الحادي عشر أقلّه، وتحتوي على مجموعة جدرانيات تعود الى القرون الوسطى وتُعتبر الأكثر إكتمالاً في لبنان، وتُجسّد الجدرانيات التي زيَّنتها منذ القرن الثالث عشر، موضوعاتٍ من العهدين القديم والجديد، منطلقةً من وجهة نظر أيقونية بحسب التقليد الفنّي العريق الذي جرى عليه تزيين كنائس الجبل في أيام الصليبيّين.

تُجسّد الجدرانية قصَّة الخلاص المقسومة الى جزءين: الأول يعود الى العهد القديم حيث على قمة قوس الحنيَّة الى الناحية اليمنى منها رسم جداريّ يُجسّد يدَي الربّ وموسى يتلقّى منهما الوصايا العشر، والى الناحية اليسرى النبي إبراهيم يستعدّ لتقديم إبنه الوحيد ذبيحةً للربّ، وما بين الإثنين رسمٌ للعمانوئيل وجنبه النّيرين العظيمين القمر والشمس. والثاني يعود الى العهد الجديد يمثّل بِشارة السيّدة العذراء، يليه رسم للنبي دانيال الذي رأى المسيح قبل مجيئه الى العالم، وفي الناحية المقابلة يبدو مارإسطفان الذي يُعتبر الشهيد الاول في المسيحية وأول شمّاسٍ إنجيليّ عاصرالمسيح وشهد مجيئه متجسداً. على الحائط الشماليّ ترتسم صورة مار تاودروس شفيع الكنيسة، فيما ترتسم على الحائط الجنوبيّ صورة القديس جاورجيوس يقتل التنّين.

وفي الوسط، من واجهة القوس المقدَّس، تعلو لوحة المسيح الدّيان محاطاً برموز للإنجيليين الأربعة والعذراء مريم ومار يوحنّا المعمدان والملائكة.

 وعلى هذه الواجهة نفسها، واجهة القوس المقدَّس، تُطالعنا لوحة جدارية تُمثّل بعضًا من الرسل الإثنَي عشر والإنجيليين الاربعة واقفين، ومن أصلهم أربعة يحملون بأيديهم اليسرى كتباً مختومة بالصليب. فبعض من الأسماء لا يزال مقروءاً وهو باللغة السريانية، مِمّا يتيح تبيان هوية العدد الاكبر منهم. في الوسط يقف مار بطرس ومار بولس الى جانبه، وعن يمين الأوّل يقف القديس مرقس ثم يوحنّا وفي يد كلّ ٍ منهما إنجيله، ويتبعهما أندراوس وإثنان من الرسل ثانيهما القديس توما، اما الى اليسار فنجد، إنطلاقاً من مكان بطرس، القدّيسَين لوقا ومتّى يحملان الإنجيل، ويليهما القدّيسان يعقوب وفيليبُّس.

وللدكتور كريستيان الخوري كلام على هذه الكنيسة في كتابه "العذراء مريم في لبنان" ان كنيسة مار تاودروس تبدو من الخارج كنيسةً عاديَّة ذات هيكلٍ مكعَّب، وأمامها رواق معقود تتميَّز به الكنائس المارونية القديمة، ولكنَّ في داخلها جداريات قيّمة معبّرة على الصعيدَين الفنّي والأثري.

ويتابع قائلاً انها ذات حنيَّةٍ مكوَّرة مكسوَّة بالرسوم، وعلى مذبحها كتابات لاتينية أشار اليها إرنست رينان، مضيفاً أن رسومها قد تكون متَّصلةً بالفن السرياني المقدَّس القديم. وهذا ما ذهب إليه أيضاً تقريرالخبير شارل دييهل الذي رفعه الى الأكاديمية الفرنسية في باريس عام 1927، والذي أشار اليه الأب يوحنا صادر موافقاً على ما جاء فيه من أن هذه الجداريات تعود في أصولها الى الفنّ السرياني. ولكنّ، خلافاً لما ورد بالنسبة الى الكتابات اللاتينية المحفورة على قاعدة المذبح، فان هذه الكتابات، بالتأكيد، هي بالأحرف اليونانية وتذكر بما معناه أنها "الإيمان عطية الله". أمّا تكويرة الحنيَّة فتبدو انها المدخل الرئيس للرسومات إذ تتناول موضوع التجسد في قسمَيه العهد القديم والعهد الجديد.

فالعهد القديم يمثَّل بالرسوم التي تشغل الجزءَ الأعلى من الحنيَّة، حيث يظهر إبراهيم كهلاً يحمل سكّيناً مستعدّاً لتضحية ابنه إسحق الواقف أمامه.

