كنيسة مار سابا - إدّه البترون

https://www.youtube.com/watch?v=zrsBb8vkfgg&list=PLtuhNwQjShoyTMR2EhMZ3N6pDOULJ2tT_&index=11  

  

في قرية إدِّه الواقعة في قضاء البترون تقوم كنيسة باقية من عهد الصليبيين الذين بنوها في القرن الثالث عشر أو ربما في القرن الثاني عشر، تلك هي كنيسة مار سابا الأثرية التي ما زالت قائمة. وهي الكنيسة الرئيسية في القرية التي تحوي عدَّة كنائس.. منها كنيسة مار ماما المبنية منذ ما قبل الصليبيين أي في القرن التاسع او العاشر، والتي يقول الأب يوسف شديد ان إدِّه كانت تَحوي مدرسةً لتعليم اللاهوت ومدرسةً للأولاد.

 

 تبعد هذه القرية عن العاصمة بيروت 62 كيلومتراً، وتعلو عن سطح البحر 400 متر، ويعني إسمها، حسب عدة تفسيرات: القوية المنيعة، او المغشّاة بالضباب، كما قد يعني الجانب والجهة.

 

 في دِراسة للباحثة راي جبر أن في قرية إدِّه بقضاء البترون تقوم كنيسة على إسم مار سابا تعود في تاريخها الى عهد الصليبيين. فهي قد بُنِيَتْ، إحتمالاً، خلال القرن الثاني عشر بمُعاونة  مُعلّمي بناء غربيين كانوا موجودين في كونتية طرابلس. ذلك أن الجدران الجانبية للكنيسة مَسنودَة بدعائم تتيح إرتفاع الجناح الاوسط، وهو تصوُّرٌ جرى اعتماده في الغرب لقناطر الكاتدرائيات التي شُيِّدت في ذلك العهد. ولكنَّ الفارق بين هذه الكنائس ومثيلاتها المشيَّدة مَحلّياً في كونتية طرابلس، هو أن هذه الأخيرة كانت ضخمةً، جبّارةً وواطئة. والحنايا المشبَّكة بأقواسٍ في كنيسة مار سابا تشبه فنَّ العمارة المتجلّي في كنائس الغرب العائدة لذلك العهد.

 

وفي مار سابا مَرامٍ ضيّقة تُتيح للفُرسان إطلاق سِهامَهم على مهاجمين مُحتَملين، إنطلاقاً من داخل الكنيسة، مِمَّا يُدلّ على الطابع الدفاعيّ للصَرح. أما الدفاع عنه روحياً فكان يؤمّنه أربعة فرسانٍ قدّيسين رُسمت صُوَرهم من الجانبَين على الجدران الداخلية متجهةً نحو المذبح، ولكنَّ هذه الصور تَلِفَتْ مع الزمن...

 

 وربما كان بناء هذه الكنيسة قد حصل ببادرةٍ من أشراف الصليبيين الذين كانوا في بلادنا، مع مساهمةٍ من مسيحيي القرية لأن الكنيسة مقامة على إسم قدّيسٍ شرقيّ: مار سابا المتوفىّ سنة 532، والذي يعني اسمه "عجوزاً" او "حكيماً" باللغة السريانية.

 

وفي لمحةٍ تاريخية عن هذه الكنيسة،  يروي  Levon Nordiguian  في كتابه “Chateaux et Eglises du Moyen Age au Liban” ، أن كنيسة مار سابا في إدِّه – البترون كانت كل جدرانها، دون شك، مغطاة بالصُوَر، لكن لم يبقَ منها سوى مقتطفات مشتَّتة، بحيثُ نُلاحِظ ضمن مَشهد رُقاد العذراء الموجود على الحائط الشماليّ انه لم يبقَ منه سوى وجوه بعض الرسل والأساقفة وجزء من المسيح يَحمِل روح أمّه والملائكة بقربه.

 

وهناك كتابة من ثلاث كلمات هي: "يعقوب أخو الربّ". ويتميز الرسم في الكنيسة بالرقَّة والشفافية، وهي صفات غير موجودة إلا في الرسوم البيزنطية. ذلك أن فنَّ الجدرانيات في هذه الكنائس، بالرغم من انه يتجلّى في الفترة الصليبية، فإنه كان متَّصلاً ومتأثراً بالتراث البيزنطي.