أمّا العهد الجديد فيتمثَّل بموضوع البشارة الذي نشهده على جهتَي الحنيَّة:

فإلى الشمال يبدو رئيس الملائكة جبرائيل على صورة شابٍ تحيط برأسه هالة ملوكية، وفي يده اليمنى عصاً وهو يلقي السلام على العذراء مريم.

بينما الى اليمين يبدو مشهد العذراء جالسةً على عرشٍ في وضع جانبيّ، لكنها مُندهشة بالمفاجأة المتمثلة بالملاك، فتستدير نحو الشمال حيث رئيس الملائكة فاتحةً يدَيها فوق صدرها ورافعةً يدها اليمنى نحو الملاك وكأنها تؤكدُ على تلقّيها البشارة.

وتُبرز الحنيَّة موضوع البشارة بأبهى مظاهره وذلك ضمن إطارٍ أخضرٍ غامق، وفي الوسط تشغل صورة المسيح كلَّ العلوّ، ويرتدي المسيح لباساً أحمر فاخراً وتحيط برأسه هالة، والى يساره العذراء ويوحنا المعمدان الى اليمين.

وقد فعلت الرطوبة فِعلها في هذه الرسوم، فيظهر تأثيرها واضحاً وخصوصاً في حركة إعطاء المخلّص البركة الإلهية بيده اليمنى التي يكاد لا يظهر منها سوى بعض الخطوط.

 وعند جِذع الحنيَّة تلوح صورة إثنَي عشر شخصاً يمثّلون الرسل، وقد رُسموا بشكلٍ مواجهٍ للناظر في داخل قنطرة ترتكز على أعمدة ذات تيجانٍ كورنثية، وإسم كل رسولٍ مكتوب قرب رأسه بالسريانية، ورأسه محاط بهالة، وتتتالى الرسوم من اليسار الى اليمين على الشكل التالي:

  • الرسول توما: شابّ في مقتبل العمر، ذو شَعرٍ قصيرٍ أسود، ويحمل بيده اليسرى رِقّاً مطويّاً.
  • الرسول أندراوس: ذو لحيةٍ وشَعرٍ أَشْيَب وعليه علامات التقدُّم في السنّ، وهو يحمل بيده اليسرى رِقّاً مطويّاً.
  • الإنجيليّ يوحنّا: شابٌّ غير مُلْتَحٍ.. يحمل بيده اليسرى إنجيلاً.
  • الإنجيليّ مرقس: وهو في ريعان الشباب، وله لحية سوداء قصيرة وفي يده اليسرى إنجيل.
  • الرسول بطرس: كهلٌ مستدير الوجه.. ويحمل بيده رِقّاً مطويّاً.
  • الرسول بولس: وهو في ريعان شبابه، أصلع الرأس، والإنجيل في يده اليسرى.
  • الإنجيليّ لوقا: وهو في عمر بولس، ذو وجهٍ مستدير، وتغطّي رأسه قلنسوة، وبيده اليسرى يحمل إنجيلاً.
  • الإنجيليّ متّى: كهل أشعث الشَّعر، يحمل إنجيلاً مرصَّعاً بالحجارة الثمينة.
  • الرسول سمعان: رجل متقدّم في السنّ، يرتدي ثوباً أحمر اللون ويحمل رِقّاً مطويّاً.
  • الرسول يعقوب: كهل ذو لحيةٍ أتلفتها الرطوبة ويحمل رِقّاً مطويّاً.
  • الرسول فيليبُّس: شاب شبيه بيوحنّا، حليق الشَّعر ويحمل رِقّاً مطويّاً.

هذا وقد رُسم الى يمين القنطرة أول شهداء المسيحية: مار إسطفان. اما الى جهتها اليسرى فيظهر رسم النبي دانيال. وعلى جناحَي الكنيسة يرتسم القدّيسان الفارسان: مار تادروس ببزَّة جنديّ ٍ رومانيّ.. ومار جرجس.

ونظراً لأهمية هذه الكنيسة من الناحية الفنّية والأثرية والتاريخية تداعت جمعيات ومؤسسات تُعنى بهذا الحقل الى إقامة ورشة ترميمٍ لها إمتدَّت من العام 2009 الى العام 2012.. بحيث تمَّ ترميم مجموعة الرسوم الجدارية التي تكسو جدران الكنيسة وحنيَّتها. وهذه الجداريات، من وجهة نظرٍ أيقونية، تشهد على التقليد العريق والغنيّ الذي كان رائجاً في تزيين كنائس الجبل اللبناني أيام الصليبيّين. كما تُبرز هذه الجداريات الملامح المحلّية ذات الطابع المبسَّط وليس الطابع البيزنطي الكلاسيكي الذي يوجد في كنائس اخرى، مما يدلُّ على إرتباط مسيحيّي جبل لبنان بمنبع المسيحية المشرقية.

وقد أُدرجت كنيسة مار تادروس هذه على لائحة المواقع الأثرية الوطنية منذ العام 1966، وتُعتبر جدارياتها التي تحدَّثنا عنها الأكثر إكتمالاً في لبنان. كما تعتبرها الباحثة في الرسوم الجدارية المسيحية في القرون الوسطى الدكتورة ندى الحلو نموذجاً لفنّ الجدرانيات في لبنان ببرنامجها الكامل الذي لا مثيل له في كنائسنا والذي يُعبّر بصورةٍ تامة عن موضوع إنتصار المسيح وكنيسته.

وتصِف الإختصاصية في الترميم إيزابيل ضومط سكاف عملية حفظ هذه الجداريات التي كانت "تُنذر بالخطر رغم الجهود التي بُذلت في سبيل منع النشّ وتسرُّب المياه من سقف الكنيسة"، مضيفةً إن طبقة الرسم كانت ضعيفةً جداً بسبب طفح الأملاح، كما ان تفاصيل السطح يحجبها بالكامل في بعض الأجزاء قناع أبيض من التكلس الناتج عن إنسياب المياه لفتراتٍ طويلة على الجدران الداخلية للكنيسة.

كذلك، تقول الاختصاصية المذكورة، ان فساد الطلاء، والشمع المستعمَل على مدى أعوام، وأعمال سدّ الفجوات بالإسمنت ساهمت في فقدان الزخارف الى حدّ ٍكبير.. وأدَّت الى تعتيمها الى درجةٍ جعلتها غير مرئية في بعض الأماكن منها.

وتتابع قائلةً ان أعمال الترميم شملت التنظيف اليدوي والكيمائي ومعالجة الطبقات الكلسية، وكذلك أُعيدَ العمل على منع نشّ المياه بالكامل من السطح، إضافةً الى سدّ الواجهة كلها بالطين للحدّ من تسرُّب المياه وضمان حماية الجداريات على المدى الطويل. كما تمَّت معالجة ستّين متراً مربَّعاً من الرسوم التي تكسو الحنيَّة واللوحات الموجودة على الجدران الجانبية للكنيسة. كذلك تمَّ إجراء دراسة مفصَّلة توثيقية بيانية وتصويرية على الرسوم تشكّل قاعدةً لبياناتٍ ثمينة للبحوث التي ستجري في المستقبل. والى جانب ذلك أُجرِيَتْ تحاليل على خليط الرمل والكلس والمواد الملوَّنة بغية الحصول على معلوماتٍ إضافية عن التقنيّات القديمة التي كان يستعملها الرسّامون المحلّيون في العصور الوسطى، ونتيجة هذه التحاليل يمكن إستخدامها في المستقبل كمرجعٍ لدراساتٍ تتناول جدارياتٍ أخرى تعود الى الحقبة نفسها وموجودة في كنائس لبنان وسوريا.

وتمويل مشروع الترميم للحفاظ على هذا التراث الفريد جرى لدى بدء عملية الحفاظ عليه في تشرين الأول من العام 2009.. التي قام بها فريق مشترك ايطالي- لبناني يضمّ ثلاثة مُرمّمين إيطاليّين وأربعة مُرمّمين لبنانيين بينهم مديرة المشروع إيزابيل ضومط سكاف، وذلك بإشراف المديرية العامة للآثار وبالاتفاق مع أبرشية جبيل المارونية. وقد بلغت تكاليف المشروع 220 ألف دولار وقامت بهذا التمويل "مؤسسة أناستاسيوس جورج ليفنتيس" في قبرص، و"صندوق السفراء للحفاظ على التراث الثقافي" التابع للولايات المتحدة، و"مؤسسة فيليب جبر"، وكارول وأنطوان القارح، وأليس وروجيه ادّه، بالإضافة الى شركة "كونسرفاسيون ش.م.ل." التي تولَّت أيضاً إدارة هذا المشروع. كذلك شارك فيه "المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية" في إطار برنامج "أثآر" الذي يهدف الى الحفاظ على التراث الثقافي في المنطقة العربية وتحسينه.