 

 ويتابع Levon Nordiguian  قائلاً أن الوجوه في هذه الكنيسة لم تَعُد مُنبسطة، بل كوَّنتها بعض الظلال الخضراء. كما تخضع هذه الوجوه الى خطوطٍ مُنَمنَمَة تُكسِبُها طابعاً مأسوياً ودينامياً، مما يُذكّر بالنَمَط الذي كان سائداً في بيزنطية منذ النصف الثاني من القرن الثاني عشر، الذي تميَّز بخطوطه المضطربة ودينامية تأليفه وتعبيريته العميقة، وهو الأسلوب الموجود في كنيسة إدِّه، والذي له اصداء في مجموعةٍ كبيرةٍ من الرسوم البيزنطية التي تعود الى أوآخر القرن الثاني عشر. فوجوه كنيسة إدِّه لا تبتعد من حيث إداؤها وقوة تعبيرها عن هذا الأسلوب الذي دَرَج آنذاك في بيزنطية، والذي لا شك بأن الرسّام الذي صوَّرها كان على معرفة بتلك النماذج البيزنطية.

 

والطابع البيزنطي الملحوظ  قد يكون مردُّه الى تواصل العلاقة بين هذه البقعة، التي لم تَعُد تحت الحكم البيزنطي بل خضعت للتأثير الغربي (اللاتيني) على يد حُكامها الصليبيين، وبين الأمبراطورية المسيحية المُتَمَثِلة ببيزنطية، مِما حَصل معه إستمداد للنماذج الفنّية منها على الرغم من البُعد السياسي والفواصل الجغرافيَّة والادارية، اذ ظلَّ بعض الفئات من مَسيحيّي المشرق على تواصلٍ معها.

 

 وبعد هذه النبذة عن الفنّ المعماريّ الطاغي على هندسة هذه الكنيسة وجدرانياتها لا بدَّ من إلقاء الضوء على مرحلةٍ هامَّة مرَّت بها قبل العام 2012، اذ إنه لا الأيام المُتعاقبة ولا جَهل الإنسان قد حافظا على رَوعة هذه الكنيسة، بحيث أنه، في العشرينات من القرن الماضي، أقدَم القيّمون على الكنيسة على إزالة جدرانياتها من أجل طلائها من جديد، ولكنَّ لوحاتٍ قلائل من هذه الجدرانيات سَلِمَت في اللحظة الأخيرة، ورغم ذلك فإنها لم تَسلَم من طرقات الأزاميل عليها.

 

 إنما في العام 2012 عملت "جمعية ترميم ودراسة الجدرانيات العائدة الى القرون الوسطى في لبنان" : L’association pour la restauration et l’étude des fresques médiévales du Liban,  التي سبق ان رَمَّمت كلاً من كنيسة صيدنايا- كفرشليمان (البترون)، وكنيسة مار شربل معاد، وكنيسة سيّدة الخرايب في كفرحلدا (البترون)، أخذت على عاتقها ترميم كنيسة مار سابا في إدِّه - البترون، وذلك بإستدعاء الاختصاصي الروسي بترميم المواقع الأثرية Vladimir Sarabianov  للعمل فيها، وهو أستاذ في جامعة Saint-Tychon في موسكو ومعروف جداً في مجال ترميم الآثار القديمة وإعادتها الى ما كانت عليه، وذلك بإشراف المديرية العامة للآثار، وبتمويلٍ من احد المحسنين، وبتعاونٍ وثيق ما بين هذه الجمعية من جهة ومطرانية البترون المارونية وبلدية القرية من جهةٍ ثانية.

     فجاء هذا الاختصاصيّ مع فريق عمله الى لبنان، فإشتغل في هذه الكنيسة مُعيداً الحياة الى صورٍ جُدرانية رائعة تمثّل صلب المسيح ورقاده، الى جانب صورة للعذراء تحمل الطفل يسوع. فأُحتُفل بهذا التجديد لجدرانيات الكنيسة في ختام عمليَّتَي الترميم اللتين قام بهما الفريق الروسيّ في العامَين 2012 و 2013.

 

 وتقول الباحثة راي جبر أن كنيسة مار سابا هذه، سبق للبطريرك إسطفان الدويهي منذ عهده في القرن السابع عشر أن أشار اليها عندما إستطاع ان يقرأ فيها مدوَّنةً سريانية تَصِف إنتصاراً احرَزَهُ الموارنة عندما هبطوا من جبالهم لمُساعدة الصليبيين على ردّ هجومٍ شنَّه السلطان بيبرس على طرابلس في العام 1266، مما أتاح للدويهي ان يحدّد العهد الذي يعود اليه المستوى الثاني من جدرانيات هذه الكنيسة.

 

ويتابع الدويهي قائلاً أن الموارنة شيَّدوا عندئذٍ عدَّة كنائس إحتفالاً بإنتصارهم هذا، ورسموا صوراً تخليداً له على الحائط الشمالي لكنيسة مار سابا. وهناك مقطع لا يزال مرئياً في الاطار الذي تعلوه صورة رقاد العذراء، وهو مخطوط بخطّ ٍ جميلٍ جداً بالحرف السرياني الذي يُسمّى بالخط الإسترانجيلي. ومن ذلك العهد العائد الى ما بعد العام 1266 يمكننا ان نرى صورةً للعذراء جالسةً وحاملةً طفلها المزيَّنة ركبتاه برصيعةٍ على كلّ ٍ منهما.

 

 وفي كنيسة إدِّه مشهد لا يقلّ اهميةً عمّا ذكرنا.. هو صورة الصلب التي كانت، قبل عملية الترميم، لا يظهر منها سوى صورة العذراء الباكية على إبنها. أما بقَّية الوجوه فكانت مَمحُوَّة الى حدّ يجعلها غير مرئية. فكشفت عملية الترميم عن صورة الصلب هذه التي تجلَّت بكل روعتها. فالوجوه نبيلة، ورقيقة الملامح، والظلال تبدو بوضوح، مما يشدّد على القوة التعبيرية. ولهذا المَشهَد إرتباط وثيق مع الفنّ الذي كان سائداً في بيزنطية في أوآخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر، لذلك نستطيع ان نَنسُب جدرانيات كنيسة إدِّه الى الفترة المذكورة، والتي قد يعود تنفيذها الى فنّانٍ بيزنطيّ. لكن يوجد على الحائط الجنوبي مشهد للعذراء والطفل، والى اليسار جزء من حصانٍ أبيض، وفي الزاوية العليا يد ممدودة، مما يوحي بأن هذا الحِصان هو لمار جرجس الذي تُباركه يد الله. ولهذا المشهد طابع محلّيّ واضح.. يختلف كل الاختلاف عن المشهدَين السابقَين.

 

 وهكذا نشهد في كنيسةٍ واحدة في لبنان عدَّة أنماطٍ فنّية تختلف احياناً حتى التناقض، وهذا يدلّ على وجود مدارس فنّية مختلفة تعايشت سويةً في القرون الوسطى وربما تنافست في ما بينها.

 

  ولا بدَّ من الإشارة، في مجال المحافظة على الآثار في لبنان، ان المُفكّر الفرنسيّ وعالِم الآثار Ernest Renan، عندما جاء بمهمةٍ الى لبنان بإيفاد من الامبراطور نابوليون الثالث، نقل الى متحف اللوفر كُتلةً كانت تُستعمل عتبة للباب الغربي من الكنيسة. وهذه القطعة كانت مزدانةً بأسطوانة جناحية يمكن تحديد زمنها في العهد الهلّيني، مع نقشٍ في أعلاها يحمل مدوَّنةً مسيحية. والحفريات التي جرت في جنوب الكنيسة  تُبدي انها أظهرت الى الضوء بقايا تُنسب الى النموذج البيزنطي.

     وتجدر الإشارة الى أنها ليست المرة الاولى التي يأخذ فيها Renan قطعاً أثرية من لبنان، ومن ضمن ما أستولى عليه من هذه الآثار عتبة كنيسة مار تقلا في بلدة شامات الواقعة في قضاء جبيل.